"هذه التطوُّرات ستأخذ باكستان بعيداً عن كونها دولةً طبيعية، وسوف تديم الخلل الوظيفي في الداخل الباكستاني وتحبسه في سياسةٍ خارجية مُحدَّدة بالعداء تجاه الهند من جهة، والاعتماد على الصين من جهة أخرى. ومن غير المُرجَّح أن تغفر الولايات المتحدة لباكستان قريباً على تمكينها طالبان كل هذه العقود"

حسين حقاني؛ السفير الباكستاني في واشنطن

***

تُرجع واشنطن مقاومة طالبان، التي استمرت على مدى عقدين، وسيطرة الأخيرة على أفغانستان، إلى الدعم الباكستاني. على مدى نصف قرن مضى، زرعت باكستان العناصر المسلحة في أفغانستان كجزءٍ من سعيها الإقليمي الخاص لتأمين عمقها الاستراتيجي. فيما حافظت الفصائل التي اندمجت في طالبان – من مثل جماعة حقاني على سبيل المثال - على علاقةٍ لوجستية وتكتيكية واسعة مع وكالة الاستخبارات الباكستانية.

بالنسبة للمؤسسة الأمنية الباكستانية، كانت جاذبية طالبان سياسية وتكتيكية على حدٍ سواء. حتى عندما كانت باكستان حليفة مركزية للولايات المتحدة عام 2001 في حرب الأخيرة على الإرهاب، كان ثمة تعاطف أيديولوجي مع المتشددين الإسلاميين في أروقة المؤسسة الأمنية، بينما اعتبرها آخرون من داخل المؤسسة رصيداً لا غنى عنه لمواجهة الهند". تقول الواشنطن بوست الأميركية: "لطالما كان هذا سراً، لكنه معروف للجميع". حميد غول، رئيس جهاز الاستخبارات الباكستانية السابق، قال على شاشة التلفاز عام 2014: "عندما يُكتب التاريخ، سيُعلن أن وكالات الاستخبارات الباكستانية هزمت الاتحاد السوفييتي في أفغانستان بمساعدة أميركا، ثم ستكون هناك جملةٌ أخرى: أن وكالات الاستخبارات الباكستانية هزمت أميركا بمساعدة أميركا".

في سعيها لفتح خطوط تواصل مع طالبان، اتجهت الولايات المتحدة إلى حكومة عمران خان لتسهيل المحادثات مع الحركة. وبضغط من الإدارة الأميركية، أطلقت باكستان سراح عبد الغني بارادار - الشخصية السياسية الأبرز في طالبان - من السجن عام 2018 حتى يتمكن من المشاركة في مفاوضات السلام التي عُقِدَت في العاصمة القطرية الدوحة. في مقال رأي في صحيفة الواشنطن بوست الأميركية، في حزيران الماضي، جادَل خان بأنه وحكومته قاما بدور "الرافعة الدبلوماسية" التي جلبت طالبان إلى طاولة المفاوضات.

يجادل بعض النقاد بأن المحادثات كانت بمثابة تعمية على تقدم طالبان المطرد في أفغانستان، وأن طالبان لم يكن لديها أي مصلحة في الحفاظ على هيكل الدولة الهشة التي سعت الولايات المتحدة إلى ترسيخها في كابول. ولهذا أثره على باكستان أيضاً. "إن استيلاء طالبان العسكري على كابول ينتهك اتفاق السلام الموقع بين طالبان والولايات المتحدة في الدوحة العام الماضي" قال حميد مير، في الواشنطن بوست، وأضاف: "نحن الآن نواجه حالةً من عدم اليقين المتزايد، وهي تؤثر على باكستان بشكل أعمق من أيِ قوة إقليمية أخرى".

تواجه باكستان تدفقاً للاجئين الأفغان الذين سيلتحقون بما يقارب من ثلاثة ملايين أفغاني استضافتهم إسلام آباد منذ أيام الحرب الباردة. ولا يقلل استيلاء طالبان على السلطة من خطر التشدد المهدِّد لإسلام آباد. إذ يمكن أن يشجِع أيضاً الحركات الإسلامية، والانفصاليين البشتون، داخل باكستان. في غضون ذلك، ستتفاقم إحباطات الغرب من العلاقة الباكستانية بطالبان الأفغانية في الأسابيع المقبلة، وهو ما يفتح شهية الغرب للاستثمار الأمني والسياسي بالمسألة البشتونية في باكستان. الإشارات الأولى جاءت على شاكلة دعواتٌ على وسائل التواصل الاجتماعي من قادةٍ سابقين في الاتحاد الأوروبي إلى الأفغان، من أجل عملٍ دولي أكثر صرامة بشأن باكستان. كتبت كريستينا فير، في الفورن بوليسي الأميركية، قبل فترة قائلة: "بدون الدعم غير المحدود من الاستخبارات والمؤسَّسة العسكرية الباكستانية لطالبان، ستكون الجماعة مصدر إزعاج وليس قوة قتالية فعالة".

الصحافة الأميركية، بدورها، قالت أنه ولسنوات كانت الحكومة الأفغانية تعبر عن امتعاضها من الدعم الذي تقدمه باكستان لطالبان الأفغانية، لاسيما من قبلِ المؤسسة العسكرية في البلاد وأجهزة الاستخبارات التابعة لها، والمعروفة باسم الاستخبارات الداخلية[1].

في كانون الثاني 2020، وخلال المائدة المستديرة للمنتدى الاقتصادي العالمي مع الصحفيين، سخِر الرئيس الأفغاني الهارب أشرف غني من الادعاءات الباكستانية بأن حركة طالبان الأفغانية لم تعد تستهدف تطلق المدنيين في باكستان، وقال: "يمكن للمرء أن يقول أيضاً إن الأرض لا تدور حول الشمس"، حسب تعبيره.

في الجهة المقابلة يحتفل الباكستانيون بتوزيعهم الحلوى في عددٍ من المدن الباكستانية ابتهاجاً بالانسحاب الأميركي. على وسائل التواصل الاجتماعي انتقد بعض المسؤولين فشل المجهود الحربي الأميركي ومشروع "بناء الدولة الأفغانية". رؤوف حسن، المساعد الخاص لرئيس الوزراء الباكستاني عمران خان، غرد قبل على تويتر ساخراً من تقييمات الخبراء الغربيين في جنوب آسيا بالقول: "تشهد أفغانستان الآن انتقالاً سلساً للسلطة من حكومة أشرف غني الفاسدة إلى طالبان". وأضاف أن "الأداة الغربية التي حشدتها الولايات المتحدة لأفغانستان انهارت كبيتٍ من الورق".

رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان بدوره كان قد أدلى في 16 آب، في احتفال أقيم في إسلام آباد بدوله، عندما ضارب المثل بطالبان، كحركة أصيلة تواجه مخاطر الغزو الثقافي و"العبودية العقلية" التي تفرضها عملية تعليم اللغة الإنجليزية، "الأفغان كسروا أغلال العبودية" أردف بالقول.

حكومة خان (المعارض الصريح للحروب الأميركية في المنطقة) تشدد دوماً على "أهمية عمل جميع الأطراف في أفغانستان معاً لتأمين حلٍ سياسي شامل". معبرة عن امتعاضها من حالة الاضطرابات والصراعات الإقليمية، التي تفاقمت بسبب تدخُلات القوى الأجنبية وعلى رأسها الولايات المتحدة. "لسنا مستعدين تحت أي ظرف من الظروف لأن نشهد عدم الاستقرار الذي طال أمده، والذي تسبب في الماضي في التوجه نحو باكستان" قال مستشار الأمن القومي، مؤيد يوسف، في مقابلة، وأضاف "كانت باكستان تعيش معاناة طيلة السنوات الأربعين الماضية".