يُعتبر النّظام المصرفي اللبناني حجر أساس الاقتصاد اللبناني. هذه العبارة إحدى أبرز شعارات دولة ما بعد اتفاق الطائف، وكذلك هي إحدى أكبر ثغرات النظام السياسي اللبناني. إذ يُعد انهيار القطاع المصرفي اليوم السبب المباشر لانهيار الوضع المالي والاقتصادي. يختزل النظام المصرفي اللبناني في بنيته كل أوبئة النظام المصرفي الرأسمالي عالمياً، فضلاً عن وراثته كل موبقات النظام السياسي اللبناني، إن كان لجهة الخيارات أو السياسات المعتمدة، أو بنيته الهيكلية. وبدل أن تلتزم المصارف مبدأ الشمول المالي، أي دمج جميع الفئات الاجتماعيّة في النظام المالي القائم، وهو الدور الذي يفترض أن يلعبه النظام المصرفي في أي مجتمع، لعبت المصارف دوراً معاكساً من خلال استبعادها معظم التبادلات الماليّة عن حقيقة النشاط الاقتصادي والاجتماعي.

قبيل الحرب الأهلية، لعبت المصارف اللبنانية دوراً كبيراً في ربط رأس المال الخليجي بنظام السوق العالمي. مع ازدياد أموَلة النظام الرأسمالي عالمياً، وحاجة الرأسمالية لإنتاج ثروةً افتراضيّة عبر المضاربات الماليّة والورقيّة، شهد القطاع المصرفي في بيروت تحولات مضطردة. إذ لعبت المصارف دور "سوق سوداء" لتبييض الأموال في الشرق الأوسط، وكانت فضاءً مرناً للتهرب الضريبي. هذا ما يفسر استفادة القطاع المصرفي من أزمات عالمية عدة، كان على رأسها أزمة الرهون العقارية في الولايات المتحدة عام 2009، والتي أفضت لانتعاشه بدخول أكثر من 30 مليار إلى محفظة ودائعه بالعملات الصعبة.
تعتبر الدول التي تعتمد الاقتصاد النقدي، والنقد الورقي لإتمام الصفقات التجاريّة، أرضاً خصبة لتبييض الأموال، نظراً لما يتيحه هذا النمط من التداولات للأموال غير المشروعة من فرص للدخول السوق المحلي دون قيود النظام المالي الصارمة. يثير هذا النوع من الاقتصادات هواجس المصارف التجاريّة الأجنبيّة، والمركزية منها على وجه التحديد. ولعل أحد أسباب خوف المصارف الأجنبيّة المراسلة من التعامل مع المصارف اللبنانيّة يكمن في ارتفاع مخاطر تبييض الأموال في لبنان هذه الفترة، نتيجة اعتماد جميع التجار على النقد الورقي في تعاملاتهم داخل لبنان.

اليوم، فقد النّظام المصرفي مبرّر وجوده، والمتمثل أساساً برأس مال معنوي، عملت الطبقة السياسية على ترسيخها لعقود. يعود الفضل في انهيار الثقة بالمصارف اليوم لثورة 17 تشرين، وما كشفته من اختلال بنيوي في نظام عمل الطبقة السياسية. المصارف هي الخاصرة الرخوة للنظام، "الأوليغارشية اللبنانية" لا تعاني من انكشاف غطائها السياسي الإقليمي فحسب، بل ومن مشكلة أكبر تتمثل بصغر حجمها وانكشافها على المستوى الداخلي.

يشعر اللبنانيون اليوم أن ملكيّة المصارف أبعد ما تكون عن المؤسسات المالية المتعارف عنها دولياً. في الحقيقة، هي لا تعدو أن تكون محافظ نقد لأفرادٍ أو عائلاتٍ احتكاريّة تبتغي الربح السريع/ المتنامي غير المدروس.

لقد فقدت المصارف وظيفتها الاجتماعية كعنصر بناء في الحركة الاقتصادية وفي عملية التنمية. كما فقدت دورها كصمام أمان "طبقة الحظوة المسيطرة" مهما بالغت السلطة بإطالة أمد المرحلة الانتقالية اليوم. الحلول المطروحة في هذا الخصوص، لا تستطيع تجاهل ضوابط المسؤوليّة الاجتماعية التي ينبغي على الدولة فرضها حماية للشعب. بمعنى آخر، لن تستطيع أي حكومة قادمة التعاطي مع القطاع المصرفي إلا بصفته مؤسسة ذات منفعة عامة. وهذا التحوّل – إن حدث - سيشكل نقلةً نوعية في النموذج الإرشادي للقطاع المصرفي، حيث ينبغي على "المستفيد/ المصرف" أن يلتزم بضوابط أكثر اجتماعية في مسائل الربح، الملكية، والقِوامة.

لمن ستكون قوامة المصارف بعد اليوم؟. وما شكل هذه القوامة؟.

شكل القوامة سيتحدد بشكل أكبر مع تحديد أو ضبط دور المصارف الوظيفي على المستوى الاقتصادي. نظريّاً، البنك يُسهم في خلق الكتلة النقدية المكوّنة من النقد المطبوع ومن إجماليّ الودائع القصيرة الأجل. عادة تشّكل الودائع القصيرة الأجل أساس الكتلة النقدية في الأنظمة الرأسمالية أقله. ونظراً للدور الذي تلعبه هذه الودائع كشيك مصرفي ونقد في آن. صار للمصارف سلطة على غالبية الكتلة النقدية بدلاً من الدولة التي ينحصر دورها في طباعة النقد. الإشكالية في لبنان اليوم، أن الثقة المفقودة في المصارف أخرجت الودائع القصيرة الأجل من عملية التداول النقدي. فهل يمكن الاستمرار في اعتبار الودائع قصيرة الأجل جزءاً من الكتلة النقدية؟

يجيب الباحث الإقتصادي زياد الحافظ في صحيفة الأخبار (عدد الإثنين 23 آب 2021) عن هذا السؤال بالنفي. لقد تم تحويل الودائع القصيرة الأجل إلى الخارج فور اندلاع الأزمة مباشرة. "هذه الكتلة النقدية لم تكن منخرطةً في الدائرة الاقتصادية لأنّها كانت تكتفي بالمردود الرّيعي المتمثّل في الفوائد المرتفعة على الودائع". إن عدم إسهام هذه الكتلة النّقدية في عملية الإنتاج وزيادة الناتج الداخلي، فضلاً عن دورها السلبي في رفع مؤشرات الاستهلاك شكل ضغطاً غير ضروري على الليرة اللبنانية. "أما إذا تمّ اعتماد كتلة نقدية قوامها العملة المطبوعة من قبل الخزينة اللبنانية (وليس مصرف لبنان)، فإنّ دورها في الاقتصاد يكون أفعل" يقول الحافظ. يحتاج تنشيط الإنتاج للقروضٍ المصرفيةٍ المتوسطة والوطويلة الأجل، وهذا من شأنه . موازنة حجم الكتلةِ النقدية المتداولة مع حجم العمليات الاقتصادية وسرعة تداول النّقد. هذا يعني تغييراً أساسياً في فلسفة الإقراض وتجسيراً - لطالما تحذرته المصارف – بين القروض والمشاريع المنتجة. فهو يشارك في المخاطرة مع صاحب المشروع ومن هنا تبرز المنفعة العامة. وهذا يتطلب دراسةً معمّقةً للمشروع ما يعني إعادة تكوين الكفاءات المصرفية في تقييم المخاطر والمشاريع. لكن هذا بحث آخر لا بد من مقاربته في إعادة تكوين النظام المصرفي المطلوب لتنمية الاقتصاد اللبناني.