يقدم المؤشر العربي لقياس الرأي العام الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات صورة عن أزمات  وتحديات  تواجه المجتمعات العربية من وجهة نظر مواطنيها، بما فيها من أزمات سياسية  تشمل تشوه البنى السياسية وسيادة السلطوية وضعف اطر المشاركة، بالإضافة إلى الازمات الاقتصادية الناتجة من نقص معدلات التنمية وانعكاسها على مستوى معيشة المواطنين فضلاً عن مؤشرات الأزمة الاجتماعية من انتشار الجريمة والعنف والمخدرات وغيرها. يحاول هذا العرض مناقشة بنود تتماس وتوضح أزمة  شعوب المجتمع التي تقف على مفارق طرق بحثاً عن تفكيك الازمات المتشابكة، والتي كانت الثورات العربية والاحتجاجات الشعبية جزء من محاولات جماعية للخلاص بعد أن أصبح واضحاً أنه لا خلاص أو حلول فردية ممكنة. ويعد المؤشر العربي - فضلاً عن أنه قراءة حية للواقع العربي من وجهة نظر المستجيبين - مفيداً لجهود نظرية لوصف وتحليل أزمة المجتمع العربي، اعتمد المؤشر على جهد تسعمائة من الباحثين نصفهم من النساء استغرقوا نحو 69 ألف ساعة عمل من المقابلات المباشرة، ويحتوي على مؤشرات سياسية واقتصادية واجتماعية، وهو الأكبر عربياً، وتضمّن عينة ممثلة للمجتمعات محل الاستطلاع قوامها 28 ألف مستجيب من 13 دولة في اقاليم الوطن العربي.

حول مفهوم الديمقراطية

يعد امتلاك المواطنين مفهوما للديمقراطية مؤشراً على الوعي بها، وما تتضمنه من عناصر متشابكة، ويكشف الاستطلاع أن 89% من المستجيبين قدموا  تعريفا  يجمع ما بين جانبي الديمقراطية السياسي والاجتماعي مع التفاوت بين المضمونين من حيث نسب التركيز عليها، هناك 39% عرفوها بكونها ضمان الحريات السياسيّة والمدنيّة و12% ركزوا على المشاركة ومضمون النظام السياسي من حيث عناصر الفصل بين السلطات وتداول السلطة والمحاسبة والرقابة، وأفاد 20% أنها  ضمان المساواة والعدل بين المواطنين، بالإضافة الى 7% ربطوها بتحسين الاحوال الاقتصادية، مما يشير إلى المضمون الاجتماعي الاقتصادي للديمقراطية، وأنها في وعي المواطنين العرب ليست وحسب تداولا للسلطة.

وكشف المؤشر رفض أغلبية  المستجيبين  المقولاتٍ ذات المحتوى السلبيّ عن الديمقراطية،  وهذا لم يلغي  الانقسامات حول  عبارة أن مجتمعنا غير مهيأ لممارسة النظام الديمقراطي، ويرجع ذلك لتحديات واقعية موضوعية واخري ذاتية، وليس وحسب كما يروج  من ابواق الثورات المضادة والتي  تهمش الجانب السياسي لصالح الجانب الاجتماعي الاقتصادي، لكنها في حقيقة الامر تهمش الجانبين وتمارس قمعها من أجل مزيد من النهب.

إننا أمام  موقف إيجابي من  الديمقراطية ويربط المواطنين بين جوانبها، وهذا دال أن حملات معاداة الديمقراطية، وقصرها على جانب واحد لم تأتِ ثمارها إلى الان، ويتضح من قياس الرأي العام محدودية الانحياز لعبارات غير ايجابية تتعلق  بالنظام الديمقراطي قياساً بالانحياز إلى الديمقراطية كنظام حكم، إذ رفض معظم المستجيبين وجود تعارض بين الاسلام والديمقراطية 68%، كما أيد أغلبية الرأي العام  مقولة "أن النظام الديمقراطي وإن كانت له مشكلاته  فإنه الأفضل بنسبة 76%، مقابل معارضة 17%، مع تفاوت بين أقاليم المنطقة حيث كان مجموع الموافقين على العبارة محل القياس في وادى النيل 78% (موافق بشدة 36% وموافق 42%) بينما وافق في المشرق العربي 79% على المقولة (25% موافق بشدة  و 54%) وكان الخليج الأقل من حيث الموافقة على المقولة 69% ( 23% موافق بشدة و46% موافق) وهو ما يعكس ضعف نسبى باهتمام مواطنين بالديمقراطية طالما يؤدى النظام وظائفه الاقتصادية والاجتماعية ويحفظ النظام ويحول دون تفاقم تهديدات للمجتمع، بينما تأمل شعوب اخري ان تكون الديمقراطية اطارا لحل مشكلاتها وخلق تنمية سياسية واقتصادية يرها طيف من مواطني الخليج أنها محققة طبقا لمقياس الاستقرار السياسي  والرضى عن الأداء الاقتصادي.

كما تتقارب نسبة الموافقين عربياً على وصول أنظمة حكم عسكرية وإسلامية دون انتخابات، إذ يري 33% أن نظام حكم الشريعة الاسلامية دون انتخابات وأحزاب ملائم بدرجات متفاوتة، 14% يرونه ملائماً جداً و19% ملائم إلى حد ما، ويتشابك مع هذا المؤشر وجود نسبة 31% تؤيد نظام حكم أحزاب إسلامية (9% يرها ملائمة جداً و22% يرها ملائمة إلى حد ما) وبالمقاربة نجد 35% يؤيدون نظام سياسي يتولى حكمه قادة من الجيش (16% ملائم جداً و19% ملائم إلى حد ما) وهنا يمكن المقاربة  بين  مؤشرات دعم أحزاب اسلامية دون انتخابات أو قادة عسكرين بالذين يؤيدون حكم نظام سلطوي غير ديمقراطي وتبلغ نسبتهم  19% (5% يرونه ملائم جداً و14% ملائم إلى حد ما)، وهذين المؤشرين للدعم الشعبي للنظام السلطوي أو دعم زعامات دينية وعسكرية دون انتخابات هما من ضمن مؤشرات الخطر السياسي، إذ يشيران ورغم محدودية نسبتهما إلى تأييد الاستيلاء على الحكم من زعامات دينية أو عسكرية.

لماذا تكون هذه المؤشرات خطرة، لأنه إذا ما استحالت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الضخمة على الحل، سيكون الباب مفتوحاً لخيار الانقلاب أو ما يطلق عليه السودانيين (هبوط ناعم وإزاحة) يقودها عسكريون أو إسلاميون في المنطقة دون انتخابات معلنين ومبررين ذلك بحل مشكلات المجتمع، وهذا الخيار ضمن سيناريوهات عديدة لا يتسع المجال لمناقشتها رغم أن المؤشرات المطروحة في مقياس الرأي العام مهمة في هذا الصدد. 

وتبرز كتلة رفض النظام السلطوي وتمثل 43% من المشاركين الذي انحازوا لخيار أن النظام السلطوي نظام غير ملائم على الإطلاق، وفى دلالة على مدى التسامح والقبول السياسي يقبل 51% من المستجيبين  وصول حزبٍ سياسيّ لا يتّفقون معه إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع،  وتشكل  نسبة الـ43% الذين أفادوا أنّهم لا يقبلون ذلك مخاطر التناحر السياسي وضعف الميل لقبول تداول السلطة، وأن لم يكن هذا المؤشر يعبر بشكل مطلق عن رفض لفكرة الديمقراطية بقدر أنه يشير في جانب منه إلى الخوف من مخرجات العملية السياسية المشوهة. ويبدو هذا الميل متأثراً بتجارب سياسية سابقة وصلت فيها  أحزاب وزعامات بالانتخابات لكنها فشلت، أو كان وصولها للسلطة مرتب مسبقاً أو مهد له السبيل عن طريق تطويع آليات الانتخاب لصالح تلك الاحزاب. 

ويعد إقليم وادى النيل الأكثر تقبلاً  لاستلام حزب للسلطة، إذ حصل على أصوات تؤهله لذلك ضمن انتخابات حرة ونزيهة حيث بلغت نسبة القبول 59% مقابل 35%، جاء المغرب العربي بنسبة 56%، وكان  مواطني المشرق العربي الأقل قبولاً بنسبة 40% ورفض 55%، وربما تكون التركيبة الطائفية في بعض دوله (العراق ولبنان) عاملاً أساسياً في ذلك، بالإضافة إلى تجارب سياسية تاريخية ارتبطت بهذا  الإقليم  بينما حصّل المؤشر العام بالإيجاب على نحو 51%.

تقييم الديمقراطية

رغم أن تقيم المستجيبين لمؤشر الديمقراطية وصل إلى 5.8 درجة من عشر دراجات، أي أرتفع نسبياً منذ 2011 ( كان 4.5 درجة) إلا أن الزيادة طفيفة لا تتناسب مع حجم تضحيات الهبات الشعبية والانتفاضات والثورات، ويعنى  ذلك أن قوى الثورة لم تستطيع انجاز تغيير كبير في ملف الديمقراطية ومكوناته، رغم تغيير بعض نظم الحكم، ويضاف إلى ذلك  قياسات عديدة منها قدرة المواطنين العرب على انتقاد حكوماتهم ( 6 درجات من أصل 10) حصلت تونس والسودان على أفضل الدرجات (6.9، 6.8) فيما حصلت فلسطين، والسعودية على أقل علامات التقييم، وربما يعزى في جانب منه لتحالف القبيلة والسلفية  بالسعودية فضلاً عن إجراءات مستحدثة لأحكام سيطرة ولي العهد السعودي محمد بن سليمان على الحكم خلال عامين ماضين، أما في فلسطين فإن قطاع غزة تحت حكم حماس يمارس ضبطاً مزدوجاً مرتبطاً بالايدلوجية الإسلامية (مستمر في الحكم دون انتخابات) ومنطلق هذا التضيق من تخوف انفلات الوضع من بين يديه في القطاع، ولا يختلف الوضع كثيراً في مناطق حكم فتح بقيادة ابو مازن.

إجمالاً يواجه الوطن العربي من وجهة نظر المواطنين العرب أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية متعددة، ويميل مواطنية إلى قيم الديمقراطية والمساواة والحريات السياسية فضلاً عن دعم مؤسساته الدولة النظامية ورفض نظم الحكم السلطوي أو الانقلابات العسكرية او الاسلامية ولديه درجة من التسامح وقبول الآخر سياسياً وفكرياً وكل هذه المؤشرات هي سمات إيجابية تساهم في مواجهة التحديات والازمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي استوضحت من خلال مقياس الرأي العام العربي.