من المؤسف حقاً ما تداعى إليه الوضع الاقتصادي اللبناني من انهيار شامل يفوق ديونه وخسائره المادية. ليس الحصار العالمي الحالي والملثم بنفاق الإدارة الأميركية هو أصل الانهيار فقط، إنما جشع اللاعبين من الساسة أيضاً الذين قادهم جشعهم نحو رهن الوطن تحت رحمة الوحش وشياطينه. لقد ظننا أنهم يفتقرون للعلوم والخبرة حتى قلنا فلنستبدلهم بالتكنوقراطيين، لكن من ينجح في أن يكون رجلاً يمتهن لعبة المليارات، يمتلك الشركات ويجني الأرباح، هو أبعد بكثير من أن لا يفقه من علوم الاقتصاد والإدارة شيئاً.

كل التقارير الحكومية اللبنانية وتلك العالمية الصادرة بالتعاون مع بيانات الدولة، قبل الأزمة الأخيرة، تبيّن مدى معرفة الدولة اللبنانية بمشاكلها وحلولها أيضاً في كافة المجالات والقضايا. لقد كان أمامها فيضٌ من الزمن لتطبيق هذه الحلول وتدارك الأمور لقيادة البلاد نحو الرخاء المعيشي، لكنّ الفساد المحلّى بالشرعية تزمّت لحصصه حتى اجتمع الذباب وهرب من هرب وكذب من كذب.

لبنان الآن هو من أكثر دول العالم معاناةً من التضخم الاقتصادي، إلى جانب فنزويلا والسودان وزيمبابواي وسوريا أيضاً، واختراع الدولارات في السوق شيء من المستحيل إلا في حال الهبات والقروض الدولية. ثم أي دولة أو بنك دولي سيعطي الأموال لبلد حكامه يعيثون فسادا ومن دون شروط؟! الاستثمارات أيضاً تهرب من هكذا بيئة لا يسودها الاستقرار المحلي، وتفتقر للقوانين والشفافية، وتسجل أعلى درجات التضخم. فعندما تزيد المخاطر، يزيد احتسابها في قروض التمويل الاستثمارية للشركات، فأي بنك أو شركة تأمين ستقبل في هدر أموالها في العدم!

الطاقة في لبنان

يوجد في لبنان عدة معامل حرارية، ومائية، صغيرة لإنتاج الطاقة. ولكن معظمها بإدارة احتكارية متكاملة للدولة اللبنانية، أي عبر شركة كهرباء لبنان. هذه الهيكلية القديمة في إدارة الكهرباء والتي انتشر فيها الفساد وسجلت من الديون ما يكفي، تبنت استراتيجيات فاشلة لم تتطور، فالسعرالمدعوم الذي لا يغطي التكاليف هو نفسه منذ سنوات طويلة، والخطط غير المستدامة تمثلت دائماً بحلول مؤقتة آنية ومزيد من التكاليف المتوازية مع تقلبات أسعار النفط ومشتقاته في الاسواق العالمية. فتعرفة الكهرباء العامة ثبّتت على 0.092$/ كيلوواط ساعة عام 1994 عندما كان سعر برميل النفط حوالي 20$، والذي ارتفع عام 2008 إلى 140$ للبرميل الواحد، في حين أن الكلفة التوليدية في معامل الدولة قُدرت تقريباً بحوالي 0.14 $/ كيلووات ساعة.

لبنان لا يمتلك الموارد النفطية خلافاً لدول الخليج المنتجة. إذاً هو لا يمكنه ان يحذو حذوهم في دعم المحروقات والإبقاء على تعريفات منخفضة لتجنب الصرخات الاجتماعية والمعيشية وكسب رضا الناس. بالاضافة إلى أنّ قدرات محطات توليد الكهرباء لم تعد قادرة على تلبية جميع حاجات المواطنين يومياً منذ زمن طويل، فعدد السكان نما بنسبة 24% منذ عام 2012، بسبب تدفق اللاجئين من البلدان المجاورة بحسب إحصائيات البنك الدولي، وهذا يتطلب بالفعل زيادة عدد معامل الانتاج وزيادة وصيانة خطوط الشبكة التي تعاني من الهدر الكبير أصلاً، لأن ذروة الطلب الحالية تفوق القدرة الانتاجية بـ150%، ولكن الدولة لا تستطيع أن تحتمل المزيد من الخسائر في هذا القطاع، إذ يُعتبر المسؤول عن 45% من ديونها. هذه الديون التي تتشكل أيضاً بسبب عدم قيام المواطن بواجباته نحو الدولة؛ أي دفع الضرائب المترتبة عن خدمات التغذية، ناهيك عن الفواتير غير المحصلة من بعض الشركات الخاصة فضلاً عن وجود مخيمات النازحين السوريين، لتبلغ أحياناً النسبة العامة لعدم جباية الفواتير حوالي 30% وربما أكثر في الآونة الأخيرة.

المعامل الكهربائية الأجدد في لبنان هما معملا الزهراني في الجنوب ودير عمار في طرابلس. تمّ بناؤهما في تسعينات القرن الماضي وتمّ تأهيلهما ايضاً عام 2019 كضرورة تقنية لا مهرب منها لتحسين الفعالية. يتم ّاستخدام الزيوت الثقيلة في هذه المعامل لانتاج الكهرباء في حين أنّ بالإمكان استخدام الغاز الطبيعي كوقود أساسي وليس بديلاً، وذلك لكلفته الأقل مقارنة بأنواع الوقود الأخرى إلى جانب احتوائه على كثافة كربونية أقل أيضاً والتي من شانها تخفف حجم التلوث المنبعث. ففي عام 2009، كان الغاز يُجرّ عبر انبوب الغاز العربي من مصر إلى الأردن ثم عبر حمص في سوريا نحو معمل دير عمار، إلا أنه توقف بسبب الأزمة السورية بتعرّضه للتفجير مراراً. الجدير بالذكر أنّ إعادة المباشرة بهذه الخطة الاستبدالية كان قد تم إقرارها قبل الأزمة اللبنانية، وكان من المفترض بدء التنفيذ منتصف هذا العام من قبل وزارة الطاقة. وأمّا في حال لم يتم العمل على استصلاح أنبوب الغاز، فهناك متطلبات تقنية يتوجب تنفيذها كبناء معامل إعادة تحويل الغاز الطبيعي المسال إلى غاز وتثبيت خزانات في حال تم استيراد الغاز بحراًّ من دول مصدّرة أخرى .

الإطار القانوني

في العام 2002، أقرّ مجلس النواب قانون 462 والذي ينص على إصلاح هيكلية قطاع الطاقة في لبنان عبر تأسيس الهيئة التنظيمية التي من شأنها إعطاء التراخيص لشركات الطاقة المستقلة (لبنانية، عربية، وعالمية) لقيام مشاريع جديدة، وإضافية، تغذي احتياجات الوطن الكهربائية. في حين أنه لا يوجد في الدولة أي طرف يستطيع أن يقوم بهذه المهمة بموجب قانوني، ولكنّ الهيئة لم تنتظم حتى الآن لاعتبارها من بعض الجهات ضليعة عمداً في تقليص صلاحيات وزارة الطاقة. وبالتالي تصبح بعض القرارات المهمّة بيد الهيئة الاختصاصية نفسها دون غيرها. سبب هذا الأمر إشكالية راوحت لفترات طوال، إلى أن تم التوافق على أن يقوم مجلس الوزراء باعطاء هذه التراخيص في العام 2014 بموجب قانون 288 والذي بقي مطبقاً حتى عام 2018، في حين أنه لم يعطِ ترخيصاً واحداً طيلة هذه سنوات ما قبل الأزمة اللبنانية.

تجدر الإشارة إلى أن أهداف هذه الهيئة التنظيمية تصبّ في ضمان الإمداد لجميع المناطق اللبنانية بجودة عالية بأقل الأسعار، ولكن هذه المرة عبر خطة الفصل بين مجالات الإنتاج والنقل والتوزيع وخلق سوق تنافسية حرة للطاقة عبر السماح لأي شركة الاشتراك في المشاريع . بناءً على ذلك، وبفعل فتح المجالات على المنافسة الشريفة، تُبنى المصانع الحديثة وتكبر الشبكة وتخضع للصيانة وتُخفض التكاليف بفعل التطوير. وهكذا تتراجع مدفوعات المواطنين ويُتاح لهم اختيار الشركة التي يريدونها تبعاً لخدماتها الافضل، وكلّ ذلك من دون أن تتكبّد الدولة فلساً واحداً.

الطاقة المتجددة

من الضروري جداً التمسك بحلول الطاقة المتجددة والمستدامة والتي من شأنها ليس تقليص الانبعاثات الكربونية فقط، وبالتالي المساهمة في محاربة الاحتباس الحراري - وهذا طبعاً وحُكماً بالغ الأهمية لضرورة مواكبة لبنان للخطط العالمية في قضية تحقيق التطور المستدام – وإنما أيضاً لوجود إمكانيّات هائلة محلياً نستطيع استغلالها في سبيل تأمين الطاقة وتجنّب الاعتماد على الوقود المستورد من دول أخرى التي في معظم الأحيان تعتمده وسيلة من وسائلها السياسية الضاغطة. فمثلاً، بحسب تقرير الوكالة الدولية للطاقة المتجددة حول لبنان والذي صدر بالتعاون مع وزارة الطاقة (IRENA)، يمتلك لبنان إمكانيات توليد الطاقة الكهرمائية تفوق الـ400 MW، ما عدا الطاقة الكبيرة التي يمكن استعادتها بعد صيانة بعض المعامل الموجودة أما طاقة الرياح فتفوق الـ1000MW ، هذا إلى جانب الإمكانيات المهمة عبر مزارع الطاقة الشمسية التي تفوق الـ150GW ، فهناك من المساحات ما يكفي لبناء مثل هذه المزارع، بحيث قدّرت الوكالة أن المساحة الصالحة لانشاء هذه المزارع الشمسية تفوق 65% من مساحة لبنان (٥٥٥٨ كلم٢)، وفق دراسة أجرتها آخذة بعين الاعتبار خريطة الاشعاعات الشمسية على طول المساحة اللبنانية، بالاضافة إلى الكثافة السكانية، والقرب من محطات التوزيع والطوبوغرافيا، وهذا يتبلور بشكل خاص في مناطق البقاع والهرمل لتعرضهما الأكبر للاشعاعات وانخفاض أسعار الأراضي فيهما. الجدير بالذكر أيضاً أنّ الاسواق العالمية تشهد تطوراً كبيراً في اسعار مستلزمات معامل الطاقة المتجددة وتكاليفها المعيارية (LCOE) وتسجل تفوقاً كبيراً على مثيلاتها المشتعلة عبر الوقود الأحفوري. هذا إلى جانب انخفاض أسعار اتفاقيات شراء الطاقة (PPA) حول االعالم والتي تسجل أدناها في الإمارات العربية المتحدة. وهذا لا يعود فقط للعامل الطبيعي وإنما لشراهة شركات الطاقة العالمية دخول السوق الخليجيّ الجذاب. 

لبنان، هذا البلد الصغيرالكبير بقدراته وخبراته يمكن أن يستحيل جنة، ولكن الجحيم تواق دائماً للوجبات السريعة، أرضيت أيها الجشع!، خذ حتى " تفطس". سيتم الدعس!