يقول الأميركيون أن انسحاب أميركا من أفغانستان كان مخططاً له، وهو جزء من "تحول استراتيجي أوسع بكثير جرى التفكير فيه بعناية"، يتضمَّن "حدوث تحول في تركيز الولايات المتحدة وتوزيع مواردها من الشرق الأوسط الكبير إلى شرق آسيا والمحيط الهادي". وانطلاقاً من هذا الأساس، يعمل فريق بايدن على بلورة سياسة جديدة تجاه الصين متوقعاً شتاءً ساخناً في العام المقبل. ربما تكون "الحرب العالمية على الإرهاب قد انتهت ، وستبدأ حقبة تنافس القوى العظمى جدياً" يقولون.

لراش دوشي، أحد مديري ملف الصين بمجلس الأمن القومي الأميركي، مُؤلَّفاً تحت عنوان "اللعبة الطويلة: استراتيجية الصين الكبرى لإزاحة النظام الأميركي/ The Long Game: China's Grand Strategy to Displace American Order"، يقول فيه أن بكين صاغت وضبطت سياستها الخارجية منذ انهيار الاتحاد السوفييتي اعتماداً على تصوراتها لقوة واشنطن ونفوذها. يعتبر دوشي الأزمة المالية عام 2008 نقطة تحول بالغة الأهمية في تطلعات الصين لفوة الولايات المتحدة، وأن التحول الأكبر جاء في عهد الرئيس الصيني شي جين بينغ مدفوعاً بـ"التصورات بتسارع التراجع الأميركي عقب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، وسياسات ترامب، وجائحة كورونا عام 2020″.

على هذا الأساس وضع فريق بايدن ديناميات الانسحاب من أفغانستان وفق تقديرات بالغة الدقة، آخذين بعين الاعتبار تفسير بكين للانسحاب، وكيفية الرد من خلال هذه المنظورات النفسية - السياسية المختلفة. وإن كان الحال كذلك فإنَّ الفريق سيسعى لتبديد أي فكرة تشير إلى أنَّ واشنطن تتعثر وعاجزة، بغية طمأنة تايوان والشركاء الآخرين، والتقليل من أي شعور بوجود فرصة أو مشاعر ثقة زائدة لدى بكين.

ومن المرجح أيضاً أن تبذل الإدارة كل ما بوسعها لضمان ألا يصبح الانسحاب مُحدِّداً لسياستها الخارجية، لاسيما مع بدء انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في اكتساب زخم. وقد يتطلب ذلك التركيز أكثر على أفغانستان في قادم الأشهر لتحقيق استقرار الوضع.

في مقابلة ستيفانوبولوس، حاول بايدن تقديم فكرة الانسحاب باعتباره خطوة استراتيجية في منافسة القوى العظمى، قائلاً: "أتعلم مَن أكثر المُحبَطين من خروجنا؟ روسيا والصين". أحد مبررات بايدن الرئيسة في الانسحاب، هو تحويل الطاقة والموارد نحو "التحديات الماثلة أمامنا"، وأولاً وقبل كل شيء "المنافسة الشديدة التي نواجهها من الصين التي تزداد حزماً".

إلا أن سيطرة طالبان وانهيار الحكومة الأفغانية وفوضى عمليات الإجلاء قد تُشجع خصوم الولايات المتحدة على إنزال ضربات قاسية بحق حلفاء الولايات المتحدة من بيروت إلى تايوان، بحسب كثير من المراقبين. مشاهد الأفغان المحاولين التمسك طائرةٍ عسكرية أميركية تغادر كابول، تكاد ترسم صورةً عميقة لا تُمحَى عن تراجع القيادة الأميركية عن حماية حلفائها، حسب تقارير الـForeign Policy[1] وResponsible Statecraft[2] الأميركية.

اليوم، تراقب الدول الآسيوية الموقف بغرض الوقوف على ما إذا كان الانسحاب من أفغانستان سيؤثِّر على نهج الرئيس الأميركي جو بايدن الخاص منطقة المحيطين الهادي والهندي. وتخشى الحكومات في تلك المنطقة، وبصفة خاصة اليابان وتايوان، من أن تستغل الصين ما حدث في أفغانستان وتسرع من خططها لضم تايوان، ولو بالقوة العسكرية، وهو الأمر الذي كرره الرئيس الصيني شي جين بينغ مراراً.

 

هاريس تحاول الإنقاذ:

عكست رحلة نائبة الرئيس كامالا هاريس إلى سنغافورة وفيتنام في نفس الفترة التي بدأت أميركا انسحابها من أفغانستان الأسبوع الماضي رغبة إدارة بايدن في تحويل التركيزها إلى جنوب شرق وشرق آسيا والبناء على زيارة وزير الدفاع أوستن الأخيرة لتلك البلدان نفسها.

كثير من المراقبين أعتبروا زيارة هاريس إشارة إلى أن الإدارة تنوي إعادة توجيه السياسة الخارجية للولايات المتحدة بعيداً عن التشابكات في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى[3]. كما عُدت على أنها محاولة للتعويض عن زلات الإدارة المبكرة التي عززت الانطباع بأن الولايات المتحدة لا تزال تمارس سياسة الغموض تجاه جنوب شرق آسيا.

ستحتاج واشنطن إلى بذل جهود متواصلة من أجل مشاركة دبلوماسية أكبر إذا أرادت إقناع الحكومات في المنطقة بأن إدارة بايدن جادة عندما تقول إن "أمريكا عادت". سيتطلب ذلك بناء علاقات ثنائية أقوى مع دول المنطقة دون محاولة دفعها إلى أجندة مناهضة للصين بشكل أكبر.

لقد أهملت الولايات المتحدة جنوب شرق آسيا لعقود من الزمن، ولا يبدو أن أياً من دول المنطقة مهتمة باختيار جانب في تنافس قوى عظمى. عشية زيارة هاريس عقد رئيس الوزراء الفيتنامي فام مينه تشينه اجتماعاً مع السفير الصيني وشددا في الاجتماع على أن فيتنام لن تنضم إلى أي تحالف مناهض للصين. قال تشينه: "فيتنام لا تنحاز إلى دولة ضد أخرى".

هذا هو السبب في أن اقتراح هاريس بضرورة ترقية الولايات المتحدة وفيتنام علاقتهما إلى شراكة استراتيجية لم يُستقبل بحرارة في هانوي. في حين أن لفيتنام الكثير من الأسباب التي تجعلها حذرة من الصين، إلا أنها لن تلزم نفسها بتحالف أوثق مع الولايات المتحدة خوفاً من أي رد صيني.

من جهته قال لو دانج دوانه، المستشار الاقتصادي السابق للعديد من القادة الفيتناميين، لصحيفة ساوث تشاينا مورنينج بوست إن القيادة الفيتنامية الحالية لن تتحمل هذه المخاطرة: "على حد علمي، لن يكون من الممكن للبلدين تحسين علاقتهما من شراكة شاملة إلى شراكة استراتيجية لأنه من المفهوم أن تعيش فيتنام بجوار الصين، لذلك يجب أن يأخذ أي إجراء لفيتنام أيضاً في الاعتبار رد فعل الصين".

بالخلاصة، فيتنام مستعدة للعمل مع الولايات المتحدة بشأن المصالح الأمنية المشتركة إلى حد ما، لكنها لا ترغب في أن تكون محاصرة في موقف كونها دولة على خط المواجهة مع الصين. إن القيام بذلك يتعارض مع عقود من ممارسات السياسة الخارجية الفيتنامية ويدعو بكين إلى الانتقام غير المرغوب فيه. هكذا وببساطة، تطلب إدارة بايدن شيئاً من الحكومة الفيتنامية والأخيرة ببساطة ليست مستعدة لتقديمه.

من غير الواضح إذا كانت الهجمات الخطابية التي شنتها نائب الرئيس الأميركي على الصين مثمرة على الإطلاق. صحيح، زيارة نائب الرئيس أدت إلى بعض النجاحات المتواضعة، من خلال دبلوماسية اللقاح الأمريكية هناك، فقد ترأست هاريس افتتاح مكتب إقليمي لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في هانوي. لكن هذا هو نوع التعاون الدولي البناء يظل ضعيفاً إذا ما أرادت الولايات المتحدة استثمارة في صراع الجغرافيا السياسية مع الصين.