في بداية الألفية الجديدة كنت أسمع وأنا في الصف المتوسط أن شركة أميركية بدأت تبيع الناس خدمة قد تمنحهم حياة جديدة. الشركة تقوم بما يسمّى "cryonics وهي تقنية تثليج سريع للجثة بعد الموت للحفاظ عليها لعقود كثيرة على أمل أن يأتي يوم يكتشف العلم فيه كيفية إعادة الحياة للأبدان التي لم يتلفها الزمن بعد، مقابل مليون دولار للجسد الكامل ونصف المبلغ للاحتفاظ بالرأس فقط (من يهمه باقي الجسد طالما أن الوعي محفوط في الدماغ!). يمكن لك أن تحظى بحياة جديدة فمن يدرى فقد تستيقظ بعد مئتي سنة لتعيش حياة جديدة شبيهة بافلام المستقبل. بالطبع الكثير من أصحاب الرساميل أقبلوا على هذا الاستثمار وجنت الشركة الملايين من بزنس بيع المستقبل!. تُمثل هذه العينة ظاهرة أودّ تشريحها وتسليط الضوء على خطورتها على التطور العلمي بشكل عام والذكاء الصناعي بشكل خاص.

ساهم تفوق  النموذج الأميركي في القرن الماضي المصحوب بطفرات علمية عديدة في تشكّل شعور جماعي بأن التاريخ انتهى وأن التقدم البشري وآلآف السنين من المعاناة اوصلت البشرية الى النموذج الانجح والانضج والاكمل. وأن موقفهم من العلم وإخلاصهم في علمنة الحياة وضعهم على سكة فتوحات علمية متتالية لا يمكن أن تتوقف ما داموا يتبنّون المنهج العلمي البوبريّ... فلقد شهد جيل واحد انتصار الحلفاء على الفاشية ثم سقوط الاتحاد السوفياتي في ذات الوقت الذي شهدوا فيه تحولاً في مختلف مجالات العلوم أهمّها تحولاً كبيراً في الفهم فيزيائي للكون ساد عدة قرون فضلاً عن فتح كبير في علم الجينات والطب واكتشاف الفضاء.

أسهمت تلك الطفرات المكثفة في مدة زمنية قصيرة إلى تشكل رهان ايجابي على مستقبل العلم في الشخصية الأميركية. هذه الشخصية يحضر في ثقافتها المعاشة واليومية روح الاستثمار والرهان والانتهاز. تسمع الكثير في المجتمع الأميركي عن المليونير الفتى الذي استثمر بشركة ناشئة تكاد تكون مزحة لكنها خالفت التوقعات وقفزت فصار ثرياً بسبب رهانه هذا. ونسمع أن المراهنات جزء أساسي في ثقافتهم فترى موظفاً، متوسط إلى قليل الدخل، يراهن ببضع دولارات في كل مباراة بيسبول أو فوتبول يشاهدها على التلفاز. وبنفس الروحية يراهن على الـ"crypto" أو أي شيء آخر.

الاغلبية الساحقة تعيش كآبة واقعها المعيشي البعيد عن حلمهم الأميركي الذي يتشرّبونه في الإعلام والإعلانات والكلّ يبحث في وقت فراغه عن ورقة اللوتو أو الضربة التي سيطير معها فوق الريح ويصل (I made it).

في المقلب الآخر هناك أصحاب الأفكار والنجاحات الذين يبيعون فرص عبور سريعة للحلم الأميركي بشكل يومي لكل مواطن عادي او مستثمر مغمور. هناك إيلون ماسك الذي نجح في عالم السيارات الكهربائية وفاتنا جميعاً القطار ولم نستمثر في شركته حين كان السهم ببضع دولارات يعرض علينا من جديد أن ننضم لقطار جديد اسمه الهايبر لوب أو استعمار المريخ. هناك دوماً من يقول لك في أميركا ”This is the next big thing”. ومعه يأتي طبعاً الفن والسينما. تخيّل مثلاً أنك في التسعينات تعيش على اكتاف انتصارات سياسية وفتوحات علمية لم تتوقف لقرن ثم تسمع عن اكتشافات في علم الجينات وبعد أشهر تشاهد فيلماً هوليوودياً يحكي عن الحياة عام 2010، يعرض كيف سيكون من السهل اختيار جنس المولود ولون عيونه. بعدها تسمع عن زميلك في الوظيفة تقاعد مبكراً بسبب استثمار ذكي قام به في شركة مايكروسوفت حين كانت في مرحلة التأسيس. حينها ما الذي سيمنعك من أن تتجاسر وتستثمر في شركة مؤسسة حديثاً تعمل في هندسة الجينات مثلاً!

باختصار، المشهد فيه عنصر الاستقرار السياسي، تاريخ من الانجازات العلمية، طفرات مالية متنقلة، كآبة معيشية مبطنة وحافر قوي لاختراق الطبقة الغنية، تسويق مستمر وعروضات لاستثمارات واعدة وشبيهة بالحلم واخيرا ثقافة طموحة مراهنة. فيبقى السؤال في ذهن الأميركي "what is the next big thing?” في السابق كان النفظ، وبالأمس الإنترنت، فما هو الآتي؟ بطاريات الليثيوم؟ المارجوانا؟ (زميلي في العمل استثمر بشركة أميركية في أريزونا لزراعة الحشيش بعيد تشريعها في الولاية وجنى الكثير من الأرباح).

كلا كلا إنه الذكاء الصناعي!

ستيفن هوكيغ قبل مماته انبرى ليتنبأ بانقراض البشر بسبب الذكاء الصناعي. النبيّ إيلون ماسك قال الأمر نفسه وأسسّ شركة غير ربحية اسمها "openai" تقوم بابحاث في الذكاء الصناعي بهدف جعلها متوفرة للجميع كي لا تقوم غوغل بالتقدم وحدها بالمجال وحجب اختراعاتها الخطيرة عن البشرية (كما فعلت شركة سكاي نت في فيلم terminator). طبعاً المهزلة أن هذه ااشركة غير النفعية طورت نموذجاً ذكياً لمحاكاة اللغة "gpt2". في البداية صرحت الشركة أنها لا تنشر ورقة بحثية حوله لأنه خطير جدا بمستواه الذكي العالي! (مما أثار سخرية المتجمع العلمي) ثم طورت نسخة أكثر تقدماً "gpt3" لكنها جعلت  استخدام النموذج مقابل المال. فهو برنامج تشترك وتدفع المال لأجل استخدامه.

المهزلة تستمرّ! مارك زوكربورغ يصعقه الإنجاز الكبير في الذكاء الصناعي فيطلب لقاء "yan lecun" أحد أبرز روّاد الطفرة الأخيرة للذكاء الصناعي. في اللقاء بين الرجلين يطلب منه أن يأتي إلى فيسبوك ويؤسس فيسبوك للأبحاث في الذكاء الصناعي ويكون "Lecun" المشرف عليه. طبعاً "Lecun" يقبل بدعوى معللاً "أن المال والموارد المتاحة للأبحاث لا تتوفر بالسهولة نفسها في الجامعات والأكاديميا" بعد سنة تقريباً شاهدتُ مقابلة له في مؤتمر اقتصادي عن الذكاء الصناعي، سألته المذيعة عن إمكانية أن تمتلك الآلة المشاعر في المستقبل البعيد. أجاب وبكل ثقة مستخفاً بعقول رجال الأعمال والمستثمرين"طبعاً، انا لا أظن بل أجزم أن ذلك سيحصل قريباً جداً وستكون لديها مشاعر وأحاسيس مثل البشر". حجم النكتة والمهزلة صار يفوق التصور اذ أن Lecun نفسه يعلم كم أنهم بعيدون كل البعد عن فهم الوعي والأحاسيس وأنهم الآن عالقون أمام معضلة كبرى إسمها تعلم السببية والقوانين من الداتا وهذا الذكاء متوفر حتى عند البكتيريا!! المهزلة لم تتوقف، جاء أحد الباحثين وأنشأ شركة عمل فيها على تطوير روبوت متكلّم حيث وللتبسيط نقول، انه حفّظ الروبوت مجموعة من المواضيع والأحاديث في السياسة والفن والأدب وبعض مبادئ إجراء الحوار. أسماها صوفيا وجال العالم بها وسمعنا أن صوفيا نالت الجنسية السعودية!

بعد مدة صرنا نرى في الغرب كيف أن كل الشركات بدأت تجري لتحجز مكان لها في قطار الذكاء وتكنولوجيا الداتا. أمست كل شركة لا تملك قسماً لعلم الداتا والذكاء تشعر أنها مثل شركة لا تملك حواسيب في التسعينات! وبتنا نرى أغلب المنح الجامعية ومنح الدولة لتأسيس الشركات تصب في أي شيء له علاقة بالذكاء الصناعي؛ ذكاء صناعي في الطب، في المناجم، في الطاقة، ذكاء صناعي في الرياضة، في محاربة الاحتباس الحراري، في القانون، في الفن، الخ.

صرت ترى مئات الطلاب الذين حوّروا اختصاصاتهم من أي شيء له علاقة بالهندسة ولو من بعيد إلى علم الداتا والذكاء الصناعي. وطبعاً كما عرضنا في البدايات صارت موجة الاستثمارات في هذا المجال عالية لحد الجنون ومعه قفز جنون التوقعات للحياة في زمن الذكاء الصناعي بعد عدة عقود وبدأنا نرى أعمالاً سينمائية من قبيل "black mirror" وغيرها.

طبعا النظرة النمطية المبسّطة (linear) للمستقبل تضعك في سذاجة بدأت تظهر معالمها حين بدأت الكثير من الشركات تسرّح المتخصصين في الداتا (data scientist)  نظراً لحجم كلفتهم مقابل التأثير الحقيقي على منتج الشركة. الكثير من الشركات التي تأسست حولي أفلست إذ إنها لم تستطع أن تقدم منتجاً حقيقياً يجعلها تستمر في السوق. أغلبية الشركات التي لا يزيد عمرها عن الـ5 سنوات لا تجني أرباحاً بعد، بل هي تستمر اعتماداً على أموال مُنح الدولة والمستثمرين الذي ينبهرون كل عدة أشهر بعرض (demo) عن التكنولوجيا. ولسان حال المستثمر "فلأصبر قليلاً فمن يدري فقد تكون هذه الشركة ورقة اللوتو التي سترفعني فوق الريح". أمّا ما يجري في الأكاديميا من اجترار وطغيان منهج نموذجي (paradigm) واحد ساد في الكثير من الاختصاصات فحدّث ولا حرج. فصار الباحث بعلم الأعصاب لا يريد سوى أن يطبق الـ"deep learning" في بحث الدكتوراه ويملأ رسالة بحثه بالمصطلحات التخصصية الرنانة - "buzz words" السائدة في مجال الذكاء الصناعي. صار كل أستاذ في مجال لا يرتبط بالذكاء الصناعي يقدم على مقترحات مشاريع يذكر فيها الذكاء الصناعي لينال المنحة والتمويل البحثي.

على صعيدي الشخصي، فقد تركت الطب والتحقت تدريجيا بهذا المجال قبل سنة أو اثنين من حفلة الجنون هذه وحين يسألني زملائي السابقين: أين أمسيت في الطب؟ أجيب خجلاً أني تركت الطب وأعمل في الذكاء الصناعي لاتفاجأ انهم يغبطوني على ما قمت به وأنه ضمانة المستقبل وأني حجزت مقعدي في الموجة الجديدة!

ما يؤسفني في هذه الفورة هي أن أميركا والعالم بالتبع (الصين دخلت السباق وتفوقت بالطبع) يهيمنان على وعي ومخيلة الشعوب بنموذج الـpyramidal scheme في كل المجالات بلا استثناء. وأن المجتمع الأميركي بسبب تلهفه العميق للنجاح المادي ينفق موارده بشكل طائل في أي سباق يختار خوضه. الذكاء الصناعي مجال مهم جداً وله ابعاد فلسفية أيضاً وافاقه واعدة مما لا شكّ فيه، لكنه تعرّض لحقنة تضخيم (hype) من عالم الشركات والقطاع الخاص ستجعله يصاب بجمود إثر ترددات الوعود المبالغ بها. هل تسمع الآن عن أي وثائقي حديث أو عمل سينمائي لا يُستخدم فيه علم الجينات في تصور المستقبل؟.

من الجدير ذكره أن الذكاء الصناعي بعد فورة بداية التسعينات أصيب بجمود ومرحلة قحط في التمويل لأن الباحثين لم يقدروا على تلبية حجم التوقعات المتصورة والمبالغ بها (مثل ما قدّمه فيلم Terminator). في الخلاصة، ينضوي النموذج الرأسمالي الأميركي المائل إلى الخصخصة على كثير من الحيوية التي تعدّ أساساً للتطور العلمي الا أن الخط الفاصل بين الحيوية وجنون المراهنات، والطمع، دقيق. كما أن إدخال الاكتشافات العلمية في بازار البورصة له حتما تداعيات سلبية على مسار التقدم العلمي والأكاديمي فقد تجعله عرضة للانكماش في بعض الاختصاصات تماماً كما حال الأسواق التجارية.