يحاول محمد رشيد في هذا المقال الكشف عن بنية العلاقات التنظيمية والمادية الداخلية للمجتمعات. وما تنتجه من صياغة نظرية لأشكال تقسيم العمل في المجتمع المتجلية في سائر الأنشطة السياسية والعسكرية وكل ما يستلزم تقسيمٌ جماعيٌ للعمل. والكاتب يركز في دراسته هذه على الانتفاضات العسكرية المتعددة التي اندلعت في مواجهة الغزو الاستعماري الفرنسي في الجزائر، في الفترة الممتدة ما بين استسلام الحامية العثمانية بمدينة الجزائر يوم 5 تموز/ يوليو 1830 وحتى السبعينات من القرن التاسع عشر.

في الجزء الأول، عالج الكاتب مسألة العفوية والتنظيم، ثم التنظيم كصراع ضد العفوية وكوعي بالصراع. وهنا، يستكمل رحلة بحثه في أبعاد الصراع وانعكاساته المجتمعية والنظرية في رحلة المقاومة الجزائرية ضد المحتل الفرنسي.

***

مرحلة الاشتباك - Contention:  

يمكن ملاحظة أن القبائل لم تترك للحامية العثمانية وحدها عبء التصدي للغزو الفرنسي. فمنذ أن بدأت عمليات انزال 31 ألف جندي من المشاة و6 آلاف من الفرسان الفرنسيين في ساحل "سيدي فرج" شكلت قوات المتطوعين غالبية القوات التي تولت عبء مهمة تدمير رأس الجسر الذي اقامته القوات الفرنسية. إذ ترجح بعض المصادر أن الحامية الانكشارية التركية بلغ قوامها 7 آلاف بينما بلغ عدد المتطوعين 40 ألفاً. وذلك تحت قيادة أحد أصهار الداي حسين والي الجزائر والذي نحي عن القيادة في خضم القتال لاعتماده على الارتجال وفشله في معركة "سطاويلي". ومنذ تلك اللحظة برز دور القبائل تحت قيادة باي "حاكم" إقليم التيطري وهو "مصطفى بومرزاق" الذي على الرغم من اضطراره للانسحاب أمام تقدم القوات الفرنسية باتجاه العاصمة "الجزائر" فإنه لم يتوقف عن شن الهجمات المضادة حتى خلال عملية الانسحاب.

مستفيداً في ذلك من الميزة النسبية التي تمتع بها "تقسيم العمل" في القوات التي تولت مهمة الدفاع  والمتمثلة  في التفوق "الكمي" في قوات الفرسان في الطرف الجزائري الذي اعتمد أساساً على قوات الفرسان مقارنة بالاعتماد الفرنسي الواضح على قوات المشاة بحيث ينتج هذا التمايز الكمي تمايزاً كيفياً؛ اتسمت به القوات الجزائرية طوال الصراع؛ ممثلاً في سرعة الحركة والفعالية الهجومية العالية المستوى مقارنة بانخفاض قدراتها الدفاعية نظراً للافتقار الدائم لقوات المشاة الضرورية للدفاع انطلاقاً من الخنادق والتحصينات الثابتة. فعلى الصعيد التنظيمي والعسكري لم ينشأ الدور الذي اضطلعت به البنية التنظيمية القبلية من عدم. بل كان كامناً حتى في قلب التنظيم العسكري والإداري العثماني. وعليه  فإن زوال وانحلال هيكل السلطة السياسية العثمانية عبر غزو "النقيض/العدو" الفرنسي كان في ذات الوقت بروزاً لهيكل تنظيمي جديد. فبعد استسلام الحامية العثمانية بأقل من 3 أسابيع عقد  اجتماع "البرج البحري"؛ وذلك عندما تواترت الأنباء عن توجه حملة فرنسية باتجاه "البليدة".

إن ما اتفق عليه زعماء القبائل والأعراش المجتمعين في "البرج البحري" من اجماع على فرض نوع من الحصار على الفرنسيين في الجزائر  يشكل استدعاءً للخبرات السابقة المستمدة من خبرة حصار مدينة وهران حين خضعت لسلطة حامية عسكرية اسبانية طيلة ما يقرب من قرنين ونصف. أي هو تجريدٌ للخبرة المكتسبة وفق ممارسة سابقة بحيث تسلب عن تلك الممارسة "ماديتها" لتصبح "نظرية" تعكس وعي "الجماعة" بذاتها في سياق تناقض محدد. إن هذا الاستدعاء "للخبرة النظرية" المجردة من الوعي بممارسة سابقة له ومعادلٌ لما يعرف بالعقيدة القتالية في سياق التنظيمات العسكرية المعتمدة في مجال "نظرية التنظيم"؛ أي كيف يقسم العمل في أي عمل جماعي  بما يعكس التقسيم التقني في نمط الإنتاج السائد؛ على نظرية للتنظيم تعكس تقسيم العمل الرأسمالي. بل إن ما يجمع بين هذا "الاستدعاء" من حيث كونه وعياً بمهام "القبيلة" كتنظيم قتالي وبين "العقيدة القتالية" من حيث كونها وعياً بمهام تشكيل عسكري في ظرف ميداني محدد وبين "المهام التنظيمية" التي تحدد العمل للجنة حزبية معينة وتقسيم ذلك العمل هو كونها جميعاً صورٌ للبناء الفوقي لتقسيم العمل سواء دونت وكتبت في صيغة لائحية ثم أقرت في صورتها الشفوية العرفية. 

إن تقسيم العمل في المجموعات الهجومية المعتمدة على البنية القبلية في المراحل الأولى للصراع لهو تعبيرٌ عن العقيدة القتالية كـ"تصور للتنظيم" في طورها الأول؛ حسي. طور الوعي بالذات في سياق الصراع ضد عدو في صورة لا تتجاوز الوعي بالتمايز الكمي. أي الفارق بين الجيش الحديث؛ المعبأ وفق تقسيم العمل البورجوازي وبين فرق الفرسان القبلية الصغيرة  بما يفرضه هذا التمايز الكمي من وعي بضرورة "الدفاع" ضد قوة تفوق القوة المدافعة من حيث الكم. إلا أن ذلك الوعي بالتمايز الكمي ليقع من عملية تشكل الوعي بالتناقض كماً وكيفاً بمنزلة الإدراك الحسي المباشر. أي معرفة بالذات في سياق التناقض/ الصراع معرفة ترى النقيضين؛ القبيلة كتشكيل عسكري والجيش الفرنسي؛ دون إدراك للضرورة بما تفرضه من تجاوز الذات؛ القبيلة في تلك الحالة؛ لما هي عليه. أي تجاوز طورها التنظيمي الراهن. فالوعي هنا رهنٌ  بــ"معرفة أكبر الأشياء وأصغرها. أكثرها سطحيةً وأعمقها. كما لو كانت نهجاً محدداً على الأرض". إلا أن العقيدة القتالية للقبائل؛ كنظرية للتنظيم؛ من حيث هي وعي بما يفرضه الصراع من ضرورة  تحمل سبل التحرر بما ينطوي عليه ذلك من "سلب" للذات عبر تجاوز طورها التنظيمي الراهن واكتساب نظرية جديدة للتنظيم تنظم ما تفرضه الضرورة من ممارسة عفوية مكتسبة من خبرات سابقة؛ شكلت في تلك المرحلة معرفةً بالذات؛ وحملت في طياتها طوراً  جنينياً لإدراك التمايز الكيفي. فالتفوق الكمي للقوات الفرنسية في مجال تشكيلات المشاة النظامية وما يقابله من تفوق كمي جزائري في مجال الفرسان يعني تفوقاً للقوات الفرنسية في مجال الدفاع والكفاءة في استخدام المدفعية إلا أنه وإن شكل ميزةً للقوات الفرنسية في حال الدفاع المعتمد على التشكيلات المتراصة وكفاءةً أعلى في استخدام المدفعية إلا أنه يعني أيضاً هشاشتها حين تتحرك في صورة أرتال وطوابير لا سيما في مواجهة فرسان القبائل ذوي الخبرة العالية والمؤهلين لشن الهجمات السريعة.

في تلك الحالة فإن العقيدة القتالية الجزائرية التي تدرك "ضرورة" منع تقدم القوات الفرنسية نحو الداخل تدرك أيضاً قصورها الدفاعي وحتمية استدعاء خبراتها الهجومية بحيث يشكل  التكتيك الهجومي خطةً دفاعية. حيث تشكل معرفة التفوق الكمي/ الكيفي للقوات الفرنسية في حال الثبات والتفوق الجزائري في حال الحركة معرفةً بصعوبة الدفاع لقصور الجانب الجزائري في مجال تشكيلات المشاة الدفاعية والسهولة النسبية لشن الهجمات على ارتال وطوابير مسير القوات الفرنسية حل تقدمها عبر التضاريس الجزائرية:  (علمك بعدوك يعرفك كيف تدافع؛ علمك بنفسك يعرفك كيف تهاجم؛ الهجوم هو سر الدفاع؛ والدفاع هو التخطيط للهجوم). وبالتالي يمكن القول بأن قبائل وأعراش "دريد" بقيادة "بلقاسم بن يعقوب" و"أولاد عطية" و"صنهاجة" بقيادة "بلعربي" نواحي عنابة شرقي الجزائر مارست تكتيك" الدفاع النشط" الذي مارسته "أوطان" و"أعراش" سهل متيجة وسط الجزائر الممتد من "الحجوط " غرباً إلى "بودواو" شرقاً ومن مدينة الجزائر شمالاً حتى "البليدة" وجبال الأطلس؛ و"المدية"؛ جنوباً. ويمكن تلخيص تكتيك "الدفاع النشط" كما عرضه المارشال "فاسيلي تشويكوف" قائد الجيش الأحمر الثاني والستين الذي تولى الدفاع عن ستالينجراد قائلاً: (في مثل هذه الظروف فإن الدفاع النشط هو القيام بالهجمات المعاكسة). وإن كان ذلك النمط من تكتيكات "الدفاع النشط" متبعاً أيضاً في الغارات التي شنتها القبائل المنضوية تحت قيادة "الحاج محيي الدين بن مصطفى"؛ مرابط الزاوية القادرية ومقدم الطريقة؛ في الغرب بحيث شكل ميناء "مرسى الكبير" المرتبط بمدينة "وهران " المحتلة المنفذ الوحيد للعالم الخارجي المتبقي للقوات الفرنسية هناك. إن تلك المعرفة بالضرورة وامكانات تجاوزها لم تتكشف إلا بالممارسة المضنية ولم تتم صياغتها إلا تعيناً لتلك النظرية في الممارسة وقد  كثفتها واعادت تنظيمها. 

تشرين الثاني/ نوفمبر 1830: دروس المدية والبليدة

يقول "مياموتو موساشي": (إن القيمة الحقيقية لفي المبارزة بالسيف لا يمكن رؤيتها من خلال الاقتصار على دراسة تقنيات المبارزة بالسيف).  أي أن محاولة فهم القانون الموضوعي الذي يمكن من خلاله تفسير الصراعات العسكرية؛ سواء كانت مبارزات فردية أم معارك بين جيوش؛ لا يمكن أن تثمر من خلال النظر للصراع العسكري _ في ذاته_ بحيث يعزل ذلك النمط من النشاط الانساني "الخاص" عما هو عام من أنشطة انسانية وأشكال أخرى لتقسيم العمل. 

أي أن فهم ماهو خاص غير ممكن بمعزل عن العام. من هنا عجزت القوات الفرنسية؛ كصورة من صور التخصص في المجتمع البورجوازي منظمة وفق التصور العام للتنظيم الذي يعكس تقسيم العمل الرأسمالي؛  عن فهم البنية التنظيمية للمقاومة الجزائرية إذ لم تر "صورتها" ممثلةً في الجيش النظامي الحديث. فبينما شكل انحلال الهيكل التنظيمي للسلطة العثمانية و"نفيه" مع نفي الباي "مصطفى بومرزاق" تعيناً لهيكل تنظيم ي كان مستوعباً ضمن السلطة المنهارة. لم يعاين الفرنسيون من العلاقات المادية المكونة للسلطة إلا "تجريدها" ممثلاً في الشخص الذي يشغل منصب "باي التيطري". فعينوا أحد الموالين لهم في ذلك المنصب وما لبث أن حوصر برفقة حامية فرنسية في مدينة "المدية" عاصمة الاقليم. بينما تمتع "أحمد بومرزاق" نجل الباي المخلوع والمنفي بصلاحيات التحكم ف مداخل المدينة كونه ممثلاً لشبكة معقدة من العلاقات الاجتماعية القادرة؛ بحكم ما يتمتع به تنظيمها من ميزة هجومية. إن عجز الفرنسيين عن إدراك كنه العلاقات التنظيمية الاجتماعية السائدة في المجتمع الجزائري من حيث هي مح صلة تراكمٌ طويل من الإدراك لعلاقات الإنتاج والتبادل؛ كإدراك لضرورة موضوعية تفرض في طياتها امكانات التحرر منها عبر تنظيم تلك العلاقات / الممارسة. أي كسلطة لم يرها الفرنسيون سوى عصياناً لـ"سلطتهم" التي لم تكن تعبر سوى عن صورة للسلطة. إن ذلك "التمرد"؛ وفق وجهة النظر الفرنسية؛ ليقع بموضع الاحتجاج الذي يبدو "عفوياً" حين يقتطع من سياقه. فما كان بالنسبة للفرنسيين حدث طارئ؛ عفوي؛ كان عملاً منظماً. إلا أن ما تحصل لدى الفرنسيين من وعي زائف بعفويته كان محض إدراك ناقص؛ زائف للضرورة بحيث حمل الرد الفرنسي طابع العفوية ممثلاً في حملة لنجدة العميل المعين حاكماً للمدينة مع تحرك متزامن باتجاه "البليدة". حيث حوصرت الحامية الفرنسية داخل المدينة من قبل آلاف المقاتلين بقيادة "الحسين بن زعموم"؛ بعد أن قاموا في طريقهم بالقضاء على خمسين مدفعياً فرنسياً مح ملين بإمدادات من الذخيرة للحامية من "بوفاريك". ولم تفلح الحامية الفرنسية في "البليدة " في فك الحصار إلا بضرب قوات المقاومة بالمدفعية من الخلف مما حدا بقوات "بن زعموم" للانسحاب تجنباً للتطويق. أما على جبهة "المدية" فقد شنت قوات "بومرزاق" هجوماً على القوات الفرنسية في مضايق "موزاية" الجبلية مستفيدةً من المزية النسبية للفرسان الجزائريين في ميدان معركة كهذا. بحيث كانت المحصلة ارباكاً عاماً للقوات الفرنسية. (في الخطط الاستراتيجية ذات النطاق الواسع فإنه يمكننا أن نستخدم قواتنا من أجل إرباك العدو في ميدان القتال. من خلال ملاحظة "روح" العدو وجعله يفكر: هنا؟ هناك؟ هكذا؟ أم بطريقة أخرى؟ ببطء أم بسرعة؟ النصر أكيد حين يحتجز العدو في ايقاع يربك روحه).

إن ما  يشكل "إيقاعاً منتظماً" هو الاستراتيجية الكامنة في قلب العفوية الظاهرة للتكتيك. حتى وإن بدا التكتيك غير متناسق في وحدة واحدة (حصار المدية ثم الانسحاب ومعاودة الهجوم في مضايق موزاية؛ مهاجمة البليدة والانسحاب ثم التقدم صوب "المزرعة النموذجية" قرب وادي الحراش على تخوم مدينة الجزائر المحتلة) فقد كانت الاستراتيجية العامة للمقاومة الجزائرية تتمثل في فرض توازن تجبر فيه القوات الفرنسية على البقاء داخل المدن الساحلية المحتلة؛ وفق ما قرره اجتماع "البرج البحري"؛ بما يعكس وعي القبائل والأعراش بحتمية مقاومة تطويعها والحاقها بالسوق الفرنسي وتحطيم مقوماتها المادية؛ أي محوها. بما يشكل "وعياً بالضرورة" وما ينعكس من الوهي بتلك الضرورة؛ كظرف موضوعي؛ على الظرف الذاتي.أي البنية التنظيمية/ العسكرية لهجمات القبائل ذاتها بما يشمل ضرورة تجاوز تلك "التنظيمات" لما هي عليه عبر الانتقال من عمليات "الدفاع النشط" التي انطلقت مع الهجمات المعاكسة ضد القوات الفرنسية خلال تقدمها نحو مدينة الجزائر في تموز/ يوليو 1830، إلى عمليات تشمل كامل القطاع الممتد من مدينة الجزائر إلى االمدية والبليدة تقوم بها قوات معبأة من عدة قبائل يصل قوامها إلى 7 آلاف مقاتل من قبائل (فليسة؛ الخشنة؛ بني موسى؛ بني خليل؛ بني مسرة). بما شكل تطوراً نوعياً حتى بالمقارنة للعمليات العسكرية التي قامت بها قبائل (دريد؛ صنهاجة) نواحي "عنابة" نظراً لكثافة الضغط العسكري الفرنسي في وسط الجزائر. الأمر الذي نتج عنه بحلول تموز/ يوليو 1831؛ أي بعد عام تقريباً من الغزو الفرنسي ومن اجتماع "البرج البحري" أن صار الوضع "لا يطاق" بالنسبة لـ"بيرتزين"؛ القائد العام للقوات الفرنسية؛ مما حدا به لقبول معادلة " ابقوا حيث أنتم وسنبقى حيث نحن". 

مرحلة التوازن  Equilibrium

بحلول صيف عام 1831 كانت تكتيكات "الدفاع النشيط" التي اتبعتها المقاومة الجزائرية قد نتج عنها فرض حالة من "التوازن". ويتجاوز مفهوم "التوازن" في تلك الحالة المعنى الضيق للاستقرار أو الهدوء على جبهات القتال إلى حالة من قدرة التنظيمات العسكرية القبلية على تطوير ممارستها نحو تكتيك مماثل للموقف خلال حرب التحرير الشعبية التي خاضها الفييتناميون ضد الاستعمار الفرنسي عام 1944. حين تطور التنظيم العسكري لجيش التحرير الشعبي الفييتنامي من مجموعات حرب العصابات الصغيرة تستهدف خطوط النقل الفرنسية إلى قوات قادرة على شن  عمليات هجومية ضد المعسكرات الفرنسية والأهداف العسكرية الفرنسية بوجه عام. إلا أنه وكما حملت مرحلة الحرب التعبوية  المتنقلة؛ كعقيدة عسكرية للثورة الفييتنامية في مرحلة التوازن؛ سمات طورها التنظيمي السابق عليها؛ أي حرب العصابات. فإن ذلك يعني أن تطور التنظيم: كـ"حركة"؛ تتطور بموجبها العقيدة العسكرية كنظرية للتنظيم من إدراك للضرورة التي يفرضها الصراع إلى صياغة نظرية حول ما يجب تجاوزه في الممارسة العسكرية بنفيه واستيعابه في تنظيم جديد. هي حركة تنفي الانقطاع (بوجه عام. في الطبيعة ما من شيء انقطاعي بشكل  مطلق). فكما يحمل التنظيم العسكري في مرحلة الحرب التعبوية المتنقلة سمات تنظيم حرب العصابات السابق عليه فإن مجموعات حرب العصابات؛ التي تحمل في سماتها المقدمات الجنينية للحرب التعبوية المتنقلة؛ تعتبر شرطاً ضرورياً لذلك التطور أو تلك الحركة التي لا يمكن قطعها للوقوف على نقطة محددة يمكن وصفها بأنها النقطة الفاصلة بين المرحلتين.  

جلي هنا أن المقصود بالتوازن في حالة الصراع بين المقاومة الجزائرية والاستعمار الفرنسي؛ تماماً كما في صراع حركة التحرر الفييتنامية ضد الاستعمار الفرنسي؛ ليس حالةً من السكون. بل هو "حركة" أو "انتقال" من عقيدة قتالية تتبع تكتيكات الدفاع النشيط كنظرية تكتسب من الممارسة وتنظمها وتكثفها إلى عقيدة قتالية هجومية. من الغارات السريعة والكمائن التي تستهدف قوافل النقل الفرنسية إلى الهجمات الموسعة على "المدية" و"البليدة" و"وادي الحراش" و"بوفاريك". من الغارات التي تشن ها القبيلة كـ"وحدة عسكرية" إلى التحالفات القبلية الموسعة التي تمارس مهامها في نطاق جغرافي معين.