يُنسب تعبير "اللعبة الكبرى" إلى أرثر كونلي، ضابط المخابرات في كتيبة البنغال السادسة للفرسان التابعة لشركة الهند الشرقية البريطانية، في وصفه المنافسة والصراع الاستراتيجي بين بريطانيا وروسيا القيصرية في آسيا الوسطى، في الصراع الذي امتد طوال القرن التاسع عشر (من المعاهدة الروسية - الفارسية سنة 1813 إلى الاجتماع الإنكليزي - الروسي سنة 1907).

فمن وجهة النظر البريطانية، هدد توسع الروس في آسيا الوسطى "جوهرة تاج" الامبراطورية البريطانية؛ الهند. إذ خشي البريطانيون من أن تقوم قوات القيصر بإخضاع خانات آسيا الوسطى (خيڤا، بخارى، قوقند) واحدة بعد الأخرى. مما يتيح لهم جعل إمارة أفغانستان نقطة إنطلاق للغزو الروسي للهند.

وبالرغم من محاولات البريطانيين الكثيرة إخضاع أفغانستان بجعلها "دويلة حاجزة/ Buffer zone" منذ عام 1838، تاريخ بدء الحرب الأنكلو - أفغانية الأولى، بتنصيب شجاع شاه حاكماً على أفغانستان، إلا أن الغلبة ظلت في صالح الروس حتى مطلع الثمانينيات من القرن التاسع عشر، عندما عادت القوات البريطانية لدخول أفغانستان لتنصّب عبد الرحمن خان على العرش الأفغاني بعد الحرب الأنكلو – أفغانية الثانية، ليفرض خان سيطرته على كامل التراب الأفغاني مع ضمان الولاء لبريطانيا، في مقابل تثبيت سيطرة الروس على كل البلاد شمال مدينة بانجده (عند مثلث الحدود الأفغاني الإيراني التركمانستاني) وهو ما ضمن لروسيا سيطرتها على طشقند وسمرقند وبخارى أي الضفة الشمالية لنهر جيحون/ آمو داريا (الحد الفاصل بين كل من أفغانستان وطاجكستان وأوزبكستان).

بنهاية القرن التاسع عشر، كان واضحاً فشل الاستراتيجية البريطانية بحجز الروس غربي نهر آمو داريا (ناحية قزوين) وكف يد موسكو عن آسيا الوسطى. فيما لم تنجح روسيا في تثبيت وجودها في قلب أفغانستان، ومن ثم الوصول إلى كشمير (بوابة شبه الجزيرة الهندية بالنسبة للروس). والثابت في كل ما ورد هو ولادة أفغانستان الحديثة كدولة حاجزة منذ ذلك الوقت، تفصل بين قوى البر/ روسيا ومن بعده الاتحاد السوفياتي، وقوى البحر/ بريطانيا ومن بعدها الولايات المتحدة، وتعزل الهضبة الفارسية عن الصين، وتمنع الهند من مد شبكة تواصل تجاري، سياسي، ثقافي، مع روسيا.  

بعد انتهاء اللعبة الكبرى، وقع الكثير من الأحداث بين الروس والبريطانيين وعلى طول مسرح السياسة الدولية. انهارت الامبراطوريات الروسية، القاجارية، الصينية، العثمانية، الأفغانية. إلا أن الحدث الأهم بالنسبة للتاريخ الأفغاني الحديث كان ولادة باكستان الأولى عام 1947، ثم ولادة باكستان الثانية 1971. فباكستان الأولى، ولدت كمسألة بنجابية – بنغالية، من خلال شطري باكستان الشرقي والغربي (بنغلادش، وباكستان الحالية)، أما باكستان الثانية فقد ولدت كمسألة بنجابية – بشتونية، بعد استقلال بنغلادش عن باكستان سنة 1971. سترسم الولادة الثانية لباكستان معالم المسألة البشتونية، والأفغانية عامة، بعدة اعتبارات منها: 1- أفغانستان باعتبارها دولة حاجزة. 2- أفغانستان باعتبارها الفناء الخلفي أو العمق الاستراتيجي لباكستان. 3- أفغانستان مسألة بشتونية. 4- أفغانستان كيان نصف قبلي، نصف قومي.

إكراهات موقع أفغانستان الجغرافي وتعقيداته الديمغرافية، تزيد من تعقيد المشهد الأفغاني بنحو كبير. تحتوي أفغانستان تنوعاً قومياً كبيراً؛ بشتون، طاجيك، هزارة، أوزبك، تركمان، وبلوش. كما تحتوي طبقات "كرونولوجية" مختلفة تعيد تقسيم القوميات وفق خرائط سياسية ومصلحية مختلفة: أوزبك – تركمان في مقابل البلوش – البشتون ويقابلهما أيضاً الطاجيك - والهزارة. ولأن أفغانستان تقع على خط صدع توازنات القوى الآسيوية الكبرى، فإن لكل من هذه القوميات خارطة "فهمها الخاص" بالعمل السياسي، مع ما يستلزمه هذا الفهم من تحالفات وعداوات مؤبدة.

أفغانستان كمسألة بشتونية:

تعود ولادة أفغانستان كدولة سياسية معاصرة إلى حقبة الدولة الدرانية (1747 – 1818)، التي استقلت عن الدولة الأفشارية الصفوية. مثّل أحمد شاه الدراني أول ملوك الدولة الدرانية القوة السياسية لقندهار، بما هي تعبير عن المسألة البشتونية. كما استطاع أن يوحد ويمتد بنفوذه ليشمل كامل أفغانستان، وباكستان، ومدينة مشهد في إيران. وهو ما ستحاول الدولة البركزاية البشتونية أيضاً الحفاظ عليه طيلة القرن التاسع عشر، مع انزياح في الثقل السياسي من قندهار إلى كابول التي اتخذتها عاصمة للدولة. إن قرنين من حكم البشتون الموسع القائم على العداء للفرس، والصينيين، والهنود، جعل من أفغانستان دولة "بشتونية المنشأ" من جهة، ودولة مخاطر حتى بالنسبة للقوى الحليفة للبشتون، كالبنجاب في باكستان، مثلاً. ثمة تخادم نفعي بشتوني – باكستاني كان قد وُلد بُعيد إحكام البنجاب سيطرتهم على الدولة الباكستانية مطلع السبعينيات، لكن هذا التخادم سرعان ما يمكن أن ينفجر تهديداً إذا لم تحسن باكستان ضبط المسألة البشتونية. تاريخياً، بإمكاننا إرجاع هذه المعضلة إلى عام 1893، تاريخ تشكيل خط ديورند كخط حدود فاصلة بين أفغانستان وباكستان. فالأخير ألحق النسبة الأكبر من البشتون بباكستان جاعلاً منهم القومية الثانية بعد البنجاب في البلاد. الأمر الذي هدد النخبة البنجابية في إسلام آباد طوال عقدي الخمسينيات والستينيات، خوفاً من تحالف البشتون والبنغال وتأثيره على شطري باكستان. بعيد استقلال بنغلادش عن باكستان، سعت صار هم النخبة البنجابية أفغنة القضية البشتونية، دفعاً لمخاطر البشتون عن إسلام آباد، وهو ما وجدته إسلام آباد ممكناً من خلال حركة طالبان.

أفغانستان ككيان نصف قبلي - نصف قومي:

محقاً كان أوليفييه روا في فهمه القبيلة كمرتكز سياسي أوحد في أفغانستان. بالنسبة له، لا تعدو أفغانستان أن تكون تجمعاًَ لقبائل غير معنية بمسألة الدولة البتة. حتى عندما قام الشيوعيون بانقلاب 27 نيسان/ أبريل 1978، في محاولتهم لبناء دولة اشتراكية، كان الانقلاب في حقيقته انتصاراً للبشتون الغلزائيين على البشتون الدورانيين. وبالرغم من السنوات العشر للحرب السوفياتية في أفغانستان، وبالرغم مما أدخله السوفيات أيضاً من منطق الحرب الحديثة الشاملة التي وضعت المجتمع في أسسه نفسها موضع تساؤل وإعادة نظر، إلا أن الأفغان واجهوا آلة الحرب الشاملة على المجتمع بآليات الحرب القبلية شبه القارة، التي تدور في نطاق التضامن والعصبية. فظلت فكرة الجتمع خارج نطاق الوعي القبيلة، وظلت الدولة مسألة "برانية". حتى مع انسحاب الاتحاد السوفياتي عام 1989، لم تستطع الحركات الإسلامية بلورة هدف سياسي أو رؤية، بل هي عادت للعمل كشبكات استتباع، وشبكات تضامن قبلي أو عرقي. فدخلت أفغانستان سنوات من "قتال الإخوة" دون أي تصور لأفق هذا القتال.

إن نقسام الجبهة الأفغانية ما بين عامي 1994 و1998، لم يكن عقائدياً صرفاً ولا سياسياً، بقدر ما كان انقساماً قبلياً - قومياً. ففي قبال طالبان البشتونية، وقف كل من أحمد شاه مسعود وبرهان الدين رباني كمثثلين للأفغانستان الطاجيك، فيما اختار عبد الرشيد دوستم التنقل بين أطراف النزاع باعتباره زعيماً للأفغان الأوزبك "المناوئين للبشتون" والطورانيون (وهو ما يجمعه بالأفغان التركمان). يفسر الانتماء القبلي - القومي بعضاً من انحيازات المشهد الأفغاني. فدوستم تقلب في غير اتجاه بحسب ميل تركيا "الطورانية". الطاجيك - الشعب الفارسي الوحيد بين شعوب آسيا الوسطى -، اختاروا التقارب مع إيران نظراً لوحدة التاريخ القومي والثقافي مع "الأمة الفارسية" (في زيارة لأحمدي نجاد إلى دوشانبيه عاصمة طاجيكستان، سنة 2010، قال نجاد إن الإيرانييين والطاجيك شعب واحد في دولتين، وهو التعريف نفسه الذي استخدمه أردوغان لوصف العلاقة الآذرية – التركية في آخر زيارة له للعاصمة الآذرية باكو، علماً أن الشعب الطاجيكي سني المذهب، والشعب الآذري شيعي).

طالبان الحرب والدولة:

في سوسيولوجيا الحروب المعاصرة، تلعب آلة الحرب الحديثة دوراً مهماً في أعادة إنتاج المجتمع ومفاهيمه. فآلة الحرب في العصر الحديث لا تملك حيزاً جغرافياً أو اجتماعياً مقفلاً أو خاصاً بها، إذ ليس ثمة "ساحة معركة" في حروبنا اليوم، كما ليس ثمة فصل بين الخاص والعام في الحروب، ولا زمن خاص بالقتال. فالطيران والمدفعية والقوات المجوقلة، كلها، قادرة على نقل الحرب إلى كل مكان، في كل لحظة، ودون أدنى تمييز بين الأشخاص. ينعكس هذا بدوره على الجماعات المقاتلة أو المقاومة. في الحروب الشاملة اليوم، تضطر الفصائل المقاتِلة للدخول في نوع من الألعاب غير المتناظرة التي تتطلب معرفة سلوك الخصم، التمييز بين أنواع الخصوم، غاياتهم، مصالحهم، وبالتالي بناء معرفة قادرة على التفكيك الذي يسمح بإعادة إنتاج وعي سياسي مختلف. 

لقد خاضت طالبان طيلة عقدين من الزمن عدة أنواع من الألعاب غير المتناظرة مع خصومها وحلفائها على حد سواء. في باكستان، اختبرت طالبان سياسات الجماعة الإسلامية وحزب الشعب وحركة الإنصاف التي يقودها اليوم رئيس الوزراء الحالي عمران خان، ومع إيران اختبرت طالبان الاتجاهين الإصلاحي والمحافظ، والثوري مع السيد رئيس الآن. لقد سمحت السنوات العشرون التي قضتها الولايات المتحدة في أفغانستان لطالبان من بلورة رؤية سياسية يمكن التماسها في رؤية الحركة التي باتت ترى نفسها مضطرة للإجابة عن السؤال البشتوني من منظار وطني. العالم يتغير يقول الواقع الأفغاني، لا شيء يبقى على حاله. سؤال الدولة بات ملحاً أكثر من أي وقت مضى على الحركة الإسلامية. سؤال المصلحة والدور هو الآخر بات ملحاً لدولة تقع عند تقاطع خطوط صدع كبرى في قلب آسيا؛ القارة التي تجد قواها الفاعلة في القرن الواحد والعشرين (الصين، الهند، روسيا، إيران، باكستان)  لرسم "لعبتهم الكبرى" كمركز استقطاب سياسي للعالم.