إنّ فكرة المحاسبة والمساءلة هي فكرةٌ جديدةٌ على الشعب اللبنانيّ. مؤخّراً فقط، وجد المسؤولون اللبنانيّون أنفسهم مجبرين على تقديم شروحاتٍ وتبريراتٍ والادلاء بتصريحاتٍ تفسّر سلوكهم ومواقفهم، وقد يكون هذا هو الأثر الوحيد الذي لا جدال حوله من آثار انتفاضة 17 تشرين. ومع ذلك، فإنّ ثقافة المحاسبة والمساءلة في الشارع اللبنانيّ ما زالت بحاجةٍ إلى الكثير لتنضج، ولا أظنّني مبالغاً حين أقول أنّ المرحلة الراهنة هي مرحلةٌ تأسيسيّة في صناعة الوعي السياسيّ في بلدنا؛ فما يحصل اليوم، سيُبنى عليه غداً.

لكنّ الشعب ليس متروكاً لوعيه، أو لتجربته الخاصّة في صناعة وعيه، ولا أستثني هنا نخبه وقادة الرأي فيه. ذلك أنّ هؤلاء، فيما لو كانوا بسوادهم الأعظم يشتركون في هدفٍ واحد، يصبّ في خانة السعي لبناء وطنٍ أفضل، لأمكن القبول بمساحة الاختلاف بين آرائهم. في تلك الحالة، عندما تختلف قراءة محلّلٍ هنا ونشاطٍ سياسيٍّ هناك، يمكن لتقييم التجربة أن يردم الفجوة الحاصلة في الآراء، أمّا في الحالة السياسية اللبنانية، فإنّ المنطق – بحدّه الأدنى المعقول – يجلس في الزاوية ويلطم.. وغياب المنطق هذا، قد يُغرق الجميع. في بلدنا، يجد المنصف نفسه أمام تحدٍّ مرعب، ولشدّة البغاء السياسيّ الشعبويّ الذي يحيط به، عليه أن يكون مستعدّاً لأن يتبنّى رأياً "غير شعبياً"!

ما أريد فعله في هذه المقالة، هو محاولة تقديم نموذجٍ لقراءة سلوك إداريٍّ في الدولة، لذا سأختار وزارة الصحة، لا لشخص مسؤولها "حمد حسن"، إنّما لسببين: أولاً، لأنّها من الوزارات القليلة التي "تتورّط" في العمل، وبالتالي هناك تجربةٌ لتقييمها، ومن المعلوم أنّ أفضل وسيلةٍ للهروب من الخطأ، هي السكون. أما السبب الثاني، فلأنّ نشاطاتها أخذت حيّزاً كبيراً من الجدل الإعلاميّ في الآونة الأخيرة. أعيد وأكرّر، لست هنا لتقييم تجربة الوزارة، بل لطرح مقدّمات التقييم، وليس هذا هروباً من التقييم، بل لأنّي ببساطةٍ لم أمتلك الوقت الكافي لإجرائه قبل نشر هذه المقالة.

لتقييم مداهمات وزارة الصحة الأخيرة مثلاً، أو أيّ نشاطٍ إداريٍّ رسميٍّ آخر، لا بدّ من تشكيل مجموعةٍ من الأسئلة، لا الاكتفاء بالسؤال الأسهل: فسادٌ أم إنجاز؟ فبين هذا وذاك الكثير من المستويات، والكثير من التفاصيل، يحتمل الأمر أن يكون بين الأمرين. السؤال البديهيّ الذي يطرأ عند أيّ نشاطٍ يصبّ في خانة مكافحة الفساد، هو: لماذا الآن؟ وهو سؤالٌ واجبٌ لا مشروعٌ فحسب. يبدأ البحث هنا عن الموانع، أو الذرائع، مماطلة حاكم المصرف المركزي في تسليم فواتير الأدوية المدعومة مانع، فيولد هنا سؤالٌ آخر: تقنياً وعملياً، هل كان من الضروريّ انتظار هذه الفواتير؟ إن كان الجواب نعم، تبقى الموانع وتزول الذرائع، وإلا، فإنّ الوزارة مقصّرة.

السؤال التالي: لماذا لم تُغلَق كلّ المستودعات والصيدليات المخالفة؟ المدخل الأساسيّ في الإجابة على هذا السؤال يكمن في إدراك الصلاحيات، وهنا نقف أمام قاعدةٍ قانونيةٍ عامّة: قرار الختم بالشمع الأحمر يصدر عن جهةٍ قضائية، وتنفّذه ضابطةٌ عدلية، ولا صلاحية لوزارة الصحة أو أيّ وزارةٍ تقنيةٍ مماثلة في ذلك. ما دور الوزارة إذاً في هذا السياق؟ بمعنى ما هو دور الوزارة في مكافحة الاحتكار؟ دور الوزارة هو تشخيص حالة الاحتكار، أو أي نوعٍ آخر من الفساد، كأنّها تقوم بتطبيق المادة المعنية بوصف المخالفة على المخالف، وللمزيد من الاطلاع يمكن مراجعة مقالة "لا اقتصاد ولا حر" في "الخندق"، وفيها قمنا بمعالجة موضوع الوكالات الحصرية والمنافسة من مدخلٍ قانونيٍّ وواقعيّ. وعليه، فإنّ مسؤولية الوزارة بمراقبيها ومختصّيها أن تقوم بالمداهمات وأن تشخّص وقوع المخالفة من عدمه، وأن تحدّد مستوى المخالفة بالتالي. ثمّ بعدها تقوم بنقل الملف إلى الجهة المعنيّة، كالنيابة العامة، لإصدار الإشارة القضائية أو الحكم القضائيّ المناسب، والذي بدوره يلزم الضابطة العدليّة المناسبة بتنفيذ قرارها. يبقى أنّ هناك هامشاً متروكاً للوزارة دون الرجوع لا لقاضٍ ولا لضابطةٍ عدلية، ألا وهو سحب رخصة المزاولة عند وجود ما يدعو لذلك، وهذه الـ "ما يدعو لذلك" أيضاً تحتمل الكثير من النقاش، فقد تكون فرصةً في يد الوزارة لإلقاء الخوف في قلوب المفسدين شيئاً مّا، وقد تكون عبئاً في ظلّ فساد القضاء وتركه إياها في الواجهة، وعلى كلّ حال، فإنّ سحب الرخصة لا يمنح الوزارة أيّة صلاحية تالية، إذ يبقى الإجراء التأديبيّ خارج عهدتها كما ذكرت سابقاً.

أيضاً، حول موضوع المصادرة، متى تُصادَر المواد المضبوطة في المستودعات ومن يتصرّف بها؟ قد يكون القضاء وحده المخوّل بإصدار إشارته في هذا الخصوص، لكن هل بإمكان الضابطة العدلية أيضاً تنفيذ المصادرة مباشرةً؟خاصةً في ظلّ استمرار جريان قرار التعبئة العامّة الذي وسّع دائرة صلاحيات شرطة البلدية والقوى الأمنية على اختلافها. القدر المتيقّن هنا أنّ ذلك ليس من صلاحيات الوزارة، وهكذا كان الحال في مخالفات المولّدات الكهربائية كما أوضحنا في المقال المذكور أعلاه، حيث أنّ مراقبو وزارة الاقتصاد ينتهي دورهم بتحرير محاضر ضبطٍبحقّ المخالفين، على أن تقوم البلدية أو القوى الأمنيّة بتنفيذ مصادرة المولّدات. وبعد إتمام عملية المصادرة، تقوم الجهة التي نفّذت الإجراء بتسليم المواد للجهة التي تراها مناسبةً للتصرّف بها. قد نسمع غداً أنّ مستودعاً تمّت مصادرة محتوياته، دون أن نعرف أين ذهبت، وقد يكون ذلك كلّه مغطّى قانونياً!

في قضية مداهمات وزارة الصحة للمحتكرين بالتحديد، نحن بحاجةٍ لأن نعرف كم مرةٍ تابع القضاء إجراء الوزارة وبنى عليه، كم مرةٍ استمع لتوصية الوزير ضد مؤسّسةٍ مخالفة، وهو ما شاهدناه موثّقاً بالصوت والصورة. نحتاج أن نعرف سلوك القضاء في كلّ عملية مداهمةٍ قامت بها فرق الوزارة منذ بدء الحملة.

أخيراً، ولو أنّ التعويل على شجاعة القضاء اللبنانيّ ليست أمراً راجحاً عقلاً، لكنّه ضغطٌ نسعى لأن يقسم ظهر البعير يوماً مّا، أو لا أقلّ من أن نقف غداً بين يدي الله وقد فعلنا ما يمكننا فعله. إنّ القانون اللبنانيّ لا يشجّع المنافسة، لا بل أنّه يساعد المحتكر ويغطّيه قانونياً من خلال إباحة الوكالات الحصرية، كما أنّ عقوبة الاحتكار هي جنحةٌ لا جناية. لكن، ومع ذلك كلّه، لو أراد القضاء عدم انتظار المشرّعين، فأمامه بابٌ للاجتهاد سمعت عنه في أوساط القانونيّين ولا بدّ من الإضاءة عليه: أولاً، قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وهو القانون رقم 44/2015، والذي يصنّف الفساد كأحد مصادر الأموال المبيّضة، وهذا ما يمكن تطبيقه على الأموال الناتجة عن بيع الأدوية المدعومة بأسعارٍ مرتفعة. ثانياً، باب الإثراء غير المشروع، وهو ما يمكن تطبيقه على عملية تحقيق الأرباح غير المشروعة قانونياً نتيجة تكديس الأدوية وبيعها بأسعارٍ أكبر لاحقاً.

وعليه، إنّ المعركة ضد الفساد تحتاج ركباً ثابتة، يبدو أنّها لم تولد حتى اللحظة.