في كتابه، مدخل إلى "رأس المال"، يحاول دافيد هارفي إعادة اكتشاف ماركس بأدوات تفسيرية مختلفة. انطلاقاً من تاريخه الأكاديمي الكبير، يحاول الرجل التنبه لسمات النظام التعليمي الرأسمالي. فيشير إلى أنه كلما تلقى الإنسان تعليماً/ تدريباً أفضل في تخصص ما قل استخدامه المنهجية الدياليكتيكية، وهذه مسألة غير طبيعية البتة. يريد هارفي استعادة اللحظة الأولى لتفاعل الإنسان مع واقعه، أو هو يريد بالدقة استعادة فهم ماركس للدياليكتيك باعتباره الدهشة الأولى، فيقول: في الواقع، الأطفال الصغار دياليكتيكيون بشكل كبير، هم يرون كل شيء في حالة حركة وفي حالة تناقض وتحول. "يريد ماركس استعادة فراسة الطريقة الدياليكتيكية وتوظيفها لفهم كيف أن كل شيء في حالة صيرورة ذاتية؛ حالة حركة".

لهارفي مدخل إلى كتاب "رأس المال"، يعيد نظم الكتاب في سياقه التاريخي والمعرفي. "رأس المال" نص غني ومتعدد الأبعاد، وهو يستفيد من عالم واسع من الخبرات كما صورتها مجموعة كبيرة من الأدبيات المكتوبة بلغات عديدة وفي أماكن وأزمان مختلفة.

يقول: لقد درّست "رأس المال" كل عام تقريباً منذ عام 1971، وأحياناً مرتين أو حتى ثلاث مرات في سنة واحدة، لمجموعات من جميع الفئات. إحدى السنوات كانت مع قسم الفلسفة - وهو إلى حد ما هيجلي - في ما كان يسمى آنذاك "مورغان ستايت كولج". سنة أخرى كان جميع الطلبة من طلاب الدراسات العليا في برامج اللغة الإنكليزية في جامعة جون هوبكنز. ما يبهرني هو رؤية كل مجموعة لأشياء مختلفة من رأس المال.

 

لكن من أين استقى ماركس كل هذا الأفق في الشرح والتحليل والتفسير: مرات يجد الكاتب نفسه أمام مقاربة أدبية – سياسية لفهم "رأس المال" يقول: آها، من هنا حصل عليها ماركس، لقد قرأ على ما يبدو بلزاك بشكل كامل وكان لديه طموح لكتابة دراسة كاملة عن الملهاة الإنسانية، عندما ابتدأ برأس المال... إن قراءة رأس المال وبلزاك معاً تساعد على التوضيح".

مرات أخرى، يجد الكاتب نفسه أمام مدارس عدة من القليد الاقتصادي التي أرفدت ماركس في مشروعه الفكري. "بوسع المنظورات التخصصية المتباينة أن تضيء، بشكل مفيد، على الأبعاد المتعددة لفكر ماركس"، يقول هارفي، وذلك على وجه التحديد لأنه كتب هذا النص كتجسيد للتقليد العريق، الغني، والمتنوع للتفكير النقدي.

برأيه، تتلاقى في رأس المال ثلاثة أطر مفاهيمية كبرى هي:

- الاقتصاد السياسي الكلاسيكي للقرن السابع عشر، والممتد إلى منتصف القرن التاسع عشر. وهذا التقليد بريطاني هذا بشكل رئيس - وإن لم يكن بشكل حصري -، يمتد من وليم بيتي ولوك وهوبز وهيوم إلى الثلاثي الكبير آدم سميث، مالتوس، وريكاردو، بالإضافة إلى مجموعة أخرى مثل أمثال جيمس ستيوارت. أيضاً كان هناك رافد فرنسي للاقتصاد السياسي (الفيزوقراطيون أمثال فرنسوا كينيه، وآن روبير جاك تيجرو، ثم فيما بعد جون شارل لينار دي، جون شارل لينارد دي سيسموندي، وجان باتيست ساي، وكذلك الإيطاليين والأميركيين أمثال هنري شارلز كاري، ممن يقدمون لماركس مواد مهمة إضافية.

- اللبنة المفاهيمية الثانية في تنظير ماركس هي التفكير والبحث الفلسفي، والتي ترجع مع ماركس إلى اليونانيين. فقد كتب أطروحته عن أبيقور، وكان على دراية بالفكر اليوناني. سيمثل أرسطو دعامة أساسية في الحجاج الماركسي. كما امتلك ماركس اطلاعاً كاملاً على الكيفية التي أثر بها الفكر اليوناني على معظم الفلسفة النقدية الألمانية التقليدية.

- الرافد الثالث الذي يحتج ماركس به هو الاشتراكية الطوباوية. في زمن ماركس، كان هذا التقليد في المقام الأول فرنسياً، على الرغم من أن توماس مور كان إنكليزياً، والذي يرجع إليه الفضل عموماً في نشأة التقليد الحديث، والإنكليزي الآخر هو روبرت أوين، الذي لم يكتب فقط كتابات طوباوية مطولة، بل في الواقع سعى لنقل العديد من أفكاره إلى الممارسة.

وهذه هي الروافد المفاهيمية الثلاثة التي تجتمع معاً في رأس المال.

يتتبع هارفي أثر ماركس حذو النعل بالنعل، في شرحه أقسام "رأس المال" وفصوله. هويبدأ البحث في المجلد الأول المكرَّس لتفحص نمط الانتاج الرأسمالي من منظور عملية الانتاج. ثم يمضي للمجلد الثاني (غير المنجز) ليشرح دراسة ماركس لعلاقات التبادل. قبل أن ينتهي بالمجلد الثالث (غير المنجز أيضاً) في عرضه للأزمات بوصفها نتاجاً أساسياً لتناقضات الرأسمالية. قبل أن ينتهي بقضايا توزيع فائض القيمة والفائدة والعائد على رأس المال المالي، والريع العقاري وربح رأس المال التجاري والضرائب وما شابه.

 

لناحية المنهج، يرى هارفي ماركس مثوّر المنهج الدياليكتيكي؛ وهو لم يقلبه فحسب. يعود لمقولة ماركس مرات في نقد الأخير للجانب الصوفي من دياليكتيك هيجل (من مثل نقد ماركس لكتاب هيجل فلسفة الحق). ويقر الكاتب أن قراءة ماركس بشروطه الخاصة يتطلب من القارئ التصارع مع ما يعنيه بـ"الدياليكتيك".

تغري القارئ أسئلة ما بعد القراءة عن ماهية الشيوعية، وكيفية تفكير الشيوعيين، ثم كيفية فهم ونقد الرأسمالية بشكل علمي لرسم مسار الثورة الشيوعية بصورة أكثر فاعلية! يؤكد هارفي، أن لدى رأس المال الكثير ليقوله عن الفهم العلمي للرأسمالية لكن ليس لديه الكثير ليقوله عن كيفية صنع ثورة شيوعية، ولا الكثير عن شكل المجتمع الشيوعي.

***

- كتاب "مدخل إلى رأس المال" صادر عن دار فواصل، 2021.

- الكاتب: دايفيد هارفي. باحث اجتماعي وجغرافي ماركسي من أصل بريطاني وأستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة نيويورك. يُعتبر هارفي أحد أهم الجغرافيين في العالم.

- ترجمة: علاء بريك هنيدي. مترجم سوري مقيم في مصر، وله العديد من الترجمات المحكمة.

- مراجعة: مجدي عبد الهادي. كاتب ومترجم، وباحث متخصص في الاقتصاد الكلي والسياسي وعلم الاجتماع الاقتصادي.