"فتىً منْ يديهِ البأسُ يضحكُ والندى  وفي سرجهِ بدرٌ وليثٌ غضنفرُ"

هكذا مدح الشاعر الشهير أبو تمّام الخليفة العباسيّ أبو الفضل جعفر المتوكّل، في سياق قصيدته الشهيرة التي استهلّها بمطلع "شجاً في الحشا تردادُه ليس يَفترُ    به صُمْنَ آماليَ وإنّي لمفطرُ".

فاخرَ الشاعر العباسي الكبير في هذه القصيدة بأنّ السيوف إذا نصرت ملكاً أو خليفةً فإنما يكون نصرُها محدوداً في الزمان والمكان والتأثير، بينما قصيدته التي يمدحه بها ستبقى وتخلّد اسمه في التاريخ، وسيقرؤها الملوك الآخرون من أصدقائه وأعدائه فإمّا أن يغبطوه وإمّا أن يحسدوه، وفي ذلك رفعة لمقامه وعلوّ في شأنه.

لكنّ "الليث" الذي مدحه أبو تمّام رجاءً لرفده وعطائه وهداياه، ليس فيه من صفات الغضنفر الحقيقية شيء إذا ما قيس بالأسير الفلسطيني البطل، الذي جسّد الإقدام وقوّة الإرادة وصلابة النفس ورسوخ العزم في مواجهة الاحتلال، فكان حقاً اسماً على مسمّىً؛ غضنفرَ.

الشاب الفلسطيني الغضنفر أبو عطوان من مواليد 1994 من بلدة دورا قرب الخليل في الضفة الغربية الفلسطينية المحتلة، له من العمر 28 عاماً وقد اعتقله الاحتلال دونما توجيه أيّ تهمة له، وذلك في أجواء الاحتجاجات التي شهدتها مناطق الداخل الفلسطيني عقب قرار سلطات الاحتلال في أواخر شهر رمضان الماضي تهجير عائلات فلسطينية من حيّ الشيخ جراح في القدس. الاحتجاجات الشعبية التي سبقت معركة سيف القدس والعدوان الصهيوني على قطاع غزة أثمرت هبّة امتدّت ضمن نطاق واسع على طول الجغرافيا الفلسطينية، بالتزامن مع المعركة على تخوم غزة، وشكّلت عامل ضغط كبير ساهم في وصول المواجهة مع الاحتلال إلى نهاية مذلّة ومخيّبة لأمل القيادة الصهيونية في كسر إرادة الفلسطينيين وإجبارهم على القبول بواقع التطهير العرقي والتهجير اللا-إنساني.

في هذه الأجواء قام الاحتلال بحملة اعتقالات كبيرة طالت الأطفال والشباب في مدن الداخل، وهدفت إلى مواجهة التحرّكات الشعبية عبر خطف الشباب الفلسطينيين المحرّكين لها بقدر المستطاع وإيداعهم السجون دونما أيّ محاكمة أو اتهام. يستفيد الاحتلال بشكل أساسي من قانون الاعتقال الإداري الذي تسمح به محاكمه الجائرة ودونما أيّ سقف زمني، في الوقت الذي تحدّد فيه دول العالم التي تسمح بذلك عادة سقف مدّة الاعتقال الإداري بين ساعات معدودة إلى 72 ساعة، يقوم بعدها الجهاز الأمنيّ بإطلاق المشتبه مع فرض شروط على تحرّكاته كي يعاود الاتصال به في حال حصول أي جديد أو ورود معلومات إضافية.

هذا في دول العالم، حيث يوجد قوانين، أمّا في كيان الاحتلال حيث تتجلّى شريعة الغاب بأن تسنّ أأييلب تشنّ  ضءيالسلطة الإسرائيلية بنفسها قوانين تسمح لها بشرعنة احتلالها وممارساتها العنصرية والإجرامية تجاه الفلسطينيين، فيمكن للاعتقال الإداري أن يمتدّ لشهور بل لسنوات! فيجلس الشاب أو الشابة الفلسطينيان بين جدران أربعة منفقين أيام العمر في انتظار أن يقوم قاضٍ صهيونيّ ما أو جهاز أمنيّ بتوجيه اتهام ما (بغضّ النظر عن صحّته فضلاً عن أحقيّته كون المُحاكِم هو محتلّ مجرم والمُحاكَم هو صاحب الأرض)، وأحياناً يتمّ استجواب الأسير الفلسطيني أو الأسيرة المعتقل(ة) وتعنيفهما ليستحصل الصهاينة على اعتراف ما يوظفونه في تركيب اتهام للأسرى، في مخالفة لكلّ المواثيق والقوانين الدولية.

الغضنفر واحدٌ من هؤلاء الشباب، لا زال يقبع في اعتقال إداريّ دونما أيّ محاكمة منذ شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2020، أي منذ ما يزيد على 10 أشهر، وهو كذلك أسيرٌ سابق تعرّض للاعتقال عدّة مرّات منذ عام 2013، كما أنّها ليست تجربته الأولى في الإضراب عن الطعام، فخلال عام 2019 خاض أبو عطوان إضراباً عن الطعام رفضاً لاعتقاله الإداريّ حينها ممّا ساهم في إطلاق سراحه.

يريد الاحتلال من الاعتقال الإداريّ للشباب الناشط والمؤثّر في الساحة الفلسطينية كسر إرادات الجيل الجديد وتدجين الحراك الشعبي التحرّري الفلسطيني. هي معركة كسر إرادات، فالاحتلال يراهن على كسر إرادة الشعب ولا سيما الشباب وبالمقابل يصرّ الفلسطينيون على التمسّك بأملهم الكبير في رؤية انتفاضة شعبية ثالثة تكون المسمار الأخير في نعش الاحتلال الذي يزداد إطباقاً على حكومة الكيان ومستوطنيه يوماً بعد يوماً مع صمود الفلسطينيين وثباتهم. ولم تكن المعادلات الجديدة التي فرضها الفلسطينيون على الساحة لا سيما في معركة "سيف القدس" الأخيرة إلّا تراكماً للقوة والردع وتجلّياً للإرادة الفلسطينية الصلبة المستمرّة في كباشها مع المحتلّ، إرادة يراكمها كلّ فلسطينيّ في نضاله حيثما كان وبما أمكنه من مقدّرات ولو بكلمة لا يرفعها عالياً بوجه كلّ استسلام أو خضوع يريده المحتلّ أو وكلاؤه من جيل فلسطين الشاب.

واليوم، يعبّر الغضنفر أبو عطوان عن هذا الحبل المتين من إرادة المواجهة والمقاومة، العابر للزمان والجغرافيا والممتدّ من ما قبل النكبة وإضراب 1936 ومن مختلف أقطار العالم، التي أظهرت أحداث القدس وغزة الأخيرة وحجم التضامن العالمي والتكاتف الفعّال للناشطين في القارات الخمس، أنّها قادرة على أن تهزّ عرش الصهاينة وتحطّم أحلام هيكلهم الموهوم.

فكأنّ بيت الشعر الذي قاله أبو تمام يؤّوّل اليوم بلسان الأسير البطل؛ الشجا في الحشى ألمٌ على فلسطين ليس يفترُ والاحتلال موجود، به صام الغضنفر ممتنعاً عن الطعام والشراب اختياراً منه لا لكونه في شهر الصيام.

والبأس الذي يشرق من نافذة غرفة الأسير حوى في شعاعه عطراً من جود نفسه وكرم صفاته وهو الباذل كلّ ما يملك لأجل فلسطين ولأجل حريّة الإنسان في فلسطين.

" فلا شيءَ أَمضى مِن رجائِك في النَّدى    ولا شيءَ أبقى مِن ثناءٍ يُحبَّرُ"

مثل هذه الأعمال العظيمة هي العطاء والفضل الأسمى، لا عطاء صرر الدنانير والأموال، ومثل هذا العمل المتّصل بكفاح الماضين وحبل نضالهم لهو الذي يرجى له البقاء والخلود، بل في وصفه تُخلَّدُ القصائدُ والكلمات والمعاني.

وفي هذه النضالات والعطاءات السامية تأتلف آمال الأمم الحرّة والشعوب التي تتوق إلى الحريّة وكرامة الإنسان، وتخرّ جباه الرافضين خاشعةً شاكرةً أمام كمال لوحة الإخلاص الذي يرسمها الغضنفر اليوم بريشة بأسه وألوان ألمه:

"فَتىً مِن يَدَيهِ البَأسُ يَضحَكُ وَالنَدى    وَفي سَرجِهِ بَدرٌ وَلَيثٌ غَضَنفَرُ
 بِهِ اِئـتَلَـفَت آمـالُ وافِـدَةِ المُنى    وَقامَـت لَدَيـهِ جَـمَّـةً تَـتَـشَكَّـرُ".