بالنسبة للمرويات الإخبارية الإسلامية، فإنها أكثر احتياجاً لمثل هذا النقد والتحليل، وفي هذا الشأن يقدم لنا علم الرجال الإسلامي مادة خصبة حول الرواة وأوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية وتوجهاتهم السياسية وميولهم الدينية وحتى مصادرهم المعرفية، بما يمكن الباحث التاريخي من رصد تطورات المرويات وأسبابها.

وإذا جاز لنا أن نضرب مثالاً فيما يتعلق بالإشكاليات التي تعاني منها مرويات الإخباريين المسلمين بخصوص التاريخ الإسلامي ذاته وحتى التراث الديني، فإن شخصية عبدالله بن سبأ وتعامل علماء الدين والباحثين التاريخيين معها تعد نموذجاً واضحاً للغاية.

وبحسب المصادر التاريخية فإن عبدالله بن سبأ هو شخصية من يهود صنعاء أو الحيرة (لم يتم حسم هذه القضية لكن المؤكد أن الأصل اليمني هو المشترك بينهما) قد أظهر الإسلام في عصر الخليفة الثالث عثمان بن عفان واندس بين المسلمين وتنقل في بلادهم وخاصة الشام والكوفة والبصرة ومصر ليروج بعض المعتقدات أهمها رجعة النبي (ص) كما أن لعيسى بن مريم رجعة، وأن علياً هو وصي النبي (ص) وأن الخلفاء السابقين غاصبين لحقه.

وتشير القصة إلى أن دعوته لم تكن دينية فقط بل كان فيها جزء اجتماعي ضخم واجه من خلاله ولاة الخليفة وأظهر عيوبهم كما حرض على الخليفة الثالث عثمان بن عفان، وانضم إليه بعض الصحابة والتابعين الكبار مثل أبو ذر الغفاري، عمار بن ياسر، محمد بن أبي حذيفة، عبدالرحمن بن عديس البلوي، محمد بن أبي بكر الصديق، صعصعة بن صوحان العبدي ومالك بن الحارث الأشتر[1].

وعقب نجاحهم في قتل الخليفة الثالث بايعوا الإمام علي بن أبي طالب، وانضموا لمعسكره في حرب الجمل ضد طلحة والزبير وعندما بدا أن قيادات الجيشين يقتربان من التفاهم وإنهاء القتال، خشوا أن يؤخذوا بدم عثمان فاندسوا بين الجيشين وأثاروا الحرب دون علم القيادات واستطاعوا أن يشعلوا المعركة مرة أخرى[2].

هناك خلافات أخرى حول نهاية عبدالله بن سبأ ما بين قيام الإمام علي بإحراقه[3]، أو بنفيه إلى المدائن[4]، وهناك مرويات يبدو منها الإشارة إلى بقائه حياً بعد استشهاد الإمام علي وتحول آرائه من المناداة بوصاية الإمام علي للنبي (ص) إلى القول بألوهيته[5].

الواقع أن صياغة القصة على هذا النحو، في حال مصداقيتها تمنح السبئيين قدراً كبيراً من الشرعية بانضمام شخصيات عظمى من الصحابة إلى دعوتهم كأبي ذر الغفاري وعمار بن ياسر، بل وتجعل من بعض الصحابة من أتباعه، وهو ما أدى ببعض الباحثين المعاصرين إلى التشكيك فيها، نظراً للدور الضخم وغير المقبول الذي تمنحه لشخصية مجهولة ذات أصول يهودية، بالإضافة إلى الاضطراب الواضح في مسيرة هذه الشخصية غير المعروفة والمصير النهائي لها، كما أشار باحثين آخرين إلى عدم مصداقية الراوي الأساسي لها وهو سيف بن عمر التميمي المتهم بالوضع والكذب لدى علماء الرجال[6].

في كتاب "الفتنة الكبرى" عقب الدكتور طه حسين (ره) على قصة عبدالله بن سبأ بقوله: " ويخيل إلي أن الذين يكبرون من أمر ابن سبأ إلى هذا الحد يسرفون على أنفسهم وعلى التاريخ إسرافاً شديداً. وأول ما نلاحظه أننا لا نجد لابن سبأ ذكراً في المصادر المهمة التي قصت أمر الخلاف على عثمان ؛ فلم يذكره ابن سعد حين قص ما كان من خلافة عثمان وإنتقاض الناس عليه، ولم يذكره البلاذري في أنساب الأشراف، وهو فيما أرى أهم المصادر لهذه القصة وأكثرها تفصيلاً. وذكره الطبري عن سيف بن عمر، وعنه أخذ المؤرخون الذين جاءوا بعده فيما يظهر".

ويحتج عميد الأدب العربي على من يدعون تأثر أبي ذر الغفاري بابن سبأ وآرائه، بأن أبي ذر لم يقبل أن يتأثر بكعب الأحبار في قضية الزكاة، بالرغم من أن كعب الأحبار أسلم في فترة مبكرة عن بن سبأ المزعوم، فكيف سيتأثر بآراء يهودي مجهول؟[7].

إن هذه الآراء للدكتور طه حسين توصل إليها كذلك عدد آخر من الباحثين، كالدكتور عبدالعزيز صالح الهلابي في كتابه "عبدالله بن سبأ.. دراسة للروايات التاريخية عن دوره في الفتنة"[8]، الدكتور حسن المالكي في كتابه "نحو إنقاذ التاريخ الإسلامي"[9] وعدد من المقالات نشرت في الصحف السعودية كالرياض والمسلمون[10]، وكلاهما من السعودية، والمصريان أحمد محمود صبحي في كتاب "نظرية الإمامة عند الشيعة الإثني عشرية"[11]، وأحمد عباس الصالح في كتابه "اليمين واليسار في الإسلام"[12]، بالإضافة للبحث الضخم الذي أصدره المرحوم السيد مرتضى العسكري في جزئين "عبدالله بن سبأ وأساطير أخرى"[13]، مع اختلاف بينهم حول نفي وجود الشخصية أو التقليل كثيراً من الدور الذي قامت به.

وقد انفرد الباحثان الدكتور علي الوردي والدكتور كامل الشبيبي برأي مستقل في أن عبدالله بن سبأ هو الصحابي عمار بن ياسر وأن اسم ابن سبأ هو سب من قبل أهل الشام لشخصه نظراً لاعتقاده في الإمام علي، واستدل الدكتور علي الوردي في رؤيته بعدة أدلة أهمها:

1 – كان ابن سبأ ينعت بابن السوداء، وهو نفس ما كان يكني به عمار كذلك.

2 – كلاهما ذهب إلى مصر في عهد عثمان.

3 – كل منهما جهر بأن علي بن أبي طالب هو الأحق بالخلافة.

4 – ينسب لابن سبأ الدور الأكبر في إشعال الخلاف بين الإمام علي وبين طلحة والزبير، وهو دور يقترب من دور عمار بن ياسر الفاعل في تحريض الكوفيين على مواجهة أصحاب الجمل[14].

وبغض النظر عن الآراء الكثيرة التي أثارتها طبيعة هذه الشخصية والأحداث التي تورطت فيها، فإن المؤكد أنها سعت للتوصل إلى حقيقتها التاريخية عبر استخدام مناهج البحث التاريخي بغض النظر عن الخلفيات المذهبية والعقائدية للباحثين.

وفي المقابل، وفي أثناء النقاش الدائر في المملكة العربية السعودية حول شخصية عبدالله بن سبأ فوجيء المهتمون بالبحث العلمي بردود كل من الدكتور حسن بن فهد الهويمل والذي يحمل لقباً علمياً يكتب في صحيفة الرياض قائلاً: " لأن في نسف هذه الشخصية نسفاً لأشياء كثيرة وتفريغاً لكتباً تراثية لكبار العلماء من أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية وابن حجر والذهبي وغيرهما، فابن سبأ أو ابن السوداء يشكل مذهباً عقائدياً ويشكل مواقف أخرى لو تداعت لكنا أمام زلزلة تمس بنايات كثيرة "[15].

ولم ينفرد دكتور الهويمل بهذه الرؤية الغريبة لشخصية ابن سبأ وإنما كررها الدكتور سليمان العودة في حوار له مع صحيفة المسلمون: "ففي هذا الرأي نسف لكتب بأكملها تعد من مفردات كتب التراث، ويعتمد عليها في النقل والتوثيق من قرون متطاولة، فكتاب منهاج السنة – مثلاً – لشيخ الإسلام ابن تيمية ينطلق من اعتبار عبدالله بن سبأ أصل الرافضة، فهو أول من قال بالوصية والرجعة وغيرها من معتقدات وإنكار هذه الشخصية أو التشكيك فيها تشكيك في الكتاب كله، ونسف له من اصوله، بل ربما تجاوز الأمر ذلك إلى التشكيك في أصول الرافضة وتاريخ نشأتهم"[16].

إن الملاحظ لدى كل من الدكتور الهويمل والدكتور العودة أن مشكلتهما ليست في حقيقة وجود شخصية عبدالله بن سبأ أو عدم وجودها، أو حتى المبالغة في الدور المروي عنها في التاريخ الإسلامي، وإنما في ضرورة الحفاظ على وجاهة مجموعة من الكتب التراثية واستمرارها كمصدر موثوق في التاريخ حتى لو أثبت البحث العلمي غير ذلك، وهنا فإن أهمية هذه الكتب التراثية إذن ليس في كونها تقرب القارئين لها من الحقيقة الدينية بحسب اجتهادها، وهذه هي مهمتها المفترضة، وإنما لأنها تساهم بقوة في تسهيل مهمة النفي الطائفي والديني للآخر، وإتكائها على هذه المروية التاريخية الغامضة والمضطربة وغير المنطقية يستخدم بشكل إعلامي في إثارة المحاجزة بين المسلمين بشكل عام، وفي تحريك الضغائن الطائفية كلما احتاجت بعض القوى الرجعية في المنطقة لتحريكها ضمن السعي للاطمئنان على استقرار أوضاعها ومصالحها.

وإذا كانت مرويات الإخباريين في التاريخ الإسلامي تعاني من الانحياز الطبقي والطائفي وحتى القبلي ثم تستخدم في النفي الديني للآخر وكمبرر للاضطهاد السياسي، فمن المؤكد أن علينا مراعاة مثل هذه المؤثرات حينما نسعى لنقدها وقراءتها بشكل مختلف فيما يتعلق بالتاريخ السابق على الإسلام.

أما النصوص المكتوبة قبل الإسلام ومعظمها نصوص مسيحية، فمن الضروري كذلك متابعة انتماءات الكتاب السياسية والدينية، والتي تنطلق بدورها من الانتماءات السالفة مع الوضع في الاعتبار حجم الصدام بين الطوائف المسيحية في هذه الفترة[17].

وربما لا أبالغ لو قلت أن مثل هذا المنهج سوف يكون صالحاً لإعادة قراءة النصوص الدينية كذلك، بالرغم من أنه قد يصطدم بالطرق التقليدية في قراءتها والتثبت منها عبر علوم اللغة والدراية والرجال، وهي بالتأكيد علوم لها أهميتها وفائدتها، لكن هذا المنهج المقترح سوف يكون بمثابة حكماً يمكنه نقد المرويات المستخدمة مذهبياً ودينياً بين الطوائف المختلفة خاصة أن الكثير منها تتعارض إلى حد كبير مع الواقع التاريخي إذا ما وضعنا في الاعتبار دوافع وخلفيات الأحداث اقتصادية، اجتماعية وثقافية وكونها تحمل مؤثراتها على الشخصيات الفاعلة في الحدث والتي يطيب للمؤسسات الدينية أن تحولهم إلى منعزلين عن هذه المؤثرات دون دليل واضح.

إن الباحث التاريخي مطالبٌ الآن بضرورة دعم مناهجه البحثية بمناهج إضافية لقراءة النصوص التاريخية تضع حداً لهذا العبث في التعامل معها والذي يتم استغلاله سياسياً وطائفياً ضمن الصراعات الخادمة لمصالح الرأسمالية ورغبتها في الاحتفاظ بمكتسباتها من نزح ثروات الشعوب المضطهدة عبر مواصلة الاستيلاء على فائض القيمة المعولمة[18] والذي يغذيه كل هذا الكم من فرض الاقتصاد التبعي والصراعات العرقية والطائفية، ولا يمثل التاريخ فيه سوى إحدى الآليات وإن كانت تمتلك إيجابية كبرى لدى الشعوب المقهورة كونها تشرعن هذا القهر وتبرره خاصة لو تمت صياغتها بلغة دينية.

وإذا أردت أن أطرح نموذجاً لهذا النوع من الاستغلال، فهناك قضية دعائية معروفة تم استغلالها سياسياً ضمن محاولات الدعم التاريخي للكيان الصهيوني، وهي قضية المسادا أو المسعادا والتي تعني القلعة باللغة الآرامية، وهي قلعة تقع على قمة صخرية عند البحر الميت، وتذكر الأساطير اليهودية أن هذه القلعة تحصن بها عدد من الثائرين اليهود (السكاريين) بقيادة إلعازر بن يائير ضد الإمبراطورية الرومانية مع أسرهم في الفترة من 70-73 ق. م، وبعد حصارها من قبل الرومان لفترة طويلة امتدت لثلاث أشهر اضطر اليهود المحاصرون للانتحار بشكل جماعي بدلاً من الوقوع في أسر الرومان[19].

لقد نظرت قيادات الحركة الصهيونية ثم الكيان لاحقاً إلى هذه الحادثة بقدر كبير من الأهمية، حيث قامت حركة الشبيبة الصهيونية السرية في الفترة السابقة على تأسيس الكيان بتنظيم رحلات حج إلى القلعة[20]، واختيرت عقب سنة 1948 كي تكون مقر حلف اليمين للجيش الصهيوني[21]، وأصبح الشعار "المسادا لن تسقط أبداً مرة أخرى" شعاراً قومياً[22].

   لكن من الناحية التاريخية فإن المصدر الوحيد لهذه الأسطورة اليهودية هو المؤرخ اليهودي يوسفوس فلافيوس في كتابه : " تاريخ حرب اليهود ضد الرومان "، والذي روى وقائع تفصيلية نقلاً عن امرأتين وخمسة أطفال نجوا من هذا الانتحار الجماعي حسب دعواه[23]، وهو ما لم تثبته الاكتشافات الأثرية[24]، كما أن إهمال التلمود والكتابات اليهودية منذ القرون الوسطى لذكرها يشير بوضوح إلى كونها مختلقة[25]، ولعل ما يؤكد هذا الرأي وصف الموسوعة اليهودية ليوسيفوس فلافيوس بأنه لا يعتد به كمؤرخ وأن قيمة كتاباته أدبية بالأساس وليست تاريخية[26].

   ويشير عالم الاجتماع الصهيوني نحمان بن يهودا إلى العثور على نقشين متطابقين تقريباً من النقوش الرومانية في أواخر الخمسينات يعود تاريخها إلى سنة 81 ميلادية في أوربز سالفيا بشمال إيطاليا، يتحدثان عن مسيرة القائد الروماني لوشيوس فلافيوس سيلفا والمفترض أنه الذي قاد الحملة ضد المتحصنين اليهود في المسادا، لكن كلا النقشين لا يتحدثان عن هذه الحادثة، وهو ما قد يصب في خانة التشكيك بكون هذه الحادثة قد تمت بالأساس[27].

   فهل توجد إمكانية لاعتبار المسادا حادثاً تاريخياً بالفعل ؟! الواقع أن الكاتب الصهيوني كشف عن حقيقة كون هذه الحادثة كانت مجهولة بالنسبة لليهود حتى مستهل العقود الأولى من القرن العشرين : " بدأت الرواية الخرافية التي تسرد وقائع قلعة المتسادا تجد موطيء قدم لها في أوساط السكان اليهود في فلسطين الانتدابية في مستهل العقود الأولى من القرن العشرين، ولكنها اكتسبت زخماً خلال حقبة العشرينات وتبلورت بحلول مطلع الأربعينات من القرن الماضي "[28].

   لقد تم استخدام هذه الحادثة المختلقة بهدف الربط الوهمي بين الصهاينة والأرض الفلسطينية عبر اختلاق بطولات وتضحيات يهودية تاريخية تمت على هذه الأرض، بما يعني وجود جذور وحقوق لليهود فيها وضرورة النضال لاستعادتها، وهو ما سعى موشيه ديان إلى تثبيته سنة 1982 : " لا نملك اليوم إلا أن نشير إلى الواقع الذي يقول أن متسادا أضحت رمزاً لبطولة الشعب اليهودي ولحريته، وهي تقول له : حارب حتى الموت، ولا تستسلم. فضل الموت على الأرس والحرمان من الحرية "[29]. وهو ما أشار كذلك يجال يادين أحد القيادات العسكرية الصهيونية لحرب 67 في حديثه سنة 1966 عن مدى قيمة هذه الحادثة المختلقة لكيانه : " الأهم من ذلك هو أن المسادا تمثل بالنسبة إلينا جميعاً في إسرائيل وخارج إسرائيل، سواء من علماء الآثار أو الناس العاديين، رمزاً للشجاعة، ونصباً لأبطالنا القوميين، هؤلاء الأبطال الذين اختاروا الموت على حياة العبودية المادية والمعنوية "[30]. وقد عقب الكاتب البريطاني كيث وايتلام على كلمة يادين بقوله : " أما الجدل اللاحق لتفسيرات يادين حول بعض المكتشفات الأثرية وقراءته لرواية المؤرخ اليهودي يوسيفوس Josephus فتوضح كيف أن المواقف السياسية والدينية توجه البحث التاريخي وتتحكم في نتائجه "[31].

   إن ترويج يجال يادين لهذه الحادثة واستخدامه لتعبير " أبطالنا القوميين " تمنح لهؤلاء المستوطنين الأجانب الهدف الذي يقاتلون من أجله أصحاب الأرض الأصليين بنفس الروح، وبالتالي فهو يرسخ أيضاً حالة العداء بينهم وبين المحيط والتي لا يرجع سببها، حسب ترويجه، لاغتصاب الأرض، وإنما هو عداء وصراع وجودي تاريخي منذ البداية : " ليس مبالغة أن نقول أنه بفضل بطولة مقاتلي المسادا – مثلها مثل غيرها من الأمثلة الأخرى في سلسلة البطولات في تاريخ هذه الدولة – فإننا نقف هنا اليوم، شعباً فتياً – قديماً، محاطين بأطلال معسكرات أولئك الذين قضوا علينا. وإذ نقف هنا، فإننا لم نعد عاجزين في وجه بأس أعدائنا، وحربنا ضدهم ما عادت حرباً يائسة، ولكننا أشداء واثقون من أنفسنا، وروح إسرائيل التي أحياها أجدادنا الأبطال... نحن، أحفاد هؤلاء الأبطال "[32].

   إذن فالإجابة على التساؤل الذي طرحته : هل توجد إمكانية لاعتبار المسادا حادثاً تاريخياً بالفعل ؟![33] تبدو واضحة الآن، فمثل هذه المختلقات المقحمة على التاريخ ليست سوى آليات دعائية ضمن مشروع استعماري تم وضعه لخدمة أهداف اقتصادية وترسيخ الهيمنة الغربية على العالم العربي، وهو باتخاذه مظهراً وخطاباً يدمج ما بين النبرة التاريخية والدينية يقوم بعمل تأثير المزدوج سواء على جماهيره (تحريض) أو جماهير خصومه (تثبيط)، ولا يوجد أي قيمة هنا للتاريخ حيث تتم عملية التزييف بكل وقاحة عبر الاستخدام الممجوج للإعلام.

   يبقى تساؤل هام، فيما يتعلق بالمكتشفات والنصوص الأثرية، إذا كنا سنعتبرها القاعدة الأساسية لتفسير النصوص التاريخية وقياس مدى مصداقيتها، هل هي (المكتشفات والنصوص الأثرية) إذن صادقة بشكل مطلق، أو على الأقل أكثر مصداقية من التاريخ المروي/المكتوب؟

   إن المكتشفات والنصوص الأثرية تفيد وجود الحدث بشكل مؤكد، لكنها ليست مؤكدة أو صادقة بشكل مطلق في تفاصيله، أو حتى أكثر مصداقية من التاريخ المروي/المكتوب، ولنضرب مثالاً حول هذه النقطة بمعركة قادش التي نشبت بين الملك المصري رعمسيس الثاني وملك خيتا مواتاللي سنة 1274 ق. م تقريباً، فقد اصطدم الجيشان بقادش بالفعل وهذا هو المؤكد وتعرض الجيش المصري إلى كمين كاد أن يقتل فيها رعمسيس الثاني نفسه لولا وصول نجدة أنقذته من الكمين في اللحظات الأخيرة، وسمحت له بالسيطرة على الموقف مجدداً، لكن في وثائق المملكتين تدعي كل منهما أن النصر كان حليفها بالمعركة، بالرغم من أن الموقف لم يكن حاسماً ولا يمكن اعتباره انتصاراً لأي منهما مع حجم الخسائر القاسية التي تعرض لها الجيشين والتي أدت لبقاء الوضع كما هو عليه[34].

   وكمثال آخر، تشير المكتشفات والنصوص الأثرية البابلية والعربية إلى حملة الملك نبونيذ البابلي على شمال شبه الجزيرة العربية والتي بدأت من السنة الثالثة لحكمه (553 ق.م) واستمرت لعشر سنوات أقام خلالها في تيماء.

   وتشير هذه المكتشفات إلى نشاطاته العسكرية في المنطقة ومحاولاته لبسط سيطرته عليها وخاصة على تيماء، دادان، فدك، خيبر، يديع وحتى يثرب، ومن المؤكد أن تغير الموقف البابلي تجاه سكان شبه الجزيرة العربية من الاكتفاء بالغارات السريعة بهدف منعهم من الهجوم على أطراف المملكة، إلى التوسع ومحاولة فرض السيطرة السياسية عليهم عبر التواجد العسكري كان يهدف لمكاسب اقتصادية، وربما كانت المدن التي اختارها، وخاصة تيماء، تشير إلى أنه سعى للسيطرة على طرق التجارة ما بين اليمن والشام ومصر، خاصة أن خروجه لهذه الحملة تم في أثناء معاناة سكان دولته من أوضاع معيشية صعبة أدت لبعض الاضطرابات.

   في كل الأحوال، لم يذكر نبونيذ أسباب هذه الحملة في نصوصه، ولم تشر إليها النصوص العربية المعاصرة، كما لم تذكر سبب إقامته في تيماء على وجه الخصوص لكن يبدو من الواضح أن أهدافه الاقتصادية من هذه الحملة هي التي ساهمت في اختياره الإقامة بتيماء والتي كانت أهم المحطات الرئيسية في الطريق التجاري الممتد من اليمن إلى سواحل البحر الأبيض في الشام ومصر.

   لكن في السنة الأخيرة لوجوده في تيماء، غادر نبونيذ المنطقة بشكل مفاجيء بكل عناصر جيشه عائداً إلى بابل لتخلو المنطقة من أي وجود بابلي، متعللاً بوحي من معبوده الذي حدثه في النوم وطلب منه العودة إلى بلاده.

   ومن البديهي لو كان نبونيذ قد نجح في تحقيق السيطرة الكاملة على المنطقة لترك حاكماً عليها من قبله لضمان استمرار تبعيتها له، ولكن بالرغم من الصيغة التفاخرية في نصوصه بتحقيق الانتصارات لكن النتائج النهائية لا تشير إلى أي إنجاز حاسم وربما كانت المقاومة العربية لوجوده قد أدت به إلى هذا الانسحاب متعللاً بوحي إلهه متوجساً من استنزاف الهجمات العربية لقواته[35].

   إن النص الأثري يبقى في النهاية معبراً عن كاتبه، ومن الضروري أن يتم مقارنته بنصوص أخرى معاصرة له لمعرفة حجم ما يحمله من تصوير واقعي للأحداث، كما يجب عدم استثنائه من إخضاعه لمنهجية نقد النصوص بأي حال، إلا أنه يبقى في النهاية وثيقة يمكنها أن تؤكد لنا وجود الحدث بغض النظر عن التفاصيل، وفيما يتعلق بالمثالين الذين أشرت إليهما فإن المؤكد هو صدام الجيشين المصري والخيتي في قادش، وتواجد الملك الأكدي في شمال غرب شبه جزيرة العرب، أما التفاصيل فيمكن استنتاجها من نتائج الحرب ذاتها ومن التناقضات بين روايات الأحداث بالجانبين، خاصة أن الصراع في النهاية إنتهى إلى توقيع معاهدة سلام بين المصريين والحيثيين بما يعني أن القوة كانت متعادلة بينهما بحيث لم يتمكن أحدهما من حسم الصراع لمصلحته، كما أن الأوضاع السياسية لم تتغير في شبه الجزيرة العربية بعد رحيل الملك الأكدي عنها ولم يتمكن من تحقيق أي سيادة عليها.

   لقد قدمت المناهج البحثية التاريخية الكثير من التطوير لعلم التاريخ، لكنها لم تتمكن من منع استغلالها، بالصورة السالفة، في تزييفه نظراً لهذه الثغرات التي مازالت تعاني منها حتى الآن، ولا يبدو أن هناك محاولة لصياغة منهجية أو رؤية لسدها، وربما لن يتم بسهولة القبول بهكذا منهجيات قد تعرقل محاولات استخدام التاريخ في تزييف الوعي الجماهيري وتشويهة بما يجعلها (أي الجماهير) بشكل مستمر في حالة تقبل وتخدير عبر هذا العبث.

 

[1] السيد مرتضى العسكري. عبدالله بن سبأ وأساطير أخرى. طبعة دار الزهراء. الطبعة السادسة. بيروت 1991. ج1 ص35، 36.

[2] م. س. ج1 ص36، 37.

[3] جعفر مرتضى العاملي. الصحيح من سيرة الإمام علي. طبعة المركز الإسلامي للدراسات (بدون ذكر مكان الطباعة). الطبعة الأولى 2009. ج26 ص 60.

[4] محمد بن عبدالكريم الشهرستاني. الملل والنحل. تعليق / أحمد فهمي محمد. طبعة دار الكتب العلمية. الطبعة الثانية بيروت 1992. ج1 ص 177.

[5] م. س. ج1 ص 177.

[6]  م. س. ج1 76، 77.

[7] طه حسين. الفتنة الكبرى. عثمان. طبعة دار المعارف. القاهرة. ج1 ص 132، 134.

[8] عبدالعزيز صالح الهلابي. عبدالله بن سبأ.. دراسة للروايات التاريخية عن دوره في الفتنة. طبعة دار صحاري للطباعة والنشر. الطبعة الثانية. لندن 1989. ص 73.

[9] حسن بن فرحان المالكي. نحو إنقاذ التاريخ الإسلامي. طبعة مؤسسة اليمامة الصحفية. الطبعة الثانية الرياض 1998. ص 147 – 149، 260.

[10] أورد السيد مرتضى العسكري هذه المجادلات بين المالكي وبعض الكتاب السعوديين في كتابه : آراء وأصداء حول عبدالله بن سبأ وروايات سيف في الصحف السعودية. طبعة كلية أصول الدين. قم 2000.

[11] أحمد محمود صبحي. نظرية الإمامة لدى الشيعة الإثني عشرية.. تحليل فلسفي للعقيدة. طبعة دار النهضة العربية للطباعة والنشر. الطبعة الأولى بيروت 1991. ص 37 – 40.

[12] أحمد عباس صالح. اليمين واليسار في الإسلام. طبعة المؤسسة العربية للدراسات والنشر. الطبعة الثانية بيروت 1973. ص 96.

[13] مرتضى العسكري. م. س. ج1 ص 35 وما بعدها.

[14] كامل مصطفى الشبيبي. الصلة بين التصوف والتشيع. طبعة دار المعارف. الطبعة الثانية القاهرة (بدون ذكر سنة الطبع). ص 40 - 45.

[15] السيد مرتضى العسكري. آراء وأصداء حول عبدالله بن سبأ وروايات سيف في الصحف السعودية. طبعة كلية أصول الدين. قم 2000. ص 106. نشر الدكتور الهويمل مقال في صحيفة الرياض بتاريخ 4 ربيع الأول 1418 هجرية.

[16] م. س. ص330. نشرت صحيفة المسلمون هذا الحوار بتاريخ 12 ربيع الآخر 1418 هجرية وهو الجزء الثاني من الحوار.

[17] سوف أتناول هذه النصوص المكتوبة بالنقد أثناء البحث ذاته، ومن الضروري الإشارة إلى أنني ابديت اهتماماً خاصاً بمرويات الإخباريين المسلمين نظراً لأنها تناولت هذه القضية بقدر كبير من التفصيل فضلاً عن أن تأثيرها أكبر من تأثير الكتاب المسيحيين.

[18] سمير أمين. قانون القيمة المعولمة. ترجمة / سعد الطويل. طبعة المركز القومي للترجمة. الطبعة الأولى القاهرة 2012. ص 85 – 90.

[19] كيث وايتلام. إختلاق إسرائيل القديمة. ترجمة / د. سحر الهنيدي. مراجعة / د. فؤاد زكريا. طبعة عالم المعرفة. الكويت 1999. ص42، 43.

[20] م. س. ص 42، 43.

[21] م. س. ص 43.

[22] م. س. ص 42.

[23] عبدالوهاب المسيري. موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية. طبعة دار الشروق. الطبعة الأولى القاهرة 1999. ج4 ص 227، 228.

[24] م. س. ج4 ص 228.

[25] كيث وايتلام. م. س. ص 42.

[26] المسيري. م. س. ج4 ص 45، 228.

[27] نحمان بن يهودا. إنتحار جماعة السيكاري في متسادا ةتأصيل خرافة قومية. ترجمة / ياسين السيد. مجلة قضايا إسرائيلية. تصدر عن مركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية " مدار ". عدد 73. ص 18. اعتبر الكاتب الصهيوني أن عدم ذكر النقشين لما يتعلق بالهجوم المزعوم على الحصن هو تدليل على كونه إجراء بلا أهمية دون أن يتجاوز لحقيقة أن كلا حيثيات الحادث تؤكد كونه مختلقاً.

[28] م. س. ص 18، 19.

[29] م. س. ص 19.

[30] كيث وايتلام. م. س. ص 42.

[31] م. س. ص 42.

[32] م. س. ص 43.

[33] يجب التوضيح أن تاريخية الحادثة أو عدم تاريخيتها لا تمنح الصهاينة أي شرعية في التواجد على الأرض العربية، ومعالجتي لهذه الحادثة وتاريخيتها من قبيل التدليل على التزييف الإعلامي وحجم استغلال التاريخ وتوجيهه لخدمة أغراض استعمارية وإمبريالية.

[34] سليم حسن. مصر القديمة (عصر رعمسيس الثاني وقيام الإمبراطورية الثانية). طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب. القاهرة 1992. ج 6 ص 259، 260، 276 – 280.

[35] سعيد بن فايز السعيد. حملة الملك نبونيذ على شمال غرب الجزيرة العربية. إصدار الجمعية التاريخية السعودية. الإصدار الثامن. الرياض أغسطس 2000. ص 2 – 4، 10 – 12، 20، 61 – 63.