لعلّ أصعب الشّدائد التي يختبرها شعبٌ بأكمله تكمن حين يجد نفسه مخنوقاً محاصراً ومحتلاًّ من عصابات صهيونيّة اغتصبت وطنه وهجرته وأصبحت دولة معترف بها دوليّاً وتحظى بدعم الدّول العظمى من جهة، ومن سلطة محليّة تقمع ثورته وتطبّق عليه سياسة القطيع إمّا للطّاعة بمجمل مغرياتها أو الإنتفاضة بكافة وسائل كبحها؛ وتزامن ذلك مع محيطٍ عربيّ خيّب الآمال وعبّر عن القضية بشعارات أخلاقية وفضائلية لدوافع شعبويّة ولكسب المصداقيّة فحسب... هذه هي حال فلسطين وشعبها منذ نكبة 48.

إذا ما نظرنا إلى الواقع الفلسطيني، نلاحظ تجربة فريدة من نوعها في تاريخ البلدان المحتلّة من ناحية النّظام الحاكم. إذ يمكننا تبرير اختلاف الأنظمة السياسيّة في العالم، لكن لا يمكن تبرير ظاهرة الإنقسام وقيام سلطتين واحدة في الضّفة الغربيّة وأخرى في قطاع غزة، وعزوف السّلطة الأولى عن المقاومة، ومنع الكفاح المسلّح، وتسليم الفدائيين إلى سلطة الإحتلال بموجب الإلتزام باتفاقية أوسلو والتّنسيق الأمني، فيما لم يجد هذا المحتل أي رادع لاستكمال الهجرة الإستعماريّة اليهوديّة إلى فلسطين وقضم المزيد من الأراضي، خاصةً في القدس، تنفيذاً لمشروع تهويد الأرض وتغيير هويّتها التّاريخية. أمّا السلطة الثانية، فعلى الرّغم من أنها تقوم بدور أفضل من الأولى من ناحية المقاومة والتصدّي للإحتلال، إلا أنها تسيطرعلى قطاع غزة دينيّاً، وتقمع الحريات، وهذا قد يؤسس لخلاف عقائدي فلسطيني في المرحلة القادمة.

هل من المنطق لأي سلطة وطنيّة في التّاريخ قابعة تحت نير الإحتلال أن تمنع شعبها من المقاومة وسط تغيير ديمغرافي، وتطهير عرقي، ومجازر جماعيّة بحق شعبها؟

هل يعقل لسلطة أن تصفّي ناشطاً سياسيّاً بأبشع الوسائل لأنه كشف مستوراتٍ وعوراتٍ، وأبدى رأيه من عدم وجود الدولة بمفهومها الحقيقي، وحثّ السّلطات القضائية على كشف قضايا الفساد وخاصةً موضوع اللقاحات الفاسدة؟ هل أخطأ المناضل المعارض نزار بنات حين اعتبر أن السلطة الفلسطينية عليها أن تؤسس لخطتها أو تكون جزءاً من خطة الآخرين من دول خليجية وغربية داعمة للإحتلال، وعبّر علناً عن دعمه لخط المقاومة بوجه الإستعمار؟

هل يُعقل لسلطة محليّة أن تطلب من سلطة الإحتلال تزويدها بمعدّات ووسائل لأجهزتها الأمنية لفضّ التظاهرات التي تشهدها مدن في الضفة بعد مقتل المناضل بنات؟! نعم هذا ما فعلته السّلطة، ونقلت الخبر صحيفة يديعوت أحرونوت وموقع "واينت" العبري عن مصادر فلسطينيّة، مشيرةً إلى أن المعدات والوسائل المطلوبة هي قنابل الغاز المسيل للدموع وقنابل الصّوت، التي استخدمتها السلطة الفلسطينية بكثافة في خلال قمعها التّظاهرات.

هذه الأحداث توالت بعد معركة "سيف القدس" التي كان يمكن للسلطة الفلسطينية استثمارها كورقة قوة والتسلّح بالإتحاد مع باقي الفصائل الفلسطينية في مواجهة غطرسة الإحتلال، ولكن هذا ما لم يحصل. لو عدنا عقداً إلى الوراء، نستحضر مشهد غياب القضية الفلسطينية عن السّاحة السياسية الإقليمية والدولية منذ إنطلاقة الرّبيع العربي وأفول وهجها على المستوى الشّعبي العربي، إذ أضحت أولوية اهتماماته رفاهه المادي وتأمين لقمة عيشه وحفظ أمنه وسلامته؛ تم تدمير ليبيا والعراق وسوريا وتهجير شعوبها وخسرت أدمغتها لصالح دول اللجوء المضيفة، وبات لكل شعب قضيّته الخاصّة وانصرفوا عن التّفكير بأوطانهم باعتبارها مقبرة الطّموح والمستقبل، إلى أن اندلعت أحداث الشيخ جرّاح التي أعادت الأضواء العالمية نحو فلسطين. ولمسنا حسب المتابعة على مواقع التواصل الإجتماعي تعاطفاً شعبيّاً دوليّاً مع فلسطين للمرة الأولى، فضلاً عن إعتراف بأن "إسرائيل" مغتصبة لأرض فلسطين والأخيرة لها الحق في المقاومة.

بناءً على ذلك، سقطت صفقة القرن سقوطاً مدويّاً، بعد أن أثقلت ولاية الرئيس الأميركي الجمهوري دونالد ترمب كاهل الشعب الفلسطيني، والّتي سهّلت للإحتلال الإسرائيلي تحقيق أهداف استراتيجية على غرار ضم الضفة الغربية المحتلة، والجولان، ومنطقة الأغوار، وإعلان القدس عاصمة له. فتحطّمت آمال الشّعب الفلسطيني بتحقيق نقاط للنصر وارتفعت أسهم الإسرائيلي كاحتلال دائم في ظل أجواء انفتاح خليجي عليه وتوقيع اتفاقيات التّطبيع والتجارة المتبادلة وإظهار الإسرائيلي على أنه مسكين هارب من مآسي الهولوكوست.

وكان قد علا منسوب الإتهامات المدفوعة مؤخراً للمقاومة الفلسطينية واللبنانية، في خضم موجة التّطبيع، بدخولها اللعبة وتخليها عن قضية فلسطين، مروّجين أن ذلك سيأتي في سياق المفاوضات الأميركية-الإيرانية في المنطقة؛ غير أن حركات المقاومة الفلسطينيّة كانت خلاف ذلك على تنسيق دائم مع المقاومة اللبنانية في مراقبة سلوك الاحتلال، حتى جاء خيار الدخول في المعركة ودقّت ساعة الصفر عندما تمّ الاعتداء على القدس والمسجد الأقصى وتهجير الفلسطينيين من حي الشيخ جراح، فانطلقت معركة "سيف القدس"، وشكّلت الترسانة الصّاروخية تهديداً قويّاً لأمن الكيان الصهيوني وإمكانية وصولها إلى أهداف أبعد من 250 كلم في الأراضي المحتلة، وتأسيسها للمعركة الأخيرة مع "إسرائيل". في السنوات الأخيرة غابت القضية الفلسطينية عن المشهد السياسي الإقليمي والدولي بشكل مقصود ومعروف.

وسط كلّ هذه الأجواء الإيجابية، على الرّغم من الدّمار والمجازر التي ارتكبتها أيدي القتل الإسرائيلية، تتراءى إشارات إيجابية عن زوال هذا الكيان المصطنع الدخيل على المنطقة العربية، كونه لم يعد قابلاً للحياة. وفي هذا الإطار، نستشهد بتقرير إستطلاعي أعدته 16 مؤسسة استخبارية أميركية في العام 2012 تحت عنوان "الإعداد لشرق أوسط في مرحلة ما بعد إسرائيل" توقّع تلاشي الكيان في العام 2025، موضحاً أن اليهود يهاجرون إلى بلادهم التي أتوا منها إلى فلسطين منذ الفترة الماضية بنسبة كبيرة، وأن هناك نصف مليون إفريقي في الكيان سيعودون إلى بلادهم خلال السنوات العشر القادمة، إضافة إلى مليوني ونصف يهودي من روسيا وبعض دول أوروبا.

وأشار التقرير إلى أن صعود التيار الإسلامي في دول جوار الكيان، وخاصة مصر، قد أشعر اليهود بالخوف والقلق على حياتهم، وجعلهم يخشون على مستقبلهم، فضلاً عن أن هناك انخفاضاً في معدلات المواليد الصهيونية مقابل زيادة السكان الفلسطينيين، وأنه يوجد 500 ألف صهيوني يحملون جوازات سفر أميركية، ومن لا يحمل جوازات أميركية أو أوروبية في طريقهم إلى استحصالها، وفق القانوني الدولي فرانكين لامب في مقابلة مع تلفزيون "برس".

ورأى التّقرير أن البديل سيكون دولة متعددة العرقيات والديانات، وستطفئ فكرة الدولة القائمة على أساس النقاء اليهودي، التي لم يستطع قادة الكيان تحقيقها حتى الآن. وأشار لامب إلى أن تعامل الصهاينة مع الفلسطينيين، وبالذات فى قطاع غزة، سوف يفضي إلى تحول في الرأي العام الأميركي عن دعم الصهاينة خلافاً للخمسة وعشرين سنة الماضية.

علاوة على ذلك، أطلق  هنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركية سابقا وأحد أبرز منظري ومهندسي السياسة الخارجية الأميركية، والمعروف بتأييده وبدعمه المطلق للكيان، تصريحات مثيرة للجدل، معتبراً أنه بعد عشر سنوات، أي في عام 2022، دولة الكيان لن تكون موجودة. وسبق لرئيس جهاز الموساد سابقاً مائير داغان القول فى مقابلة مع صحيفة "جيروزلم بوست" في عام 2012: "نحن على شفا الهاوية، ولا أريد أن أبالغ وأقول كارثة، لكننا نواجه تكهّنات سيئة لما سيحدث في المستقبل."

بالفعل، هذا الكلام يبدو محتملاً إذا ما نظرنا إلى المعطيات الإقليمية من التّقدّم الملحوظ لمحور المقاومة الذي حققه الحوثيون في اليمن بمواجهة العدوان الأميركي-الإسرائيلي-العربي عليه وسيطرتهم على مدينة مأرب الإستراتيجية الغنية بالنفط  واستعادة مواقع عديدة في جيزان، إضافةً إلى سقوط الرهانات على إسقاط سورية بيد التكفيريين، وفشل المشروع الصهيو-أميركي لغاية اليوم بضرب البيئة الحاضنة لحزب الله في لبنان على الرّغم من صعوبة المرحلة واستخدام أخبث سيناريوهات التدمير والإنهاك لوطن ينخره الفساد من باب تجويع الشّعب وإذلال دون أدوية، وكهرباء، وفيول، وغلاء معيشي فاحش، وانعدام فرص عمل، وخاصةً أن وزير الخارجية الأميركية ديفيد هيل اعترف بإنفاق بلاده عشر مليارات دولار على منظمات المجتمع المدني والقوى الأمنية في لبنان لتطويق المقاومة؛ ناهيك عن ذلك محاولة الولايات المتحدة الهروب من المنطقة وسحب قواتها ليحلّ مكانها الوكيل التركي، ومؤخراً تفجّرت مفاجآت غزّة حيث تطورت معادلة الردع إلى مرحلة الرعب من صواريخ المقاومة الفلسطينية والتخوّف الإسرائيلي من انتشار حوالى مليون صاروخ على امتداد محور المقاومة من اليمن إلى فلسطين بانتظار لحظة الحسم.

بعد استعراض سيناريو محتمل للمنطقة وفلسطين، يكمن السؤال هنا: هل ستبقى سلطة أوسلو الحالية حاكمة بعد الزوال المتوقّع لكيان العدو أم أن على الشعب الفلسطيني البحث عن حلول لأزمة سلطته؟ وهل ستكون سلطة غزة هي البديلة؟ وهل من يملك السّلاح هو بالضّرورة الحاكم المستقبلي؟

في الواقع، حين تكون الأولوية تحرير فلسطين من الإستعمار والإضطهاد والقتل، لا بد أن تصبح السلطة ثانويّة، والقيادة يستلمها ذوو الكفاءة دون أي اعتبار مذهبي ومناطقي وفئوي، لأن قضيّة فلسطين لطالما كانت قضيّة حقّ وإنسانيّة. وفي هذا الإطار، نشأت مؤخراً حركات إغترابية وطنية فلسطينية من ذوي الخبرات والرؤى لمستقبل بلادهم تحت عنوان "المسار الفلسطيني البديل"، معربين عن امتعاضهم ومعارضتهم لسياسة السلطة الفلسطينية، وأدائها بكل مندرجات أوسلو، وكيفية تعاملها مع الإنتفاضة؛ وبالتالي يسعى الفلسطينيون في دول الشّتات إلى التشبيك مع بعضهم البعض في أوروبا وأستراليا والولايات المتحدة وكندا لإجتراح الحلول، وإعلاء صوت قضيتهم على السّاحة الدّولية، وضمان حق العودة إلى الوطن. إضافة إلى الحملة الوطنية لإعادة بناء منظمة التّحرير الفلسطينية بغية العودة الى الميثاق الوطني الفلسطيني عام 1968 بكافة بنوده، فضلاً عن حِراكات كثيرة ناشطة على الساحة السياسية الفلسطينية، إن في داخل أراضي 67 أو أراضي 48 أو في دول الطوق والعالم.

خلاصة الكلام، لا يزال الشعب متمسّكاً بقضيته أينما حلّ، ولكن القيادة المتحكمة في الضفة وغزة لا تختلف عن باقي الأنظمة الديكتاتورية العربية. لذلك، موعدنا مع تحرير فلسطين لا يملك ترف الإنتظار؛ وبالتالي، إشعال الإنتفاضة الشعبية والمقاومة العسكرية المدروسة بوجه العدو الإسرائيلي سيفضيان إلى كسر هيبة المستعمر، وتحطيم صورته الفولاذيّة، ليصبح نمراً كرتونيّاً في مجرّد معركة واحدة جادّة وحاسمة تدفعه للإستسلام والإندحار، مع ضرورة التّأسيس لنظام سياسي عادل يصون الحريات على قاعدة المساواة بين كافة شرائح المجتمع الفلسطيني.