في المواجهة الأخيرة، لم تقتل صواريخ المقاومة من الإسرائيليين عُشر من قتلتهم صواريخ العدو؛ وفي الوقت ذاته نجحت صواريخ المقاومة في فرض توازنات سياسية ومعنوية لم تنجح الصواريخ الإسرائيلية في فرض مثلها بالرغم من كل الخراب الذي أحدثته والدماء التي أراقتها.

وبالرغم من ذلك، يدافع الرأي العام السائد في الغرب عن صواريخ إسرائيل التي تحمل الدمار والدماء ولا تحقق هدفا، بحجة حق "إسرائيل" المزعوم في الدفاع عن نفسها، ويدين صواريخنا التي يراها محض إرهاب وتخريب.

طبعا السبب وراء هذا التناقض هو عنصرية الغرب وشبكة مصالحه الإمبريالية المرتبطة بشكل مباشر بالكيان الصهيوني؛ هاتان الظاهرتان المرتبطتان ارتباطًا وثيقا ببعضهما البعض تنتجان تراتبية عنصرية تعطيهم الحق في العنف والقتل وتحرمنا من الدفاع عن أنفسنا أو من رد العنف بالعنف (في كتاب ديمومة المسألة الفلطسينية، على سبيل المثال، يَرُدُّ جوزيف مسعد الخطاب الأمريكي والصهيوني عن الإرهاب وعن السلام إلى هذه التراتبية العنصرية التي تجعل الحق في "الأمن" حقا حصريا للرجل الأبيض).

إلا أنني أريد أن أنفذ إلى تفصيلة صغيرة ولكنها مهمة وهي سريان هذه التراتبية العنصرية كذلك على صواريخهم وصواريخنا، وكيف تصبح أحد أنواع النار، نارهم هم، تكنولوجية وحداثية ومنتجة، بينما تصبح نارنا نحن خرابا وفوضى وعشوائية.

التكنولوجيا والحق في القتل

تتخفى آلة الحرب الغربية خلف مزيج من التكنولوجيا واللغة. هذا المزيج التقني اللغوي يخفي هجمات أمريكا المتكررة في أفغانستان وباكستان واليمن خلف ستار من العمليات الحسابية وأجهزة الكمبيوتر والمُسَيَّرات (كلمة drone عندهم لا تحدث نفس الفزع الذي تحدثه عندنا وتمثل لهم قدرة الإنسان على تطوير الآلة لخدمة البشرية لا قدرة الرجل الأبيض على ميكنة صناعته للموت). يوظف هذا المزيجُ غوايةَ التكنولوجيا التي تجعل الإنسان الحديث مولعا بالآلة وبأزرار الكمبيوتر وبالشاشات التي تعمل باللمس، ليطمس، ولو مؤقتا، ما يحدث على الجانب الآخر من قتل وتدمير. هذا الانحياز هو امتداد لاستراتيجية استعمارية قديمة تحصي قتلى الأوروبيين بدقة ولا تحصي قتلانا، وإن كان يغلفها بغلاف حديث وبراق. 

كيان العدو، بالرغم من أنه أكثر من أمريكا تبجحا بالقتل، يتخفى هو الآخر خلف التكنولوجيا بطريقة  مشابهة. فمن غرائب الحجج الصهيونية التبجح بأن "إسرائيل" في مقدمة الدول التي تنتج الشرائح الإلكترونية الدقيقة. لا يُعجِز الردُ أنصارَ القضية الفلسطينية الذين يَتَنَدَّرون "أفيعني هذا أن إنتاج الشرائح الإلكترونية الدقيقة يعطيك الحق في قتل الآخرين؟" المشكلة هي أن الغرب يفكر بهذه الطريقة، كأن التكنولوجيا تعطي صاحبها حق الانضمام إلى نادي البشرية الحديثة التي يحق لها أن تسود العالم وإن تطلبت هذه السيادة استعباد أو قتل المخلوقات الأدنى، بينما يصبح الآخرون، المطرودين من نادي البشرية الحديثة وتكنولوجيتها، جزءا من بشرية أدنى يراها الغرب، بحسب عقيدة التطور المستحكمة في عقله، أقل قيمة وأقرب للحيوان—وأرخصَ حياةً.

تراتيبية النار

هذه التراتبية البشرية-التكنولوجيا ترتبط بتخيل أن الإنسان الأول امتاز عن الحيوان باكتشافه النار فوضع قدمه لذلك على أول طريقه لأن يستوي بشرا كاملا وأول طريق الاختراعات والتكنولوجيا. النار، في هذا الخيال، هي عتبة الحضارة وعتبة التطور التي تفصل البشر عن غيرهم من المخلوقات.

وبحسب هذا التخيل يصبح الإنسان الذي ارتقى وتطور (أي الرجل الأبيض بحسب عقيدتهم) هو وحده سيد النار، أما الكائنات البشرية غير المتطورة (النساء والأطفال والهمج من غير الأوروبيين بحسب عقيدة القرن التاسع عشر التي ما زالت سائدة إلى الآن) فتصبح في هذا الخيال قادرة على إشعال النار من دون أن تقدر على التحكم فيها.

ويمتد هذا التخيل إلى السلاح الناري الذي ينظرون إليه كأحد مراحل تطوير الإنسان الأبيض للنار: فتصبح نار المستعمِرين (أمريكيين وأوروبيين وإسرائيليين) وصواريخهم  "استراتيجية" و"موجهة" و"ذكية". وفي المقابل تصبح النار العشوائية رديفا للهمج من أعداء الرجل الأبيض: في أمريكا تظهر الجماهير المعادية للعنصرية مخربة ومشعلة للنيران في مقابل الأسلحة النارية الدقيقة والموجهة التي تحملها الشرطة والميليشيات العنصرية والتي تُعامَل كعنصر نظام وضبط وكحق يكفله الدستور.هذا التصور يرث بدوره أفلام "الكاوبوي والهنود الحمر" التي تضع السلاح الناري في يد الرجل الأبيض الذي يقتل به السكان الأصليين بكفاءة،  بينما لا تترك في يد السكان الأصليين من النار سوى أشكالها الأدنى والأقل تنظيما وتطورا—مثل السهام النارية؛ وإن كانت هذه الثنائية تقفز فوق حقيقة استخدام المستوطنين البيض النار العشوائية والمدمر لحرق قرى سكان أمريكا الأصليين، واستخدام السكان الأصليين للبنادق في أكثر فصول مقاومتهم للاستيطان الأوروبي والأمريكي.

نجد في مقابل السلاح الموجه والدقيق الذي يحمله الرجل الأبيض، أشكالا من النيران العشوائية التي يحملها أعداء الرجل الأبيض، من الأسهم النارية في يد "الهنود الحمر" إلى أجهزة التفجير والأحزمة الناسفة في يد "الإرهابيين"،  والتي تعبر عن نفسها من خلال نيران عشوائية عادة ما تلتهم صاحبها. ويصبح التفجير الذاتي هو التعبير المرئي السائد لهذه النار الإرهابية العشوائية؛ وهذا يفسر بشكل ما هوس الإعلام الغربي والسينما الأمريكية في وقت ما بتصوير العربي أو المسلم انتحاريا يفجر ذاته.

صواريخنا وحساباتها

تربك صواريخ المقاومة هذه المعادلة حين يرد العرب الهمج أعداء الرجل الأبيض وحضارته على صواريخ إسرائيل الاستراتيجية والموجهة والذكية بالصواريخ والمُسَيّرات – لا أقول طبعا بأن الصواريخ بالضرورة خير من العبوات الناسفة: المقاومة تقرر بحسب ظروفها الميدانية ورؤيتها الاستراتيجية ما يناسبها؛ ولكني أقول أن أحد المميزات المعرفية لصواريخ المقاومة ومسيراتها هي إرباكها لتحيزات الخصم العرقية. إلا أن التراتبية العنصرية تعيد فرض نفسها من خلال الإصرار على الفرق ما بين صواريخهم المعقدة والتكنولوجية والموجهة، وصواريخنا الضعيفة والبدائية والعشوائية.

يبقى في النهاية أن صواريخنا، وإن كانت أقل تطورا من صواريخ العدو، هي الأذكى والأرحم والأكثر استراتيجية، فبينما تسفك صواريخ العدو المتقدمة دماء إخوتنا من دون تحقيق مكاسب، وبينما يمتلك العدو شبكة متطورة مضادة للصواريخ، تتمكن صواريخنا البدائية من الوصول إلى عمق العدو ومن فرض واقع وتوازنات وحسابات جديدة، من دون فائض دم لا تحتاجه المقاومة.