خلال معركة "سيف القدس"، خرج تصريح لرئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، بنيامين نتنياهو، يقول فيه "اذا اعتقدت حماس أنّها انتصرت فهذه هزيمة لنا كلّنا وللغرب بأسره." لم يأخذ التصريح مداه في التغطية الإعلامية، لكنّه في تحليل الموقف قبل وبعد المعركة، يحمل معانٍ مهمّة لناحية آثار المعركة على خطة "إسرائيل" لمستقبل المنطقة.

منذ تأسيسه، شكّل الكيان الصهيوني مركزاً للمشروع الاستعماري في بلادنا. وعكس ما يحاول الكثير من النخب العربية المستسلمة الترويج له بأنّنا قد أصبحنا في عصر "ما بعد الاستعمار"، فإنّ المشروع الاستعماريّ لم يخفت يوماً في بلادنا العربيّة وآثاره ما تزال شاخصة في الحدود والأنظمة وعلاقات الحاكم بالمحكوم. المشروع الإستعماري يهدف إلى بسط السيطرة على منطقتنا بوصفها ممرّاً إجباريّاً أمام حركة التجارة العالمية من وإلى الشرق. وهذا يقتضي منع أبناء المنطقة من ممارسة هويّتهم العربيّة وتأسيس دولتهم التي تحمي مصالحم وتجعلهم إحدى أكبر قوى العالم من حيث التأثير. في وسط هذا المشروع، تتربّع "إسرائيل" كمركزٍ بشريٍّ للتخطيط والتصنيع ولحفظ المصالح الغربية في منطقتنا عبر إخضاع شعوبها ومنعهم من تحقيق وحدتهم السياسية التي بدورها هي الباب الوحيد لتحقيق استقلالية القرار وتأمين حقّنا في أرضنا ومواردنا.

طوال عقود، انشغلت "إسرائيل" بلعب دور الشرطي، وبُني جزءٌ كبيرٌ من دعايتها على الخوف والإرهاب. فالترسانة العسكرية والأمنية والجاسوسية التي تُحافظ عليها هدفها الأول والأخير هو تأمين التفوّق الميداني للمعسكر الغربي، والمساهمة في تفتيت الساحة العربية وإخضاعها بقوّة السلاح أو بالتيئيس. لكنّ العقد الأخير شهد سعياً صهيونيّاً حثيثاً لتطوير دور الكيان إلى "سفينة نوح"، بحيث تكون "إسرائيل" الهيكل الوحيد الثابت والقادر على تسيير شؤون المنطقة ومصالح الشرق والغرب فيه، ضمن محيط من الخراب والتجزيء والوهن. ولهذا، كان استثمار المشروع الاستعماري في تغذية الصراعات الطائفية والتسليح بهدف التفتيت هائلاً خلال السنوات العشر الأخيرة. كلّ ذلك بهدف تفريغ منطقة الهلال الخصيب، وتحويل ما تبقّى من شعوبها إلى مجموعة استهلاكية عاجزة عن الإنتاج وغير قادرة على تشكيل واقعها السياسي بنفسها، مما يضمن بقاء "إسرائيل" في موقع التحكّم بالمنطقة ومستقبلها مقابل استمرارها في استغلال يد عاملة رخيصة لشعوبٍ منهكة. من هنا، يمكن فهم (وليس تبرير) تسابق بعض الأنظمة العربية للتطبيع مع "إسرائيل" مهما كلّفها ذلك من كشفٍ لأدوارها وعداءٍ لمجتمعات المواجهة في المنطقة، لأنّ "إسرائيل" بنظر هؤلاء المطبّعين، هي الخلاص.

لكنّ "سيف القدس" جاءت لتفكّك وهم الخلاص عبر السفينة الصهيونية. فالضربة العسكرية والشعبية التي وجّهها الشعب الفلسطيني للكيان أعادت "إسرائيل" إلى مربّع هدفها الأول: تحقيق الأمن. وبدون الأمن، لا معنى ولا قابليّة لأي مشروعٍ اقتصاديّ وسياسي في القيام على أرض الواقع. وبدورها، شكّلت المواجهة الفلسطينية دفعاً إضافيّاً للوعي العربي المقاوم، الذي يهشّم الشراع الآخر للسفينة الصهيونية: شراع الخوف. ف"إسرائيل" تُهزَم، والشعب الفلسطيني في كلّ فلسطين قادرٌ على خوض حرب استنزافٍ لم يشهد لها التاريخ الإستعماريّ مثيلاً. إذ تجمع هذه الحرب بين الإشتباك المركزيّ (المقاومة في غزة) والإشتباك المتنقّل (الضفة والقدس والداخل)، وهو ما يضع "إسرائيل" أمام جحيمٍ ظنّت أنّها قد أطفأته بخطط الأسرلة والاستيطان والسلطة الفلسطينية. بالإضافة إلى ذلك، كشفت "سيف القدس" الحدّ الآخر من السيف الذي غرسته "إسرائيل" في جسدنا العربي طوال عقدٍ من الزمن. إذ رغم التضحيات الكبيرة والخسائر الهائلة، فإنّ شعوبنا العربية قد تمرّست في فنون القتال، وجبهات المواجهة نجحت في التمسّك بورقتها الأقوى: السلاح. وبتمسّكنا بمبادئ القتال ضدّ السرطان الإستعماري في بلادنا، ستتحوّل جميع البنادق إلى وجهته الأصيلة، لكنّها هذه المرّة بنادقٌ بعقلٍ وخبرة وإرادة لم يسبق لها مثيل.

خلاصة "سيف القدس" يمكن صياغتها كالتالي: "إسرائيل" لن تكون "سفينة نوح"، بل إنّ الطوفان سيغرقها وحدها، وسنعبر نحن إلى حريّتنا، كما عبر موسى البحر.