تبدو القصة بأن العالم كان يسير وأتى الفيروس لتعطيله، والحقيقة عكس ذلك، بأن العالم مأزوم ومعدلات النمو في تراجع ومعدلات التضخم في ازدياد والقدرة الشرائية في إنخفاض مستمر ودول واقتصاديات فاقت الديون قدرتها على السداد، وفي ظل تلك الظروف، أتى الوباء، هذه هي القصة الحقيقية.

في قلب هذه القصة تبزغ الأزمة، التي يُخيّل للكثيرين أنه لابد لها من حل، ولكن النشاط الطبيعي للمديرين والإستشاريين ورجال المال والسلطة في الأزمات هو التربّح، وبدلاً من وضع إستراتيجية "لحل الأزمة"، تظهر ميول ربحية واستغلالية بإسم "إدارة الأزمة".

بخصوص تلك الأزمات وإدارتها يُعقب الراحل سمير أمين في كتابه "عن الأزمة" والذي خرج إلي النور عام 2014، تعقيباً ورداً على الأزمات الدورية داخل الرأسمالية، وردود أفعال الغالبية من شعوب الأطراف بحسب تعبيره - من آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية - التي يحركها ما هو اقتصادي، أي ما هو متعلّق بالأزمة ذاتها، حيث مشكلة الإقتصاد وتسييره وأزماته: نسب الأرباح تنهار - ميل معدل الربح للإنخفاض الدائم كما شرحه ماركس -، فحركة مضاعفة من المركزة والتمدد المعولم، فتصادر الإحتكارات الجديدة دخلاً مقتطعاً من الكتلة الأكبر قيمة الناتجة عن الإستغلال، فيسرّعون الغزو الإستعماري لمنطقة طرفية ما، فتسمح هذه التحولات البنيوية بغزو مالي جديد وتدشين لرأس المال يسمح بتحليق جديد في الأرباح، فتفتح مساحة جديدة للحرب أو صراع الطبقات المكشوف، وبالتالي للأزمة وإعادة إنتاجها.

وعليه فالمجتمعات المأزومة - كالمجتمعات العربية – وليست تلك التي باتت على وشك أزمة، بل التي اعتادت على العيش في ظل أزمات يجري الإلتفاف عليها وتغييبها بسياسات تعتمد إنكار الواقع المعيشي الصعب، وبالتالي أصبح التنصل من المسؤولية الإجتماعية منطق يحكم السلطة في الأنظمة العربية، التي اكتفت بحماية وجودها وتدعيمه بعقد تحالفات إقليمية ودولية ذات طابع أمني بحت، وغرضها الأوحد الحفاظ عليها كسلطة وتأبيد الأزمات وتعليقها.

وبذلك لم تعُد المشكلات والأزمات العربية تحتفظ بخصوصيتها بقدر ما تتسم بمشاركة الهموم والتطلعات، وصراع الطبقات المكشوف والإنفجارات الشعبية في لبنان والعراق ومن قبلهما السودان، وساحات الحرب في فلسطين واليمن وسورية وليبيا، والبؤر المأزومة والمحتقنة في مصر والمغرب مثال، كل هذا يحيلنا بالضرورة لتساؤلين مرتبطين وضرورين لفهم مآلات الواقع: لماذا تثور الطبقات الشعبية؟ أو لا تثور؟!

يتحدث سلامة كيلة في كراسته الصادرة طبعتها الأولى عام 2007 بأن: "هذه المسافة بين السؤالين ربما تطرح مشكلة الوعي الذي يحكم الحركة السياسية، والماركسية منها خاصة، كما يحكم المثقفين".

وعليه فالمشكلة تتمثل في أن السؤال الأول طُرح بعد ثورة هذه الطبقات، ولم يطرح بشكله الإستشرافي والإستكشافي لمعطيات الواقع، فبالتالي لم تتوقف المشكلة على عدم الإجابة عن السؤال فقط، بل تجاوزتها لحالة من التخبط والضبابية وعدم وضوح للرؤى والأولويات الموضوعية والإنسياق وراء تحديدات لا تسبقها تحليلات. وعلى الجهة الأخري، فالسؤال الثاني طُرح ليس للبحث في ممكنات الثورة، بل يطرح من أجل التأكيد على خمود وإنصياع تلك الطبقات وإنغماسها وتأبيدها في اللامبالاة من ناحية، ومن ناحية أخرى لإثبات قدرة الأنظمة العربية على الثبات والبقاء رغم المعوقات التي تعرقل وجودها، وبالتالي تجاوزت المشكلة نطاق الإجابة للدخول في دوامات العدمية وتسيّد خطابات ساذجة مبنية على عدم جاهزية الجماهير للتغيير وتقبّله، وخطابات إستعلائية مثبطة تحتقر الجماهير.
ولكي نتطرق للإشكالية السابقة لابد من وعي حقيقة أن السياسي يفكر وفق تصوّراته، بينما الجماهير تفكر وفق إحتياجاتها، وأن السياسي كثيراً ما يهتم بالمتغيّرات وتأثيرها على تصوره، أما الجماهير دوماً تبحث عن الثوابت لتأمين إحتياجاتها، وعلى أثر ذلك فتقاطع تصورات السياسيين مع إحتياجات الجماهير هي نقطة انطلاق كل عمل سياسي جماهيري، وهذه هي العلاقة التي تحكم السياسي بالجماهير.

بهذين التساؤلين يناقش سلامة مجريات واقع الشعوب العربية (مصر 1977، تونس 1978، المغرب 1981، السودان 1983)، حيث تحركات وإنفجارات الجماهير المتتالية في الأقطار المنهوبة، التي جاءت رداً على سيرورة الإلحاق والإدماج في مجال رأسمالي معولم، وإخضاعها للقانون الرأسمالي الأساسي القائم على الحصول على أقصي ربح من خلال إستغلال الشركات الإحتكارية التي تضع يدها على الموارد والثروات المحلية، والبنوك الدولية المنفذة للإقراض وبرامج الإصلاح الإقتصادي التي تمتص قوة العمل المحلية.

فكانت تلك الإنتفاضات هي بحق "ثورات الخبز"، وليست بإنتفاضة "للحرامية" مثلما دعاها السادات ونظامه حينها، وأيضا موجة إنتفاضات ما بعد 2010 بتونس ومصر وسورية وليبيا، ثم الموجة التي نعيشها حالياً والتي افتتحتها السودان ثم لبنان والعراق، كل هذه الموجات المتعاقبة من انفجارات الطبقات الشعبية المقهورة، التي سقطت تحت خط الفقر بسبب عمليات الإدماج المتفاوتة للفقراء في العمليات الإقتصادية والسياسية على نطاق واسع، جاءت كنتيجة لعملية الدمج الإجباري. ما أدى لحدوث تفاوت نتيجة معارضة الشعوب التي تقف مصلحتها في وجه الحكومة كوسيط تابع للشركات الكبرى والبنوك الدولية. فتسارع الحكومة لتميل في كفّة رأس المال التجاري والإحتكاري، تاركة الشعب للمعونات وحظوظ العناية القدرية.

هذه المنطقة - منطقتنا العربية - المُحاصَرة بحكومات التبعية المالية والوجود الصهيوني ومصاصي أقوات الشعوب ترفض كل إستقرار زائف، تُهزَم ثورة، وتخطئ أخرى، تُقمع ثورة بالرشاشات والصواريخ والطائرات والإقتتال الأهلي، وتندلع أخري، فشبح الثورة الذي ينتاب عالمنا العربي، وبرغم كونه مازال شبح غير مُنظّم، إلا انه يثبت ما اتفق الجميع على نفيه : أن الشعوب ما زالت حاضرة، وأن الشعوب والجماهير تبني وعيها من خلال وجودها الجمعي، وأن أزمة هذه المنطقة الكبري لن تُبعد وتُنحّي الثورة.

فالشعب اللبناني على سبيل المثال في إنفجاره هو مُجسّد للحظاتنا المكبوتة، هو مُهدّد للجوار الصهيوني، هو كاشف للأزمة البنيوية الإقتصادية - الإجتماعية التي تخضع شعوب منطقتنا لها، حيث مجموعة من العوائل والأغنياء تستولي على مقدرات شعب منهوب يجابه طبقة نهب حاكمة بالية تعتمد في بقاءها على إرث رجعي وشبكة تبعية مالية وإتصال عضوي بالكيان الصهيوني، في ضوء ذلك تتشكّل الطغم الحاكمة العربية، الطغم الجاثمة على طموحات وتطلّعات الشعوب العربية في التغيير والثروة والحقوق والديمقراطية، وفي ضوء ذلك تأتي الإجابة على التساؤلين المُلحّين. ومن هنا نرى شعوب انفجرت وأخرى مكبوتة، وشعوب تم إغراقها في الحروب.

إذ لا يزال إستمرار الصراع في سورية والعراق واليمن وليبيا أحد الدوافع الرئيسية لإنتشار الفقر إقليمياً، فبعد سنوات من الحرب السورية تشير التقديرات إلي وقوع 80% من السوريين في الفقر المدقع، وأن متوسط العمر المتوقع قد انخفض بعشرين عاماً. في العراق وبعد عديد من الصراعات والتقلبّات والإنحيازات الطائفية والدينية والتي خلفت موجات من النزوح الجماعي من المناطق والإنخفاض في أسعار النفط وإزدياد معدلات البطالة، وتزايد معدلات الفقر حيث تشير تقديرات البنك الدولي إلي وقوع ما يقرب من 30% في الفقر. وفي اليمن حيث مأساة صحية بسبب تفشي الوباء وعجز القطاع الصحي والنقص الهائل في الأدوية والغذاء والإنتشار المروع للمجاعات. أما ليبيا فهي ساحة الحرب الأكثر سخونة اليوم، والتي تقام عليها التحالفات من كل حدبٍ وصوب.

في مصر والتي تعد أكبر دولة في العالم العربي من حيث السكان، كانت للإضطرابات السياسية تبعات كارثية على الحياة الإقتصادية والمعيشية، فقد زادت البطالة وانخفض عدد السياح الوافدين وانخفضت احتياطات العملة الأجنبية وأصبح الجنيه المصري أضعف بكثير، وأصبح الوضع أكثر اختناقاً خصوصاً بعد خطة الإصلاح الإقتصادي التي أقرتها الحكومة بإشراف من صندوق النقد، والتي راكمت الديون والفوائد على الطبقات الأفقر، في ظل تنامي معدلات الفقر وضعف القدرة الشرائية والإستهلاك العام. في تونس تشير التقديرات إلي أنه يعيش واحد من كل ستة تونسيين تحت خط الفقر. المغرب هو مثال صارخ أيضاً للشعوب المكبوتة، حيث البطالة المتنامية وتطويق الريف وعزله وتهميشه. في لبنان نشهد تهاوي العملة المستمر أمام الدولار، ووقوع أكثر من نصف عدد السكان في الفقر والجوع

هذه المأساة العابرة للحدود والخصوصيات والتي تتشاركها الشعوب العربية، تضعنا أمام تساؤل آخر لا يقل أهمية وراهنية عن السؤالين السابقين، سؤال يتعلق بطبيعة وبنية السلطة في الأنظمة العربية. الطبيعة التي يغلب عليها الطابع الأمني بدلاً من السياسي، وعليه فتصبح قيادة وتنظيم السلطة في أيدي الأجهزة الأمنية والعسكرية والإستخباراتية، والتي تعمل على تشكيل ما هو سياسي واقتصادي واجتماعي، في ضوء تحالفات إقليمية ودولية تهدف بالأساس لضمان سيطرة هذه الطبقات الحاكمة على شعوبها وإبقاءها في إطار الشروط والعلاقات السائدة، ومن خلال هذه الطبيعة تتمثل ثلاثة مستويات لفهم كيفية عمل هذه السلطة ومآلات الواقع وأولوية التحالفات.

أولاً: يلعب مفهوم "الأمن والأمان"دوراً أكبر بكثير من مفاهيم أهم كالتقدم الصناعي والتخطيط الإقتصادي والديمقراطية وحق العمل والطعام والسكن والعلاج، وعلي مفهوم الأمن تقوم كامل السلطة،وعليه يتم تحويل دفّة الإنفاق الحكومي، والإنحراف بالموارد والمقدرات من الإنفاق على الصحة والتعليم والخدمات المعيشية والغذاء والسكن إلي المراقبة والإرشاد والتجسس والسجون والقضاء والبوليس والأسلحة وأجهزة المراقبة الحديثة والمعدات الحربية ووسائل الإعلام الموالية.

ثانياً: اعتادت تلك السلطة عندما توضع في مآزق إجتماعية وأزمات إقتصادية أن تستدعي خطاب مبتذل بحجة أن وضعية الأزمة لم تتسبب السلطة في خلقها، وإنما فُرضت على السلطة ليس أكثر، وعلي إثرها يتم التحجج والإستفادة في نفس الوقت من الأزمات بكونها تعرقل سير الدولة وخدمة مواطنيها من ناحية، ومن ناحية أخري تعزز وضع وبقاء السلطة وتمرير سياساتها من قروض وديون وتقليل الإنفاق الخدمي والتقشف وقوانين الطواريء والتنكيل بالمواطنين أمنياً وإبتزازهم، وبالتالي بقدر ما تظهر السلطة قوية ومتماسكة بكونها لا تتيح أي ثغرة تنفذ منها المعارضة، بقدر ما تكون هشة بسبب عدم قدرتها على المناورة السياسية لإستنفاذها واستهلاكها لنفس الإدعاءات، وإنهاك قدراتها ومؤسساتها وفقدان عناصرها للثقة في كل مرحلة.

ثالثاً: في ضوء النقطتين السابقتين لابد أن نري ما وصلت إليه الأنظمة السلطوية العربية من فشل لا يدع مجال للشك في تحقيق توافقات داخلية، لا من خلال مشاريع إجتماعية ولا أدني حقوق وممارسات سياسية، ولا حتي رشوة إجتماعية لقطاعات تدعمها، بل ما زالت متمسكة بعدم التنازل لشعوبها، وبالتالي لا يوجد أمامها غير التنازل للقوي المالية العالمية كصندوق النقد، والقوي الإقليمية كـ"إسرائيل"، ومن هنا نفهم علام تقوم التحالفات الإقليمية التي تعكس طبيعة وبنية السلطة في الأنظمة العربية، وإتفاقات تطبيع العلاقات مع الصهاينة التي تتناوب عليها سلطة تلو سلطة، لنصل بالنهاية إلي حلف صهيو - عربي تتزعمه "إسرائيل" لحفظ الإستقرار والأمن بالشرق الأوسط، أو بمعنى أدق، إستقرار وأمن الأنظمة العربية.