اليوم يلعنني الناس، وغداً يحبونني لأنني تحديتُ الآلهة (هيروستات؛ محرق معبد آرتميس، أكبر معابد اليونان عام 356 قبل الميلاد/ من رواية "انسوا هيروستات" لغريغوري غورين)

***

لافتة هي محاولات ماركس تسليط الضوء على "الاستلاب السلعي" كشكل خاص وجديد يتحكم بإعادة إنتاج المجتمع في جملته وليس نظامه الاقتصادي فحسب. ولافتة هي الأخرى شروحات سمير أمين لماركس في الاقتصاد والسياسة والثقافة. التسليع بالنسبة لأمين فخ تستولده الرأسمالية لتجعل من الاقتصاد "علماً". الرأسمالية في وجه من وجوهها الخفية، تريد أن تقول لنا، أن القوانين التي تحكم حركة الاقتصاد وتفرضها "هي قوانين من الطبيعة/ طبيعية". بهذا المعنى، ثمة فخ يضمره الخطاب الرأسمالي في الاقتصاد، فهو إذ يشرّح الأرقام، ويمفصلها بحسب رغبات السوق، يخفي من حيث ندري أو لا ندري تاريخية قوانين الاقتصاد نفسها. ذاك ما يجعل إعادة إنتاج النظام الاقتصادي من قبل الرجل الرأسمالي – سياسياً كان أو مثقفاً - لا يميل بالمجمل نحو تحقيق توازن ما، بل هو دائم الوقوع في عدم الاستقرار. ينتقل من لاتوازن إلى لاتوازن آخر في صورة غير متوقعة، يمكن فهمها لاحقاً ولكن لا يمكن تحديدها مسبقاً.

يتحرك هذا "الاهتزاز/عدم الاستقرار" من خلال تحول علاقات القوى الاجتماعية بين طرفين، الرأسماليين والطبقات المستغلَّة والمُخضَعة من جهة، والدول التي تنتظم من خلالها الرأسمالية نظاماً عالمياً من جهة أخرى، ما يجعل النظام الاجتماعي – الاقتصادي يتنقل من لا توازن إلى لا توازن آخر.

تقدم مقاربة ماركس- أمين هذه مدخلاً مهماً لفهم الأدبيات الاقتصادية في دول الجنوب. في كل من الأزمات المتفاقمة منذ سقوط الاتحاد السوفياتي إلى اليوم، يظهر في الميدان جمع من الوطنيين الذين يحملون على عاتقهم مهمة اجتراح حل لتعثر النظام الاقتصادي- السياسي. فيما تتراوح الحلول في غالبها بين وجهتين:

الأولى، تطغى عليها مقاربات وطنية ذات نزعة كينزية، فتميل في الغالب لتغليب الوطني على ما سواه، وقد يتمثل نموذجها الأسمى في العصر الحديث بالحركة العمالية البولندية أوائل الثمانينيات. أما الأخرى فتطلق نداءات الإصلاح غالباً ممهورة بعمليات شعبوية، بالنحو الذي وقع في المكسيك بعد الثورة الفلاحية 1910 - 1920، أو الأرجنتين البيرونية فترة الأربعينيات. في الأولى تكون مسألة الوطنية، والدولة، وتوزيع الثروة هي العناوين الأكثر حضوراً في خطابها وأدبياتها. يقدم التراث الكينزي (الذي يعلي مسألة رعاية الطبقات الأكثر فقراً الأولوية في سياسته ومقاصده) خزيناً ضخماً من "علموية" الأرقام الاقتصادية. فيما تقدم التجربة الأخرى خطاباً شعبوياً جهوياً موطوءاً بمسألة الهوية فتولي الأيديولوجيا والشأن الاجتماعي الأسبقية على الشأن الاقتصادي.

 

من أين نطل على أزمات اقتصاد دول الجنوب؟

لا يمكن التفكير باقتصاديات دول الجنوب بالنحو ذاته الذي يمكن أن نفكر فيه باقتصاديات دول الشمال. في الأساس، شكلت خرائط دول الجنوب حدوداً مسوَّرة لهيمنة دولية محددة. من خلال الخريطة أراد المستعمِر إعطاء الحدود وجه خرائطي. الخريطة في الأصل أداة استعماريّة أُريد لها إقصاء مستعمِرٍ آخر عنها. بهذا المعنى تشكل الحدود، وبالتالي "أوطان الجنوب"، لحظة تكثيفية من لحظات الهيمنة التي فرضها نظام الهيمنة الدولي.

في كتابه "سايكس – بيكو – بلفور؛ ما وراء الخرائط" يتحدث فواز طرابلسي عن الوظيفة الما - فوق تاريخية للخريطة، والكامن بإعطاء طابع جغرافي للتاريخ. هكذا، تسوّر الخريطة منطقة لتبني عليها كياناً سياسياً مرغوباً او متأمَّلاً من قبل واضعها. ولبنان هنا، لم يكن استثناءً في هذا الخصوص. لقد وُلد لبنان - ومعه سوريا - بشكله الحالي كمنتَج من منتجات هيمنة القوة العسكرية الفرنسية وغرفة تجارة ليون[1]. ولأن الخارطة العسكرية توضح لنا أنموذج تطلع المستعمر للهيمنة فقد خُطّت نقطة انطلاق هذه الخرائط من قلب الكيانات السياسية الجديدة المطلة على المتوسط باتجاه الأطراف. في المركز تشتد وطأة الهيمنة أو السيطرة العسكرية، الاقتصادية، الثقافية، وتضمحل عند الأطراف. هكذا سينبني لبنان وفق تاريخ مركزه (بيروت وجبل لبنان) دون الأطراف (الأمر نفسه قامت به بريطانيا في مصر، إذ صار تاريخ مصر تاريخ الدلتا ليس إلا). تناقضات لبنان الاجتماعية لم تكن لتسمح باقتحام قوة اجتماعية - سياسية جديدة للمركز دون تحولات في النظام الدولي نفسه. حركة أمل أوائل السبعينيات، على سبيل المثال، لم تكن لتنتقل من الأطراف إلى المركز لولا التحولات الكبرى التي حصلت في النظام الدولي، والتي أتاحت لقوة اجتماعية طرفانية من اقتحام مجال هيمنة الاستعمار الأوروبي التقليدي. يعيد تيموثي ميشل هذه التحولات إلى الكربون. إن انتقال الكربون ليحتل الحيز الأكبر من طاقة العالم، وهيمنة الولايات المتحدة على مصادر إنتاجه، هو ما أتاح فعلياً توسعة القواعد الاجتماعية للنظم السياسية الجديدة في منطقتنا وفي العالم.

ولا أورد أمثلة من التاريخ لرفع المسؤولية عن واقع استعصى بنا على العيش، بل من أجل وضع المنطق الاقتصادي في نصابه المفترض. مرة جديدة أعيد تكرار ما نبّه إليه ماركس من الوقوع في فخ الرأسمالية التي جعلت من الاقتصاد "علماً" (وأضيف: "علماً مرقمن"). إن اقتصاديات عالم الجنوب غير منبتة الصلة عن صراع شعوب الجنوب مع الهيمنة الغربية على سيادتها، وفي أحلى تقدير، هي اقتصادات غير منبتة الصلة عن مجالين يتفاعلان بنحو كبير. نظام الهيمنة الدولية والتقسيم الدولي للعمل من جهة، ونظام المتناقضات الاجتماعية الخاصة بكل "منطقة/ دولة، أو وحدة سياسية" من جهة أخرى.

 

موقع لبنان، وموضعه في النظام الدولي:

تغطي أوروبا العجز في علاقاتها مع الولايات المتحدة واليابان بفائض مبادلاتها مع العالم الثالث وبلدان شرق أوروبا. فهي بحاجة إلى الاحتفاظ بعلاقات غير متكافئة مع دائرة البلدان التابعة لها من أجل لعب دورها العالمي. وخلافاً للولايات المتحدة واليابان اللتين تصدران رؤوس أموالهما على نطاق أوسع (نحو أميركا اللاتينية وجنوب شرق آسيا) من خلال إعادة توطين الصناعة التي يستلزمها السوق، فقد فتحت أوروبا أبوابها كي تستقبل بالجملة اليد العاملة من العالم الثالث، التي تشكل ضرورة وحاجة لها لمتابعة توسعها الداخلي بالوتيرة اللازمة. مشروع الشراكة المتوسطية الذي طرحته فرنسا عام 1995، كان جزءاً من هذه السياسة. "سياسات رفيق الحريري التهجيرية" للشباب اللبناني (60 ألف شاب سنوياً)، كانت مفصلاً من مفاصل السياسات غير المتوازنة بين شطري البحر المتوسط الشمالي والجنوبي. تراكم الودائع المصرفية في لبنان كل تلك السنوات، كانت جزءاً من تضبيط الولايات المتحدة لتدفقات الأموال في الشرق الأوسط. مرة جديدة، أنا لا ألغي المسؤولية الكامنة على عاتق المسؤولين في هذا البلد في ما آلت إليه الأوضاع، بل أحاول من خلال كل ما ورد تأكيد أن ما انعقد لبنان عليه من سياسة وسياسيين، لم يكن نتيجة خيارات وأخطاء داخلية فحسب، بل وبقدر ما، كان نتيجة لريعية الوضع اللبناني في النظامين الإقليمي والدولي. إن انتقال صوت الناخب البيروتي من دفة "المرابطون" إلى طبلة "البلد ماشي" لم يكن خيار الناس من ضمن مجموعة خيارات. بل كانت نتاجاً لجملة سياسات تقاطعت وتأطرت في الشكل السياسي الذي نعيشه اليوم في لبنان. والأمر غير ذي صلة بالوضع اللبناني أو العربي أو حتى الخاص بدول الجنوب. حتى خيارات الدولة الكينزية، ومن بعدها دولة الرفاه، في أوروبا طوال العقود الثلاث التي تلت الحرب العالمية الثانية لم تكن قراراً سيادياً لسياسيي أوروبا، بقدر ما كان خيار رأس المال العالمي، وحاجته لحماية قواعده الشعبية في مواجهة الاتحاد السوفياتي[2].

 

ليخ فاونسا وشربل نحاس:

صبيحة الرابع من حزيران من العام 1989 حققت حركة التضامن البولندية، بقيادة ليخ فاونسا، فوزاً ساحقاً في الانتخابات البرلمانية الأكثر أهمية في تاريخ البلاد. كان فوز الحركة يعني بداية جديدة من تاريخ الإصلاح الاقتصادي والسياسي البولندي. وهو ما أطلق عليه الحركة في أدبياتها بحقبة "السياسة الاستثنائية". كانت بولندا آنذاك بأمس الحاجة لقوة عمالية ثورية تنتشلها من بيروقراطية الدولة وفسادها من جهة، ومن هجمة المؤسسات الدولية بخصخصة كل ما في البلاد. بعيد ثلاث سنوات من فوز حركة التضامن كان الانتاج الصناعي في البلاد قد انخفض إلى ما نسبته 30% من مجمل الانتاج. البطالة بدورها وصلت إلى حدود الـ25% في بعض المناطق. مؤشرات الفقر بدورها كانت مخيفة. انتظر الشعب، بالرغم من وطأة البطالة بصمت وصبر ظهور مفعول العلاج الذي وعدت به الحركة حتى أيلول من العام 1993. شيئاً لم يتحسن في بنى الدولة والاقتصاد. لقد أحكمت البيروقراطية الاقتصادية السيطرة على كل مفاصل التغيير في حقبة "السياسة الاستثنائية" التي نادت بها الحركة. مع انتهاء مؤتمر مايستريخت للدفاع والأمن الأوروبيين عام 1992، كان الرأسماليون والبيروقراطيون قد أحكموا الخناق على كامل المشهد البولندي. في انتخابات أيلول من العام 1993 كان أكثر من 7500 إضراب عمالي يعم البلاد. الضربة القاضية تلقتها الحركة مع صعود اليسار الديمقراطي في انتخابات عام 1993 لتعلن نهاية حقبة "السياسة الاستثنائية".

بولندا ليست استثناءً، حقبة "السياسة الاستثنائية" التي نادت بها حركة التضامن ليست استثناءً هي الأخرى، اتحاد البيروقراطية الفاسدة مع الرأسماليين البولنديين لم يكن استثناءً هو الآخر. الحقيقة التي لم يحتسبها ليخ فاونسا هي أن التغيير من داخل المجال السياسي للنظام، سيُنتج أشكالاً أكثر تعقيداً من الأزمات التي ينتجها النظام نفسه. الحقيقة هي أن فاونسا قام بما حذر به ماركس. هو نقلَ النظام من لاتوازن إلى لاتوازن آخر في صورة غير متوقعة، صار يمكن فهمها لاحقاً ولكن لم يكن بالإمكان تحديدها مسبقاً.

فاونسا ليس رجلاً، هو ظاهرة يمكن دراستها ضمن مجموعة ظواهر أخرى متعلقة بموقف الطبقة الوسطى العالمية الجديدة في لحظات الانفجار الاجتماعي. ليخ فاونسا في بولندا، فيشنو باداياشي في جنوب أفريقيا، محمد البرادعي في مصر، برهان غليون في سوريا، شربل نحاس في لبنان، وغيرهم الكثيرين من الناشطين والأكاديميين، نراهم عند أول انفجار اجتماعي ينبرون لتحليل واقع الأزمة وتشريح أسبابها. يصيب كثير من هؤلاء بتشخيصهم عوارض الأزمة ويفشل أغلبهم في المضي نحو التغيير المنشود، ما يضع سؤالاً حول طبيعة النشاط السياسي الذي يجترحه كل من هؤلاء، وسبب فشلهم في انجاز ما يتطلعون إليه إلى اليوم.

... يُتبع

في الجزء الثاني: شربل نحاس و"أبو خشبة"؛ في البحث عن هيروستات

 


[1]  سبق ان اقامت غرفة تجارة ليون حفل استقبال على شرفه، يوم 11 تشرين الثاني 1919، عشية سفر "ديغول" إلى سورية لتولي مهامه قائداً عاماً لجيش الشرق ومفوّضاً سامياً لفرنسا في سورية. عرض عليه رجالُ الأعمال مطالبهم: تثبيت النقد، منع قطع الأشجار للتدفئة من أجل تزويد معامل الحرير بالوقود، التعويض على خسائر فرنسيي الشرق بسبب الحرب، إلزام السوريين باستيراد البضائع الفرنسية وغيرها. وكان المطلب الأبرز هو ما جاء في كلمة الصناعي غيدو: "السوريون يملكون الذهب، والذهب يتدفق عندهم. خلال الحرب، أثرى السكان، بالطرق الشرعية وغير الشرعية، إن سورية بلد ثري جداً، ويهم، نظراً لماضي العلاقة بيننا، أن نثمر هذه الثروة لصالح فرنسا". ولما عاد غورو إلى فرنسا، بعد انتهاء خدمته كمفوض سام لفرنسا في سورية ولبنان، احتفلت به غرفة تجارة ليون في 5 نيسان 1922. وفاخر رئيس غرفة التجارة في ليون السيد براديل، بالقول: "يمكننا القول في ليون إننا نعتبر سورية مستعمرة ليونية" فرفع الجنرال كأسه وأعلن "أيها السادة، الصفقة سوف تكون مربحة". فواز طرابلسي، حرير وحديد، من جبل لبنان إلى قناة السويس، دار رياض الريس للكتب والنشر، الطبعة الأولى 2013، بيروت، ص 288 – 289.

[2]  سمير أمين، الاقتصاد السياسي للقرن الواحد والعشرين، ترجمة فهمية شرف الدين، دار الفارابي، بيروت 2002، ص 22.