تشهد الساحات العالمية بشكل عام والساحات الجغرافية المحتلة بشكل خاص أحداثاُ ملؤها العنف والتهجير والخراب والتدمير، وهذا ما يعد من المدخلات المعلوماتية الخارجة عن المألوف وغير الطبيعية، والتي تنسكب بشكل يومي ومتواتر أمام أعين أطفالنا داخل المنازل الآمنة.

فما هي تداعيات التعرض للمشاهد القاسية والعنيفة وما هي الحلول المفترحة لتفادي وصول تأثيرها السلبي؟

تقول الباحثة موريسون في هذا الصدد، أن التعرض للمشاهد العنفية الدموية له تداعيات فد تعادل التعرض للعنف بشكل مباشر من حيث الأثر السلبي على تطور معتقدات الأطفال الأساسية التي تشارك في رسم تصورهم البنيوي عن أنفسهم وعن العالم من حولهم، وهي قائمة على أساس التجارب والمشاهدات العينية المباشرة لحالات تتعرض للتعنيف والقسوة والأذية، وفيما يلي تطال هذه المعتقدات خيارات الأطفال المستقبلية بشكل لا واعي ومتجذر.

يبدأ العقل الواعي للطفل برسم منظومة تصوراته عن العالم المحيط منذ سن الرابعة، وتبدأ منظومته الأخلاقية بالنمو والتبلور باحثة لها عن قواعد ثابتة، وهذا ما يشكل له "دائرة الامان" التي تحمي معتقداته ومعارفه والتي تفصل بين الخير والشر، وهذا ما ينتفي مع تعرضه للمشاهد الدموية، والقتل والخراب، التهجير والسلب وشتى أنواع التعذيب اللامنطقي والذي لا يتقبله عقل الطفل ويسجله كاعتداء وخرق لمنظومة معارفه الطبيعية.

 

أطفال عدوانيون ومذعورون

تتضمن هذه الآثار خفض حساسية الأطفال تجاه معاناة الآخرين وازدياد مشاعر الخوف والقلق لديهم، بالإضافة إلى التصرف بعدوانية. أظهرت دراسة أجريت حديثاً، أن المراهقين ممن يتعرضون للعنف سواء كان في الإعلام أم عبر الألعاب الإلكترونية، بالإضافة إلى زيادة نسبة العدوانية لديهم، أظهروا تراجعاً في عمل وظائف الدماغ الإدراكية، مما يعني أن أجزاء الدماغ المسؤولة عن التفكير والتعلم والاستنتاج والسيطرة العاطفية، أظهرت نشاطاً أبطأ من المراهقين ممن لا يتعرضون لأي نوع من أنواع العنف، كما يمكن أن تستمر هذه الآثار لدى الأطفال حتى في سن البلوغ، وهناك احتمالية أكبر للتحول إلى مجرمين عند الأطفال ذوي السلوك العدواني جداً. ومن جهة أخرى، لا يملك الأطفال المعلومات الكافية والقدرة على إدراك أن ما يرونه من عنف لا يمثل حقيقة العالم الذي يعيشون فيه، وأن ما يشاهدونه لا يُطبّق عليهم بالضرورة، مما يسبب لهم الذعر والقلق الشديد.

دماغ[1] الإنسان مبرمج على القدرة على المحاكاة والتقليد، حيث تساعدنا هذه المهارة على المراقبة والتعلم، ومن خلالها يتعلم الطفل معظم سلوكياته، وتسمى الخلايا المسؤولة عن هذه المهارة بالخلايا المرآة أو الخلايا العصبية المرآتية، وتستمر في عملها مدى الحياة، فحتى عندما تكون في تجمع بشري عام، ويبدأ الحشد بفعل جماعي يعبر عن شعور ما، تدفعك هذه الخلايا إلى مشاركتهم المشاعر بشكل فوري، والضحك أو التشجيع أو حتى البكاء معهم، وكأنما السلوكيات والتعبيرات الناتجة عن مشاعر معدية بطبيعتها، ولكن قد تكون هذه المهارة سلاحاً ذي حدين، فمثلما تتيح لنا تعلم الأشياء الجيدة وضرورات الحياة، قد تعلمنا تقليد ما هو ضار أيضاً، فالقدرة[2] على المحاكاة تعلّم الأطفال تقليد العنف الذي يشاهدونه في الحياة أو في وسائل الإعلام أو في الألعاب الإلكترونية، كما تلهم هذه القدرة الأشخاص الحانقين على العالم والمجتمع تقليد غيرهم ممن قاموا بأعمال همجية.

 

غياب التعاطف

لا يتعاطف دائماً الطفل المشاهد للعنف مع الضحية، بل يصطف أحياناً مع المعتدي، مما يفرض عليه التصرف بعدوانية هو شخصياً، فالتعاطف مع الشخص الذي يقوم بالعمل العنيف هو ردة فعل شائعة لدى الكثير من متابعي الأفلام الخيالية، ألعاب الفيديوو الاخبار الحيَة  ويكون العنف مستساغاً أكثر إذا تم تقديمه من خلال بطل القصة المنتصر، لا ينتج دائماً عن هذا شخص مجرم، ولكن أثبتت العديد من الدراسات الأكاديمية أن هناك صلة بين السلوك العدواني والتعرض للعنف أو مشاهدة العنف.

 

التشوه العاطفي والإجتماعي

تظهر الدراسات المجراة في جامعة كاليفورنيا عام 2014 لغاية 2017 حول تأثير تلقي المشاهد العنيفة والدموية على النمو العاطفي السليم، وجد الباحثون أن العينة المأخوذة من عمر 3 إلى 8 سنوات، تواجه على المدى الإستراتيجي صعوبة في بناء علاقات عاطفية سوية مع الأقران والراشدين الموجودين في المحيط، قائمة على الإحساس بالآخرين والتعاطف مع الألم والحزن والانفعالات الطبيعية للآخرين وهذا ما أطلقوا عليه تسمية التشوه العاطفي.

كما وأشار الباحثون أن هذه الفئة أكثر عرضة للانحراف في مرحلة المراهقة من حيث تخطي القوانين وتجاوز المحظورات والممنوعات، وهم أكثر عرضة للانسحاب وتشكيل جماعات منفصلة عن الجو العام للبيئة المحيطة، ولديهم صعوبة بالغة في تشكيل الصداقات السوية والعلاقات الإجتماعية ذات الأهداف السامية والخيرة.

 

ماذا لو؟ في الوقاية والعلاج

ترتكز معالجة هذه المشكلة في مجرياتها الوقائية منذ البدء، والحرص على تفادي التعرض للمشاهد العنيفة والدموية التي تطال التعرض لسلب الحياة بشكل أساسي دون وجه تفسير منطقي ومقبول.

في حال رصد الأهل تعرض أطفالهم لهذه المواد المتلفزة او الإلكترونية، من خلال ظهور سلوك مستحدث عنيف أو غير ‘جتماعي أو تمظهر لحالة إنفعالية خارجة عن طبيعة الطفل المعتادة يجب إعتماد إجراءات سريعة وحازمة لإحتوتء المشكلة ومنع تفام تداعياتها، تتمثل بالآتي:

1. إجراء محادثة علمية تثقيقفية حول هذه المواد، سبب وجودها ومخاطرها، باستخدام لغة مبسطة تراعي المرحلة العمرية للطفل.

2. العمل على إجراء التفريغ النفسي والإسقاطي للمشاهد التي تم التعرض لها من خلال مقابلة معالج نفسي سلوكي إذا ما استدعى الأمر حسب حدة تأثير المشكلة على المنحى النفسي للطفل.

3. إعتماد الحقائق العلمية عن الحروب وأسبابها بشكل مكيف وتبيان الصورة الشاملة للخسائر والأرباح الناتجة عن صراعات الدول.

4. تعزيز مفاهيم الخير والشر والصراع الوجودي الموجود بينهما ومحاولة الإبتعاد عن الألعاب والأفلام والمسلسلات عديمة المغزى التغذوي للروح والثقافة الفكرية.

5. تأمين البدائل لنشاطات الأطفال من حيث جدولة يومياتهم بتوجيه غير مباشر من الأهل نحو تطوير المجالات الحركية والفكرية وتفريغ الطاقة من خلالها. وغيرها من المعالجات المفصلة حسب إيقاع كل تأثير للمشكلة على كل طفل على حدى.

ختاماً، وحيث أن السواد الأعظم من هذه المواد (ما نسبته 87%) يتجلى في مشاهد الحروب، تبقى الأرباح المادية المحققة التي تغفل عن الآثار السلبية الناجمة نجاحاتها، تحطم شخص الإنسان وصورته الداخلية حد السحق، والتي تظهر على جيل كامل تعرض لويلات الحرب ومشاهدها.