لا يكف الرئيس التركي عن التهديد بإغلاق قاعدة رادار كورجيك، تارةً للرد على تهديدات أمريكية بفرض عقوبات مرتبطة بشراء أنقرة لمنظومة الدفاع الجوي الروسي S400، وطوراً للرد على اعتراف مجلس الشيوخ الأمريكي بالإبادة الأرمنية ومسؤولية تركيا عنها. الصحافة التركية المؤيدة لأردوغان كما والصحافة "الإخوانية"، لا تنفك كذلك تعيد نشر تهديدات أردوغان للناتو معتبرةً الرادار ورقة رابحة بيد تركيا ضد الناتو وأوروبا. لكن تركيا لا تبدو جادّة في تهديداتها إذ لا يمكن أن تغامر بعضويتها في الناتو - القائمة منذ 1952 - ولا بعلاقتها الاستراتيجية مع الغرب، تماماً كما لا يبدو أن واشنطن يمكن أن تغامر بعلاقتها العسكرية مع أنقرة رغم كل ما يُقال عن نظرة الديمقراطيين إلى تركيا أردوغان كشريك "غير آمن"، ورغم بروز أوساط داخل الإدارة الامريكية تؤيد نقل النشاط العسكري إلى اليونان أو قبرص اليونانية كبديل، إذ يستبعد أن يقوم الناتو فعلاً باستبدال قاعدة الرادار التركي بأي منطقةٍ أخرى لما يلحقه ذلك من ضرر بالغ بالحلف بالنظر إلى مكانة تركيا في محيطها وإشرافها الجغرافي ومجالها المفتوح لمسافات بعيدة على القوقاز والهضبة الإيرانية وقزوين وأفغانستان بما يعنيه ذلك من أهمية بالغة للوجود الغربي في غرب آسيا. موقع تركيا كذلك لا يمكن تجاهله في أي مشروع للدرع الصاروخي، الذي من الممكن أن تتراجع قدراته على الاعتراض بشكل كبير فيما لو تمت إزالة رادار كورجيك. فما هي قاعدة رادار كورجيك التي يكثر الحديث عنها في السنوات الأخيرة لا سيما بعد جولة "سيف القدس" الأخيرة في فلسطين المحتلة؟

أقر الناتو إنشاء قاعدة كورجيك (kürêcik) في قمة لشبونة أواخر عام 2010، ضمن خطة الحلف الاستراتيجية لإنشاء دفاع صاروخي بالستي. فبدأ بناء القاعدة عام 2010 في ملاطيا شرق الأناضول، تحت إشراف شركة رايثيون الأميركية لأنظمة الدفاع المتكاملة، والتي أنهت بناء القاعدة عام 2016 لتوضع تحت قيادة حلف الناتو في مقر رامشتاين بألمانيا، ولتُمسي قاعدة خاصة بأنظمة المراقبة وجمع المعلومات الاستراتيجية عن سوريا والعراق، وبشكل أخص عن إيران التي يُعتقد أن الرادار موجه ضدها نظراً لربطه برادارات موجودة في قطر والإمارات و"إسرائيل" تمنحه إشرافاً كبيراً على الأراضي الإيرانية.

وكان الرادار قد نُقل من تشيكيا وبولونيا اللتين تثيران قلق روسيا إلى تركيا إثر اللقاء الشهير بين أوباما وميدفيديف عام 2009، والذي توّج فترةً من التقارب الروسي الأمريكي أعقبت فترةً من التجاذب بين الطرفين على خلفية نشر الدرع الصاروخي في أوروبا الشرقية.

يعمل رادار كورجيك NA/TPY2)) في حال تعطل الأقمار الصناعية، أو عدم قدرتها على اكتشاف التهديد الصاروخي حيث يستطيع مسح مساحة ألف كيلومتر بزاوية 120 درجة، ما يجعله فعالاً ضد صواريخ يصل مداها إلى 1300 كلم. وقد دُمج الرادار بشبكة من الأقمار الصناعية والسفن والرادارات والصواريخ الاعتراضية ليكون جزءاَ من نظام إنذار مبكر من عدة مراحل، خاص بالناتو، يستطيع تمييز وتعقب الصواريخ الباليستية التي يتم إطلاقها من الدول الواقعة ضمن مجاله الجوي، كما وإنذار أنظمة الناتو الدفاعية في أوروبا عبر إرسال بيانات دقيقة لمنظومات الصواريخ الاعتراضية ايجيس AEGIS المنشورة على سفن الاسطول الأمريكي في المتوسط والبحر الأسود، والقوات الأميركية في بولندا ورومانيا التي تستكمل بدورها التعقب والتصدي للأهداف بصواريخ مضادة عبر الاصطدام المباشر بتقنية Hit to Kill، وهذه عملية معقدة جداً تعترضها عقبات تقنية كبيرة تكاد تماثل إصابة رصاصة في الجو برصاصة أخرى لذلك فإن دقة تمييز الهدف مهمة جداً في عمل الدرع الصاروخي لضمان إصابة الهدف لأن عدم اصابته يستنزف الصواريخ الاعتراضية ويؤدي بالتالي إلى خسارة مادية كبيرة نظراً لتكلفة الصواريخ الباهظة جداً.

لاقى المشروع انتقاداً حاداً من الجمهورية الإيرانية عام 2010 لاسيما من رئيس مجلس الشورى الإيراني لكونه موجهاً ضد بلاده بالدرجة الأولى واتهمه بأنه معدٌ لحماية "إسرائيل"، ما يتوافق مع تصريح "إسماعيل حقي بكين" مدير الاستخبارات التركية السابق للصحافة التركية بأن للرادار أهمية كبرى بالنسبة لأمن القواعد الأمريكية والاسرائيلية من الصواريخ البايستية حيث يشكل إنذاراً مبكراً للقواعد للتصدي لأي صاروخ يطلق باتجاهها، لكن وزير خارجية  تركيا الأسبق أحمد داوود أوغلو أصرّ خلال زيارته لطهران عام 2012 بأن الرادار دفاعيٌ محض وأنه غير موجه ضد إيران في تناقض واضح مع خلفه في وزارة الخارجية التركية فريدون سينرلي أوغو الذي قال بوضوح إن الرادرار لحماية "إسرائيل"، ومع تصريحات أبرز وجوه المعارضة التركية، كرئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض كليتشدار أوغلو الذي كرر غير مرة أن إردوغان لا يجرؤ على إزالة الرادار الذي يهدف "لحماية إسرائيل"، فيما نفذ سكان كورجيك عدة وقفات احتجاجية رفضاً لإقامة رادار على أرضهم يساهم في حماية الكيان الذي يقتل إخوتهم في فلسطين المحتلة.

أعادت معركة "سيف القدس" الأخيرة تسليط الضوء على رادار كورجيك من نافذة العلاقات التركية الاسرائيلية المتنامية إذ رغم التصعيد التركي الكلامي ضد "إسرائيل" والعلاقة المتينة بين حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا وبين حركة حماس إلا أن أي خطواتٍ تركيةٍ ملموسة لصالح الشعب الفلسطيني لم تُلحظ من الجانب التركي لا سيما في مجال الاستثمارات والتبادل التجاري والتعاون الإستخباري والعسكري الذي يتصل مباشرةً بقاعدة رادار كورجيك التي ترتبط بمنظومات الدفاع الصاروخي الاسرائيلي كالحيتس ومقلاع داوود وتمنحها قدرةً على التصدي بكفاءة لأي هجوم صاروخي يستهدف الكيان، ما تسبب في موجة إنتقادات وُجهت للحكومة التركية تصفها بالنفاق فيما خص فلسطين وتشير بوضوح إلى رادار كورجيك الذي بات درعاً تركياً لكيان الاحتلال فرغم أنه يتبع لقيادة الرادار التركي في قاعدة ديار بكر الجوية إلا أن قرابة 50 جندياً أمريكياً ينتمون لـ"جيش الولايات المتحدة في أوروبا" USAREUR يتولون إدارة المنشأت وحمايتها ورغم أن تركيا لا تستفيد بشكل واضح من قاعدة رادار كورجيك بسبب عدم وجود نظام صاروخي تركي مرتبط بهإلا أنها مستمرةً في احتضانه وتشغيله لتأمين حماية سماء "إسرائيل" والقواعد الأمريكية في المنطقة، فهل يمكن أن نرى منطقتنا يوماً خاليةً من القطع الحربية الأمريكية التي تمزق دولنا، كمنشأة كورجيك، أم أن الرقص على حبال التناقضات التي يمارسها إردوغان في هذه القضية ستبقى السمة الغالبة على مسرح أحداث منطقتنا؟