يقبع خلف هذه الشاشة اللمسية الفائقة الدقة بضع شرائح الكترونية متصلة عبر تطبيقات مشهورة جداً بدماغ آلي يعمل من خلال خوارزميات وبرمجيات تلقائية التفاعل مع السلوك البشري وتعمد إلى تحليل التصرفات المتكررة على فترة محددة لاستكمال خصائص وميول الشخصية الرقمية التي يجمعها عنك في حساب واحد أو أكثر من خلال بريدك الالكتروني أو رقم هاتفك أو حسابك على شبكات التواصل الاجتماعي.

 

أنت السلعة

يشكل كل مستخدم لهذه الأجهزة مصدراً للدخل لأصحاب الشركات الالكترونية العملاقة، قارون العصر الحالي، مثل غوغل وفيسبوك وتويتر وأمثالها. لكنك تدفع مبلغاً زهيداً جدًا - وهذا هو المطلوب - وأحيانا مجانياً للحصول على اتصال بالانترنت، أما المبالغ الكبرى فيدفعها المعلنون مقابل الترويج للأفكار والمنتجات التي يريدونها. كل ثانية تشاهد فيها مقترحات اليوتيوب والفيسبوك وأمثالها هي وقت يدفع ثمنه المعلنون. في هذه الحالة أنت السلعة في سوق يسيطر عليه تفكير على المدى القصير على أساس تحقيق الربح بأي ثمن.

 

سلطان الذكاء الاصطناعي

إنه ليس لك عليهم سلطان، لكن الذكاء الاصطناعي يتفوق على أي فرد عادي في العالم. اذ يقبع خلف جهازه الذي في يده، آلاف الخبرات المتراكمة في العقل الالكتروني للبرامج التي يتواصل معها من خلال بعض الازرار بأصبع واحد. لن يستطيع أي انسان أن يواجه ما يجره إليه هذا الذكاء من خلال المقترحات والخيارات الجذابة التي يقدمها للمستخدم الضحية، إلا إذا تحكم واختار ما يريده بنفسه، وعدم تقبل الاشعارات التي تعيده الى الهاتف متى ارادت لتبقيك متصلاً وتبقى تدر لها المال.

 

أنا ربكم الأعلى

لم يدعي أغلب الحكام في التاريخ أنهم خلقوا الإنسان. لكنهم قاتلوا الأنبياء بشعار أنا ربكم الأعلى. فمحمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم كان معروفاً بالصادق الأمين وعندما أعلن النبوة كان عمره أربعين عاماً بين قومه في مكة. لكنهم اختلفوا معه وحاربوه بسبب أنه لم يقبلوا أن يتأمر عليهم. فالمعركة هي معركة التحكم.

هل تخضع البشرية اليوم لأغنى الناس وأقواهم؟!؛ الشركات التي يديرها المستثمرون المليارديريون ويضغط زبائنهم المعلنون لتحقيق مصالحهم؟، إنه السوق العالمي الجديد الذي يعيش فيه مليارات البشر، ويتحكم بالسوق فيه المليارين إنسان الموصولين بعقل إلكتروني واحد. يؤثرون على باقي البشرية وسوقهم التجاري حتى لو لم يكونوا مرتبطين بالشبكة العنكبوتية أو تطبيقاتها.

 

عين واحدة

إنه يراك ويرى كل تحركاتك مدونة ومسجلة بشكل دائم في مدن من الحافظات الالكترونية في قاعات ضخمة مبردة جداً، يسجل ويربط هذه السلوكيات ببعضها فهو يعرف لغتك ومشترياتك وأصدقاءك وسلوكك تجاه كل موضوع تتناوله على الشبكة. أما أنت فماذا تعرف عنه، عن أهدافه؟ عن المستثمر؟ عن المعلن؟ ماذا يريد منك من يدفع المال لأجل بقائك ساهراً على هذ الجهاز الجميل لأطول فترة ممكنة؟ بالطبع لا تعرف عنه شيئاً. فهي علاقة من طرف واحد ولا تستطيع التحكم بها إلا إذا لم تسمح له بقودك بالاتجاه الذي يريد؛ أن تشاهد ما يقترح عليك من كتابات أصدقائك فيديوهات لم تسمع بها من قبل، تشويق لموضوعات اكتشف من خلال تحليل سلوكك أنها تهمك. إنه برنامج كاذب يقودك إلى حيث يريد وينظر بعين واحدة إلى المستخدم مصدر ارباحه التي لا تنتهي.

 

الإدمان

صمم المهندس، من خلال بعض الأزرار وال "كليك"، أن يقود البرنامجُ المستخدمَ إلى أقرب ما يشبه سلوكه المدون في ذاكرته. فهو يعمل بشكل تلقائي بعد فترة، ودون أن تشعر سترى هذه التطبيقات أنها تشبهك وتؤمن طلباتك دون أي عناء، دون أن تطلب، وإذا نسيتها ترسل لك الاشعارات في أي وقت، حتى أنها تسلبك الارادة في التحكم بالزمن، زمن البدء وزمن الانتهاء، فتدمن عليها، فهو خاص جداً معك، ينقلك إلى عالمه ويخرجك من عالمك إلى صداقات قريبة جداً من حقيقة نفسك، لكن لا تعنيه الجغرافيا إلا كأقرب مطعم أو متجر لتشتري منه أو مظاهرة أو مناسبة لتشارك بها. ولا يحترم خصوصية محيطك وواجباتك، يجعلك بعيدًا جداً عن الظروف الحقيقية لحياة اجتماعية أو سياسية يجب أن تندمج بها دون وسيط الكتروني.

 

رائع أم صحيح؟

التكنولوجيا ليست قانوناً صارماً بل هي مجموعة أوامر نحن نكتبها. عشرات المقالات والأبحاث اليوم في العالم تتحدث عن هذه المعضلة التاريخية الأولى في حياة البشرية، لأدوات رائعة في خدماتها لكنها شكلت قدرة تحكم هائلة ومرض ادمان جديد سلبت الحرية لمجموعة كبيرة من البشرية، يعيشون داخل مصفوفة ولا يدركون ذلك - حتى الآن - ولذلك لن يستطيعوا الخروج منها. معضلة يقرّ بها الأفراد من العاملين بها أو المحققين والباحثين، أما فرعون فلم يعترف ولن يعترف وسيبقى يصرخ أنا ربكم الأعلى حتى يغرق وسط البحر.