أحدثت انتفاضة القدس الأخيرة في وجه الاحتلال الاستيطاني موجة هي أشبه بالتسونامي السياسية، التي أبرزت موجاتها العاتية رداً عسكرياً من المقاومة في غزة، ما انعكس في الأراضي المحتلة عام 1948، تظاهرات أظهرت حجم هشاشة المجتمع الصهيوني، وأبرزت حجم تجذر الفلسطينيين بأرضهم رغم كل السياسات التي اتبعت لطمسهم وتذويبهم.

ظهرت النتائج الأولى لهذا التحول الكبير على العلاقة الخصامية بين دمشق وغزة بفعل ما قيل عن تورط جزء لا يستهان به من حركة حماس - التي تسيطر على غزة - في الحرب على دمشق، رغم ما قدمته دمشق لها على مدى اثني عشر عاماً، بعد تعرض رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل لعملية اغتيال في الأردن نجا منها بأعجوبة، فكان لهذا الانتصار دوراً كبيراً بإزالة مساحة كبيرة من الركام بين الطرفين، ما أعطى فرصة للطرفين لتجاوز الشروط المانعة لعودة العلاقة بين دمشق وغزة إلى سياقها الطبيعي.

لم يكن توجه وفد فلسطين المكون من سبعة عشر نائباً إلى دمشق لحضور المؤتمر السوري العام في شهر يونيو/ حزيران 1918، سوى تعبيراً عن الانتماء الطبيعي لبلاد الشام، التي تمتد من طوروس شمالاً إلى رفح جنوباً. إذ انعقد المؤتمر بحضور تسعين نائباً يمثلون معظم المناطق السورية في لبنان والأردن وفلسطين والشام.

انتهى المؤتمر بتاريخ  8 مارس/آذار من عام 1920 بتلاوة ممثل نابلس محمد عزة دَروَزة لبيانه بالدعوة للوحدة العربية وخاصةً بين سوريا "الطبيعية" والعراق، وأقرَّ المؤتمر أن "ليس ثمة انفصال للجزء الجنوبي من سورية والمعروف باسم فلسطين، ولا للمنطقة الساحلية الغربية والتي تشمل لبنان عن البلاد السورية".

كان القادة السورييين يدركون أهمية موقعهم الجيوسياسي وخطورته عليهم بنفس الوقت، بحكم التاريخ المديد للحروب التي جرت على أرضهم إن كانت عبوراً لتشكيل إمبراطورية، أم ساحة صراع بين إمبراطوريات تدرك أن من يستطيع السيطرة على هذه البلاد فإنه سيربح على حساب الإمبراطورية الأُخرى، وفِي حالات متعددة يكون هناك توازن بين الإمبراطوريات فيدفع سكانها الثمن بالإنقسام على أنفسهم.

فشل السوريون بتحقيق مشروعهم الأول لبناء دولة مغايرة لسياقهم التاريخي الاعتيادي، بفعل التوافق بين الإمبراطوريتين الإنكليزية والفرنسية في عام 1920، فإن دمشق الشام لم تستطع التوقف عن مواجهة التهديدات المتتالية عليها، إن كان بانتزاع المزيد من الأراضي لصالح تركيا، والاستيلاء على لواء إسكندرون وخسارتها لأهم وأكبر مرفأ طبيعي في إسكندرون، أم في نزع المنطقة الجنوبية "فلسطين" منها، ما أفقدها القدرة على لعب الدور الإقليمي الذي يتناسب مع أهمية موقعها الجيوسياسي.

لم تتخلّ عن دورها ورتبت أولوياتها من منطلق التفريق بين التهديدات الوجودية والتهديدات الحدودية، فكان لفلسطين الأولوية ما دفع لاشتراك السوريين في ثورة فلسطين 1936 ورمزهم عز الدين القسام الذي انطلق من جبلة ليقينه بأن يجاهد ويقاتل من أجل بلاده، ولَم تكن تعني له فلسطين سوى أنها بمكانة جبلة واللاذقية ولبنان ، وفِي حرب 1948حيث قدم السوريون الشهداء بعربهم وكردهم وتركمانهم وأديانهم ومذاهبهم وأحزابهم السياسية.

بقيت فلسطين أولوية وجودية لصانع القرار السوري في دمشق أياً كان انتماءه السياسي، منذ أن بدأت ملامح المشروع الاستيطاني الصهيوني بالظهور، وحازت على الجزء الأكبر من اهتمامه، انطلاقاً من طبيعة التهديدات، أم إدراكاً للدور الإقليمي الذي يمنح البلاد حماية  من الاستهداف المستمر والدائم، ما جعل التعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها جزءاً من أراضيها المحتلة من الناحية الفعلية، فحرصت على أن تكون مقراً لكل فصائل المقاومة الفلسطينية، وشريكاً أساسياً في الفعل المقاوم إن كان بتأمين الحماية للقادة، أم مركز تدريب وتأهيل، أم بالدعم العسكري الكبير لدرجة صناعة صواريخ خاصة لطبيعة غزة أو ممراً أساسياً لتهريبها إليها.

على الرغم من الصدمة الكبيرة التي تعرضت لها دمشق بانشقاق حماس خالد مشعل عنها، وتحولها إلى أحد أركان الحرب على سورياً بعد عام 2011، فإن رهان دمشق عليها بعودتها في يوم من الأيام لم يدفعها لقطع شعرة معاوية معها، بل أمدتها بصواريخ الكورنيت الروسية من مخازنها عام 2012، التي استخدمتها بالمواجهات الأخيرة، وبنفس الوقت كان هناك أطراف من الحركة على رأسهم محمد ضيف ويحي السنوار وصالح العاروري ومحمود الزهار رفضت الذهاب للمنحى الذي أخذه المكتب السياسي، والمراهنة على عودة غزة بقيادة حماس إلى العلاقة الصميمية مع دمشق.

كان لصمود دمشق بفعل صلابة قرارها وقرار الحلفاء المتشاركون في محور طهران دمشق، الدور الأساسي في إسقاط النظام السياسي الإخواني في مصر، بعد معركة تحرير القصير، ما دفع بالبنتاغون لحسم قرارة بالعودة لدعم القيادات العسكرية في قيادة مصر وتركيا، فنجحت في مصر بعد المظاهرات المليونية في 30 يونيو/حزيران 2013، وفشلت في انقلاب تركيا 2016، وبدأت صورة مستقبل المنطقة تتوضح أكثر بعد الدخول الروسي المباشر في الحرب السورية بالتنسيق مع طهران ودمشق، مع الانكفاء الأمريكي المستمر.

بقيت غزة هي القاعدة الوحيدة للمقاومة الفلسطينية في الداخل بعد انخراط السلطة الفلسطينية باتفاق أوسلوالذي أدى لتمدد الاستيطان الإسرائيلي بما تبقى من الضفة الغربية، رغم الانتفاضات الفلسطينة المتكررة، فتحولت إلى الرهان الوحيد لدى محور طهران دمشق لاستمرار الفلسطينيين بمقاومتهم، والتمدد نحو الداخل، فنجحت في المواجهات العسكرية 2009، 2012، 2014، وأخيراً في المواجهة الأخيرة التي امتدت على كامل مساحة فلسطين، إن كان بالاستهداف الصاروخي، أم بالمظاهرات والمواجهات المدنية مع الجيش الإسرائيلي وقواه الأمنية.

انعكس الإنجاز الكبير لغزة بقيادة كتائب عز الدين القسام ومعها بقية الفصائل على المشهد الإقليمي بأكمله، وعزز الأوراق لدى كل عواصم المحور وقواه العسكرية، وأبرز مدى هشاشة البناء الاجتماعي والسياسي للمجتمع الإسرائيلي، وعدم قدرته على تحمل مواجهات من المستوى المتوسط وأقل، فكان أكثر الرابحين بعد فلسطين هي دمشق التي صُبت مكاسب هذه الحرب في جعبتها كنتيجة لرهاناتها الصحيحة بأن من يربح المواجهة لأجل القضية الفلسطينية سيجني من ذلك خطوات كبيرة نحو عودة الدور الإقليمي الذي تصدَّع بعد الحرب على سوريا، وإن ما حصل هو خطوة كبيرة نحو تشكيل نظام إقليمي جديد، الدور الأساسي فيه للقوى التي واجهت العقوبات والمد التكفيري والمشاريع الغربية، بانتظار اليوم الذي ستعود فيها غزة كمدخل لبلاد الشام نحو وادي النيل الذي سيستعيد دوره بعد انفكاكه عن الاتفاقيات المبرمة مع الكيان الذي يشهد تآكلاً متسارعاً في دوره الإقليمي الوظيفي وتحوله إلى عبء على من أوجدوه ودعموه.