إنّ تاريخ بلادنا الحديث، وإن خرج من أرحامٍ عربية، إلا أنّه قد وُلد على أيدي أطبّاء أجانب وفي مشافٍ أجنبية. وهو منذ تلك اللحظة، في مواجهة سعي دائم لفصله عن أمّه. لا بدّ لهذا التاريخ أن يصمد أمام محاولات تغريبه، لكنّ هذا الصمود له أسبابٌ ومقدّمات، فالأرض نفسها لن تتمسّك بك ما لم تتمسّك بها أنت، ولهذا يجب أن نهتمّ بالأرشيف وبتدوين التاريخ الحقيقيّ. في اللحظة التي تمسح فيها ذاكرتك، سوف تفقد الأصل الذي تقارن به مسارك الحاليّ، أي أنّك ببساطة، سوف تفقد معاييرك.

يبذل "مركز أوال للدراسات والتوثيق" جهداً استثنائياً في هذا الميدان، إذ استطاع في مدة زمنيةٍ قصيرة نسبياً، أن يرفد المكتبة العربية بالعديد من المصادر والمراجع القيّمة، التي تُعنى بتاريخ البحرين، وتاريخ الجزيرة العربية، وقضايا المنطقة عموماً.

جزيرة "أوال" هي البحرين نفسها، هناك يتركّز جهد المركز، ومنها انطلق في بعض أعماله ليتناول تاريخ شبه الجزيرة العربية. أمّا عن سؤال، لماذا قد أهتمّ بمعرفة تاريخ البحرين وتاريخ جزيرة العرب، وأنا من الشام؟ مثلاً.. فهو سؤالٌ مرتبطٌ بشكلٍ وثيقٍ بما بدأت حديثي به، لا بدّ لهذا التاريخ أن يصمد أمام محاولات تغريبه. لم تكن حضاراتنا في يومٍ من الأيام حضارات جزر، خاصّةً نحن المشرقيّين، حيث أنّ الشرق، قبل الإسلام وبعده، وبمختلف مكوّناته، قد تشارك الكثير في أنماط حياته، كما تشارك أعداءه وأصدقاءه. ويمكن هنا، من خلال الإطلال على ما يقدّمه مركز أوال، فهم ماضينا وحاضرنا واستشراف مستقبلنا، جميعاً.  بريطانيا هي نفسها، سواءٌ في البحرين أو الحجاز أو العراق أو فلسطين، اختلفت أدواتها الاستعمارية باختلاف طبيعة البلد الذي قامت باحتلاله، لكنّه العقل المستكبر نفسه. فرنسا أيضاً، هي ليست نسخةً أخرى من بريطانيا، لكنّ كلاهما يمتلكان العقل الغربيّ الاستعماريّ ذاته. إنّ بلادنا ومنذ قرنٍ على الأقلّ، تتعرّض لعملية احتلالٍ ثقافيٍّ وحضاريٍّ ممنهج. و"الخندق"، أرادت تخصيص مقالٍ لتعريف جمهورها العزيز بمركز أوال، ليعرف ماذا يوجد بين يديه، وما هو قادرٌ على القيام به.

 

"أوال" المؤسسة:

ينقسم مركز أوال للدراسات والتوثيق إلى ثلاثة أقسام:

- قسم الأرشيف والتوثيق

- قسم ترجمة الوثائق البريطانية

- قسم  الدراسات والإصدارات

 

قسم الأرشيف والتوثيق

يقوم عمل هذا القسم بشكلٍ أساسيٍّ على التوثيق الالكترونيّ لما يصدر عن الصحف والمواقع البحرينية، وبالتالي، فإنّ أيّ حدثٍ وقع في البحرين، منذ إنشاء المركز على أقلّ تقدير، موثّقٌ ومتاح للجميع لدى هذا القسم. يؤمّن قسم التوثيق أيضاً محرّك بحثٍ يسهّل عملية استخراج البيانات والمساعدة في الاستفادة منها.

أمّا على صعيد الأرشيف، يعمل هذا القسم على تجميع الوثائق ومعالجتها وتصنيفها، وهو أيضاً متاحٌ للاستفادة. ونجد فيه مثلاً، ما يُسمّى "أرشيف الجدّات"، والجدّات هنّ السيدات اللواتي يُعلّمن القرآن وقراءة العزاء، ويمتلكن حضوراً بارزاً في المجتمع المحلّي، ويُطلق عليهنّ صفة "المُلّايات"، وقد صدر بناءً على هذا الأرشيف عدّة كتبٍ باتت متوفّرةً في مركز أوال. كما نجد في الأرشيف قصّة "طوّاش الدير"، وهو رجلٌ كان يعمل في صناعة اللؤلؤ التي كانت تشكّل جزءاً مهمّاً من حرفة البحرينيين. كما يقوم القسم بتوثيق سيرة أعلام البحرين، كسيرة الشيخ الجمريّ على سبيل المثال.

إضافة لكلّ ما سبق، أصدر المركز مجلّة "أرشيفو"، التي تقدّم أجزاء من الأرشيف المتوفّر بطريقة مختارةٍ بعناية وبإخراجٍ بصريٍّ مميّز. كما أنّ محتوى المجلة موجودٌ في مدونة "أرشيفو" على الموقع.

 

قسم ترجمة الوثائق البريطانية:

كان يفترض لهذا القسم أن يكون جزءاً من القسم السابق، أي قسم التوثيق والأرشيف، لكن تمّ تخصيصه بمسارٍ مستقلٍّ لأهميّته. وهذا القسم، كما يقول المدير التنفيذي لمركز أوال السيد محمد ناصر، قد نقل المركز إلى مستوىً أعلى. تم الحصول على هذه الوثائق من مصدرها الأم، مركز الأرشيف البريطاني، وتحوي مراسلاتٍ بين الحكومة البريطانية ومعتمديها في البحرين. تم إلى الآن ترجمة القسم الأول من الوثائق، وقد صدرت في ستّ مجلّداتٍ ضخمة، ويجري العمل على استكمال القسم الثاني. تكشف هذه الوثائق اهتمام البريطانيين بمعرفة الأرض والشعب، إذ كانوا يبحثون عن أدقّ التفاصيل ويحاولون فهمها واختيار الطريقة الأنسب للتعامل معها، من السكان للموارد للعلاقات الدولية الإقليمية، حتّى أنّم بحثوا في المهن التي يعتاش منها السكان كاستخراج اللؤلؤ. كما تتضمّن مراسلاتٍ وتقارير مفصّلة عن لقاءاتٍ وأحداثٍ وخطبٍ كان يلقيها المعتمدين السياسيين ومجموعة من الضباط والموفدين البريطانيين. والملفت أنّها تغطّي فترةً زمنيّةً طويلة، منذ العام 1820 لغاية العام 1971 أي العام الذي نالت فيه البحرين استقلالها.

 

قسم الدراسات والإصدارات:

تُصنّف إصدارات مركز أول تحت عدّة أبواب، فمنها ما أُعدّ باللغة العربية ومنها ما هو مترجم، إضافةً لمجموعةٍ من الإصدارات المشتقّة من الوثائق البريطانية المترجمة، جُمّعت وصُنّفت بحسب مواضيعها وقدّمت للقارئ بشكلٍ أقلّ تعقيداً وأكثر جذباً، فأصبح بذلك جزءاً من محتوى الوثائق قابلاً للمطالعة، إضافةً لكون الوثائق نفسها مادةً مرجعية. أمّا الكتب المترجمة، فهي ترجماتٌ لإصدارات أجنبية نوعيّة، تتناول قضايا الجزيرة العربية، ونذكر منها كتابين: "صراع الجماعات والتعبئة السياسية في البحرين والخليج" للكاتب البريطاني "جاستن لينغلت"، والكتاب هو رسالة دوكتوراه أعدّها الكاتب خلال إقامته في البحرين. هناك أيضاً كتاب "ما بعد الشيوخ" للكاتب البريطانيّ "كريستفور ديفيدسون"، الذي تنبأ فيه بسقوط الممالك الخليجية. أمّا الكتب العربية الأصلية، فتختلف في مواضيعها، هناك مثلاً كتابان للباحث البحريني الدكتور علي الديري يناقش فيهما فكرة "التوحّش" ومنشأ العقلية التكفيرية التي أنتجت داعش وأخواتها. كما صدر للكاتب نفسه كتابٌ بعنوان "من هو البحريني؟"، يعالج فيه مسألة الهوية الوطنية رداً على عمليّات إسقاط الجنسية التي ارتكبت وما زالت تُرتكب بحقّ المواطنين البحرينيّين. ضمن الكتب العربية أيضاً، نجد مجموعة إصداراتٍ توثّق تاريخ البحرين، مثل كتاب "قمر السنابس" الذي يدوّن سيرة البطل القومي "أحمد بن خميس"، وغيرها من الإصدارات التي تُعنى بحفظ التاريخ البحريني الحديث، ككتاب "حماة الباب الأخير"، الذي يوثّق حادثة محاصرة دار الشيخ عيسى قاسم والحاضنة الشعبية التي دافعت عنه مرتديةً أكفانها. ثم هناك ما يمكن تصنيفه بكتب السيرة الشفهية، وهو ما أشرنا إليه في البداية عندما تحدّثنا عن سيرة الجدّات.

 

علامة فارقة:

هذه هي "مؤسسة" أوال، حاولت قدر الإمكان التعريف بها، لكن يبقى أنّ ما يفعله هؤلاء الأشخاص، يفوق ما يمكن ذكره في مقالة. هناك جهدٌ نوعيٌّ لرفع مستوى جودة التوثيق والتدوين، وهناك جهدٌ إضافيٌّ يستحقّ أن نشير إليه؛ إنّ كلّ ما سوف تجد شعار "أوال" عليه، محاطٌ بالجمال. سواءٌ في أغلفة الكتب أو إخراجها الفنّي، أعدك بأنّك سوف تحمل كتاباً يفتح شهيّتك على القراءة. وهذا ليس ترفاً، مطلقاً، بل هذا ما يجب أن ينصبّ عليه اهتمام دور النشر العربية، فلا يمكن أن نشكو ليل نهار من أمّةٍ لا تقرأ، وأنا شخصياً لا أوافق على ذلك، دون أن نولي الناحية الجمالية ما تستحقّه من اهتمام.