بعيد الاجتياح الإسرائيلي لمدينة بيروت، وبعد حصار طويل صبت خلاله آلة الحرب الإسرائيلية حمم حقدها على الشطر الغربي للعاصمة، اتخذت منظمة التحرير الفلسطينية قرار الانسحاب من المدينة. يحكى أنه في الاجتماع الأخير لقيادات منظمة التحرير وقوى الحركة الوطنية التي كانت تقاتل في بيروت، قسمت تركات المقاومة الفلسطينية من مال وعتاد وآليات وغيرها على الحاضرين؛ فيما برز من بين الحضور شاب لم يبلغ العشرين حين طالب خليل الوزير (أبو جهاد) - أحد أبرز قيادات منظمة التحرير - بما بقي لديه من قنابل ومتفجرات فيما كان الآخرون يسعون للحصول على التركات الأكثر قيمة. قال "أبو جهاد" للحاضرين يومها مشيراً إلى "الشاب اليافع"، هذا وحده الذي سيكمل المقاومة.
تأسست حركة فتح في خمسينيات القرن المنصرم على يد ياسر عرفات وشخصيات فلسطينية أخرى، وقد كان لهذه الحركة الباع الأطول في قتال العدو الصهيوني منذ نشأة الصراع العربي الاسرائيلي. حيث تملك الحركة سجلاً مشرفاً من العمليات الفدائية التي قضت مضاجع الصهاينة في فلسطين المحتلة وفي مختلف أنحاء الكرة الأرضية.
حظيت حركة فتح بدعم غير مسبوق عربي وأممي وكانت تمتلك من المال والسلاح ما لم يسبق ولم يلحق لأي من حركات المقاومة امتلاكه، كما وكانت الحركة تحوي بين صفوفها قيادات رفيعة سطرت الكثير من الانجازات والابداعات العسكرية والأمنية في قتال العدو وكان لها الفضل الأكبر في تدريب الكوادر التي شكلت فيما بعد نواة القيادة في تنظيمات ناشئة أخرى، حيث تجد أن العديد من الشخصيات القيادية في حركات المقاومة الحالية كانت قد تأسست وتدربت في كنف حركة فتح أو منظمة التحرير.
بعد النكسة الكبرى التي تلقتها الحركة في اجتياح بيروت، وبعد تفرق وتشتت قيادتها في مختلف الدول، أسهمت فتح بشكل أساسي في تفجير الانتفاضتين الأولى والثانية في فلسطين المحتلة وقدمت خيرة شبابها في عمليات جهادية وأخرى فدائية لا سيما في الضفة الغربية المحتلة، وقد استمر نشاط الحركة حتى تسليم سلاحها في العام 2007 ورضوخها لشروط العدو الصهيوني والتخلي عن العمل المقاوم. كان لهذا القرار التأثير الأكبر على تمادي العدو في قضم الضفة الغربية والامعان في اذلال شعبها، فبعد أن سوق العدو فكرة الازدهار في مقابل التخلي عن المقاومة، وجد أبناء الضفة نفسهم عرضة للمزيد من عنجهية الاحتلال وغدره.
خلال الحرب الأخيرة - سيف القدس - برزت بعض المسيرات المسلحة في الضفة الغربية قامت بها مجموعات من كتائب شهداء الأقصى الجناح العسكري لفتح، كما قامت الكتائب ببعض عمليات القصف في غزة، فيما انبرى بضعة شبان منها للقيام بعمليات فردية في الداخل المحتل. لا شك في أن هذا الحجم من المشاركة على رغم من قيمته المعنوية لا يرقى الى التاريخ والحجم الجماهيري الفعلي لفتح؛ ولا شك أيضاً بأن الوضع في فلسطين المحتلة كان ليكون أصعب بكثير على المحتل لو أن فتح بثقلها كانت لا تزال قابضة على سلاحها ولم تتخلى عن ارادة القتال.
بعد اجتياح عام 1982 بأسابيع، قام "الشاب اليافع" عماد مغنية بتفجير مقر الحاكم العسكري الصهيوني في صور مستخدماً خبرته في فتح وبعض من متفجراتها، بعدها بسنوات أخرج القوات المتعددة الجنسيات من لبنان في نفس الطريقة، حتى حرر معظم الأراضي اللبنانية عام 2000 بنفس صلابة وارادة القتال التي أورثها بعد استشهاده لنجله،الشهيد فيما بعد، جهاد الذي قال يوماً في ذكرى والده :"نحنُ أبناء مدرسةٍ علّمتنا أن نعيش أحراراً، لا نستجدي أماناً من عدوٍ معتدٍ، بل نستعيدُ حقنا بدمائنا، المنذورة للعزة والموقوفة على الحرية وعلمتنا أنه إن لم تشهر سلاحك من جرحك الدامي صرت رقيقاً في سوقِ نخاسةٍ لا تعرف الرحمة".
في اللحظات الأخيرة للحسين (ع) قبل استشهاده وأثناء توديعه لابنته سكينة، قالت له حرصاً عليه وحباً له : "ردنا الى حرم جدنا"، فأجابها بكل صلابة: "هيهات لو ترك القطا لغفا ونام"؛ لعل الحسين (ع) أراد أن يعلمنا وفي أكثر اللحظات دقة وحساسية أن مقاومة الظالم فكرة لا تموت لكن ارادة القتال تصنعها الرجال.