تمهيد:

يأخذ الحديث عن التصوّف والعرفان ـ وسأستخدم هذين التعبيرين هنا بمعنى واحدٍ جامع ـ أهميّته في العصر الحديث، نظراً للموجة العالميّة المقْبِلَة على النزعة الصوفيّة والروحية، وكمثال بسيط على ذلك ازدياد نسبة زائري ضريح جلال الدين الرومي (672هـ) في قونية في تركيا خلال العقدين الأخيرين بشكل خيالي، من بضعة آلاف قليلة في السنة، إلى الملايين، وأغلبهم من الولايات المتّحدة الأميركية والصين وكوريا.

يتخذ النزوع الصوفي اليوم شكله المتنامي في الأوساط العربيّة والإسلاميّة أيضاً، وهو ما يُلفت نظر المتابع للدواعي والتشكّلات التي يتخذها هذا الوضع.

بدوري، سأقوم هنا بتقديم قراءتي للمشهد في رصد الدواعي والتشكّلات التي تبدو لي في الساحة الإسلاميّة والعربيّة، مع الإشارة مسبقاً إلى:

1 ـ إنّ ما سأذكره ليس محاولة لحصر الموقف في فروض محدّدة، بل تركيزُ النظر على فروض أساسيّة.

2 ـ إنّ ما سأذكره لا يمانع عن وجود تداخل فيه، بسبب تعدّد الدواعي وتواشجها أحياناً.

 

أوجهٌ أربعة للنزوع الصوفي المعاصر

يبدو لي وجود أوجه أربعة أساسيّة لهذا النزوع الصوفي الحديث في ساحتنا، وهي:

 

1 ـ تصوّف الروح أو التصوّف بوصفه تجربة روحيّة دينيّة

يميل فريق من النازعين نحو التصوّف في العصر الحديث لخوض تجارب روحيّة، فهذه التجارب بالنسبة إليهم في غاية الأهميّة لبناء الذات وتوسيع نطاق التجربة في الحياة. في تصوّف الروح لا يهدف المتصوّف بالضرورة إلى تحصيل معرفة من وراء تجربته الصوفيّة، لا من نوع العلم الحضوري ولا غيره، كما لا يهدف بالضرورة إلى جعل نزوعه الصوفي بمثابة ردّ فعل أو اتخاذ موقف من شيء ما يحيط به. كلّ ما في الأمر أنّ النفس البشريّة لديها جانب من طاقاتها يمكن أن نسمّيه:«الجانب الروحي» الراغب في خوض تجارب متعالية وسامية مع المطلق الإلهي، يجعل الإنسان يرتقي عن المحيط المادّي الذي هو فيه ويسمو في الروح وعالمها. هناك يجد حالات البسط والقبض والخوف والرجاء والحبّ والرهبة والرغبة والجذب والعشق وإحساس التلاشي والفناء في الله أو إحساس الوحدة معه، أو إحساس التعلّق التامّ به بوصفه مطلقاً لا متناهياً كما كان يسمّيه فريدريك شلايرماخر (1834هـ) وأمثاله، وغير ذلك.

هذا الانجذاب للتصوّف أو هذا الفهم له بات شائعاً اليوم في الوسط الديني المسيحي أكثر منه في الوسط الإسلامي الذي يضيف البُعد المعنوي الآتية الإشارة إليه.

 

2 ـ تصوّف المعرفة أو التصوّف بمثابة تجربة معرفيّة

هذا النزوع الصوفي هو السائد في التراث العرفاني الإسلامي، خاصّةً بعد ابن عربي (638هـ)، فالمتصوّف لا يريد فقط أن يخوض تجارب روحيّة من نوع المشاعر العميقة والأحاسيس والاختلاجات والتماوجات الباطنيّة، بل يقصد أيضاً للحصولعلى معرفة إضافيّة حول العالم والوجود والروح والحياة والمبدأ والمعاد.

هذا المتصوّف يطلب من تصوّفه أن يدرك الحقائق الكبرى، خاصّة بالعلم الحضوري الذي هو عنده أرقى أشكال العلوم وأكثرها يقيناً ودقّة. في هذا التصوّف نجد مخرَجات معرفيّة يصوغها العرفان النظري، ثم يلتقطها الدرس الفلسفي ليقوم بالتأمّل العقلي فيها؛ علّه يُخرج منها منظومة قابلة للتعقيل، كما فعلت الفلسفة الصدرائيّة مع تجارب العرفاء ومنجَزات الإشراقيّين.

هذا النوع من التصوّف ما زلنا نجده بقوّة في التيارات العرفانيّة الشيعيّة الرسميّة.

 

3 ـ تصوّف العلاج أو التصوّف بمثابة علاج من أزمات العصر

ثمّة تيار واسع الانتشار اليوم، ينظر إلى التصوّف، لا بمنظار معرفي ولا روحي ديني بالضرورة، بل يتعامل معه بمنظار كونه وسيلة للخلاص من أزمات العصر وضغوطات الحياة الماديّة. إنّ التصوّف يمنح الحياة معنى، ويخلّص الفرد من العدميّة والعبثية واليأس والوحشة والغربة،وكذلك العنف والصخب والضجيج والركض المتواصل والإجهاد التامّ وذوبان الفرد في المنظومات المتغوّلة الكبرى، وأمثال ذلك من أمّهات معضلات العصر الحديث.

ليس هذا المنظور مقتصراً على التصوّف، بل يتلقّى كثيرون اليوم الدّينَ نفسَه بهذا المنظار، بما يجعلهم يقرؤونه قراءةً صوفيّة خالصة.

التصوّف هنا وسيلة للخلاص من هموم العصر.إنّه تخلية كاملة، وبراغماتيّة أخلاقيّة من وجهة نظر أصحابها، وتفريغ للطاقات السلبيّة وتحميل للطاقات الإيجابيّة. إنّه كسبٌ للقوّة مقابل عواصف الحياة والمدنيّة الحديثة التي عرّت كلّ شيء، وغدا الفرد فيها "مشيَّئاً" لا إنساناً.

 

4 ـ تصوّف المواجهة أو الفرار

أعني بهذا النوع من التصوّف، ذلك التيار الذي يلجأ اليوم للتصوّف بهدف مواجهةِ ثلاثيّةٍ دينية حاكمة في المجتمعات المتديّنة، وهي ثلاثيّة: القراءة الفقهيّة، والقراءة التاريخيّة، والقراءة الكلاميّة. هذه القراءات الثلاث للدين، ينظر إليها الكثير من المتديّنين على أنّها بمثابة مشكلة قائمة، وأنّ أحد الحلول التي تحمي الدين هو الحلّ الصوفي، بمعنى تظهير النزعة الروحيّة في الدين وتعويمها؛ بهدف مواجهة النزعة الثلاثيّة المشار إليها، أو على الأقلّ بهدف تبرير الفرار والتخلّص من تلك النزعة، خاصّة النزعة الفقهيّة.

هنا بالضبط يظهر التصوّف المواجِه ـ أو الفارّ من ـ الإسلام السياسي، وهنا تماماً يكون التصوّف أحياناً محاولةً لتصفية قراءات أخرى وتيّارات أخرى، فهو ليس تجربةً فردية، بل يتحوّل قهراً هنا إلى تجربة مجتمعيّة يدخل حلبة الصراع في سياق الإصلاح الاجتماعي والسياسي العامّ.

التصوّف هنا مدرسةُ مواجَهَة داخل الدين، ومدرسةُ تحرير الدين من الكلام والتاريخ والشريعة، بالقدر الممكن لذلك. وهو بهذا تصوّف هرمنوطيقي أيضاً بمعنى أنّه تصوّف يريد إعادة قراءة نصوص الأديان التاريخيّة في سياق محوريّة الروح ومقصديّة المعنى ومركزيّة القيم ومرجعيّة الأخلاق.

هنا تماماً يترجّح في اللحظة عينها تصوّف المحبة لجلال الدين الرومي على تصوّف الخوف والرهبة لأبي حامد الغزالي (505هـ)؛ لأنّ المتصوّف الحديث أو العارف الحداثي يتوق إلى الحبّ والتسامح والرحمة والإنسانيّة والتواصل؛ لأنّه يعتبر أنّ نقيض هذه المفاهيم هو الذي يشكّل معضلة الفهم الفقهي والتاريخي والكلامي في العصر الحديث.

هذا الوجه للتصوّف هو الوجه الديني له، بينما يوجدوجهٌ آخر لتصوّف المواجهة والفرار، وهو التصوّف الذي يعلن النزعة المعنويّة والروحيّة بمثابة نهاية لعصر الأديان التاريخيّة. هنا تحلّ الأخلاق العلمانيّة محلّ الأخلاق الدينيّة، أو تحلّ الأخلاق الكانطيّة محلّ الأخلاق النصيّة، ويحلّ النزوع الروحي محلّ الدين التاريخي. هنا يمكن أن نسمّي هذا التصوّف تصوّفَ انسحاب الدين وتكريس خسارته لمواقع جديدة أمام مرجعيّات العصر الحديث الأخرى.

 

نتيجةٌ وتوصية

هذا العرض الموجز لبعض التيارات المتنوّعة في تلقّي التصوّف في عصرنا الحاضر وساحتنا المحيطة بنا، يفرض علينا الخروج بتوصية، وهي ضرورة التمييز ونحن نتحرّك نحو النزعة الروحيّة ـ وهو تحرّك دافعنا وندافع عنه ـ إلى أنّ هذا التحرّك ليس أحاديَّ الشكل، بل يمكن أن يقع ضمن قوالب أربعة متعدّدة في الغايات والمسارات وأحياناً في تعريف التصوّف نفسه، ومن ثمّ يمكن أن يصبح التصوّف نفسه أداةً سلطويّة لتصفيات سياسيّة أو اجتماعيّة معيّنة، ويمكن في الوقت عينه أن يكون أداةًلتحرير الإنسان من السلطات القاهرة. أيضاً يمكن للتصوّف أن ندافع عنه بوصفه منظومة روحية ومعنوية وعلاجيّة وهرمنوطيقيّة، لكنّ هذا لا يعني الدفاع عن التصوّف المعرفي إذا لم تُسعفه قراءة فلسفيّة؛ لأنّ التصوّف المعرفي المجرّد من القراءة الفلسفيّة والعلميّة يمكن أن يتحوّل إلى خرافات وأساطير مهيمنة على المجتمع ومكرّسة لتخلّفه..

النتيجة هو أنّنا نتعامل مع قضيّة متشابكة، ومن ثمّ علينا تحديد تعريفاتنا للمفردات، وتعيين تصوّراتنا للمسارات، حتى لا تتداخل فنقع في التباسات متعدّدة. وبواسطة عمليّة "التعريف والتعيين" يمكن لنا أن نأخذ العرفان والتصوّف الذي ننشده نحو مكانه الذي لا يستغلّه الآخرون من جهة أولى، ولا يُغرق الساحة في الخرافة من جهة ثانية، ولا يتحوّل إلى مجرّد نزاع سلطوي يُدخلنا فيما خَرَجنا منه به من جهة ثالثة، ويشارك في ارتقاء الإنسان ـ الفرد والجماعة ـ في الحياة من جهة رابعة، وهكذا.