يُنظر الى التعليم على أنه أحد وسائل تحقيق المساواة الإجتماعية والإقتصادية، وهو حقٌ من حقوق الإنسان، وعنصرٌ أساسي في كسر التفاوت في الثروة والسلطة والمعرفة بين الأغنياء والفقراء، والبابُ الأول الذي يحاول أن يدخله أبناء الطبقة الفقيرة للتغلب على واقعهم من خلال التزود  بالمعلومات المطلوبة لايجاد وعيٍ متقدم ٍ من جهة، ومهاراتٍ وفرص عملٍ منتجةٍ من جهة أخرى. لا خلاف على كلِّ هذا. ولكن كيف كان أثر جائحة كورونا (كوفيد-19) على التعليم في العالم وفي لبنان تحديداً؟

بحسب موجز "التعليم أثناء جائحة كوفيد-19 وما بعدها" الصادرِعن منظمةِ الأمم المتحدة، أوجدت جائحةُ  كورونا أكبرَ انقطاعٍ  في نظام التعليمِ في التاريخ، وهو ما تضرر منه نحو 1.6  مليار طالب في جميع القارات. وأثّرت في أكثر من 190 بلداً في جميع القارات. وبحلول منتصف نيسان/أبريل 2020، كان 94% من طالبي العلم على مستوى العالم قد تأثروا بالجائحة، وهو ما يمثل  1.58 مليار من الأطفال والشباب، من مرحلة ما قبل التعليم االبتدائي إلى التعليم العالي، في 200 بلد.
وأثرت عمليات إغلاق المدارس وغيرها على 94% من الطلاب في العالم، وهي نسبة  تصل إلى 99% في البلدان المنخفضةِ والمتوسطة  الدخل من الشريحة الدنيا.... وثمة خوف من أن تمتد الخسائر في التعليم في هذا الجيل لتمحو عقوداً من التقدم في مجالات ليس أقلها دعم فرص الفتيات والشابات في الالتحاق بالتعليم والبقاء فيه. وقد يتسرب من التعليم حوالي 8.23 مليون طفل وشاب من مرحلة ما قبل التعليم الابتدائي الى التعليم العالي (أو قد لا يتمكنون من الالتحاق بالمدارس في العام المقبل بسبب التأثير الاقتصادي للجائحة وحده). وبحسب أودري أزولاي، المديرة العامة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو): "للأسف، إن نطاق وسرعة الاضطرابات الحالية في التعليم لا مثيل لها، وإذا طال أمدُها يمكن أن تهدّدَ الحق في التعليم".
وتختلف القدرة على الاستجابة لإغلاق  المدارس اختلافاً هائلاً حسب مستوى التنمية: فعلى سبيل المثال، كان هناك 86% من الأطفال في التعليم الابتدائي خارج المدارس خلال الربع الثاني من عام  2020  في البلدان التي توجد بها مستويات متدنية للتنمية البشرية،  مقابل 20% فقط في البلدان التي توجد بها مستويات عالية جداً للتنمية البشرية.

في ظل هذه الأزمة العالمية للتعليم، ما كان أثرُ جائحةِ كورونا على التعليم في لبنان؟ وهل كان أثره مختلفاً بحسب مستوى الدخل؟ وهل يمكن أن تكون هذه الأزمةُ قد  ساهمت في زيادة الهوة بين الطبقات الاجتماعية اللبنانية المختلفة؟

بدايةً، لكي تنجح عملية التعليم عن بعد، لا بد لها من توفر عوامل عدة:
أولاً: أساتذة وطلاب متمرنون ومواكبون للبرامج التكنولوجية الحديثة في التواصل وفي صناعة المحتوى التعليمي. مهارات التعليم عن بعد تختلف عن مهارات التعليم المباشر، وقد تحتاج لتدريبٍ: من المحتوى التعليمي، الى طريقة جذب الطلاب وضبط الصف عن بعد، الى طرق التقييم الى كثيرٍ غيرها. علماً أن دخول الطلاب الى هذه المجالات كان أكثر سلاسة وسرعةً من دخول الأساتذة.

ثانياً: تجهيزاتٌ تقنية من  جهاز كومبيوترٍ خاص لكل فرد، شبكة كهرباء مستقرة، وشبكة انترنت وسريعة ويُعتمد عليها. والأفضل بحسب بعض الخبراء التربوين، وجود الطالب في غرفة مستقلة بحيث لا يعاني من التشويش من باقي أفراد عائلته أثناء متابعته للتعليم.

ومن البديهي القول أن كِلا العاملين متوفران بطرقٍ متفاوتة بحسب الوضع الاقتصادي. يعاني طلاب الطبقات الفقيرة من مشكلة في تأمين الأجهزة والكهرباء والانترنت والمساحة الخاصة، مقابل سهولة توفر ذلك في الطبقات الغنية. إضافةً إلى ضُعف إمكانيات المدارس الرسمية من حيث التدريب التكنولوجي للأساتذة وتأمين المتطلبات اللازمة.
لذلك، أًصبح التعليم عن بعد في لبنان، خصوصاً للطبقات الأكثر فقراً، شبه تحدٍ يومي يعيشه المدرسون والأهل والطلاب في الوقت نفسه، مع ما رافق لبنان من أزمة اقتصادية لا سابق لها.
ولعل ذلك ليس بعيداً عن الجو العام في بلدان مشابهة، ففي نيسان/أبريل، كشفت اليونسكو عن فجوات في التعلّم عن بُعد القائم على التكنولوجيا الرقمية، حيث أظهرت البيانات أن حوالي 830 مليون طالب لا يمكنهم الوصول إلى جهاز كمبيوتر.

نتيجةٌ لهذا، زادت الهوة في التعليم بين الطبقات الاجتماعية بفارق شاسع في لبنان:
وجدنا زيادةً كبيرةً في الهوة بين التعليم الخاص والعام. لمدة سنتين تقريباً كان طلاب المدارس الخاصة، مدارس الدرجة الأولى أقله، يتابعون تعليمهم عن بُعد بنفس الجودة والإتقان، كما قبل الأزمة. بل لعله كان سبباً إضافيا في اكتساب المزيد من المهارات التقنية والتكنولوجية، إضافة لمحتوى المنهج الرسمي.

مقابل هذا، في "مدارس الفقراء" لم يكن الوضع حتى قريباً من هذا. يعاني معظم تلاميذ هذه المدراس من مشكلةٍ لتأمين أبسط متطلبات التعليم عن بعد. معظمهم لا يملك جهاز كومبيوتر، بل عدد كبير منهم لا يملك حتى جهاز تلفون ويتشارك مع أخ أو أخت أو عدد اخوة جهازاً واحداً، إضافة الى مشكلةِ تأمين الكهرباء والانترنت وباقي التجهيزات الضرورية.

 لقد زادت جائحة كورونا من الهوة التعليمية بين الطبقات الاقتصادية في لبنان، بحيث تابع أبناء الطبقات الغنية تعليمهم بشكل ممتاز، بينما عانى عدد كبير جداً من الطبقة الفقيرة  من نقصٍ أو انقطاع تام عن التعليم طوال هذه الأزمة.

ستؤدي الأزمة نتيجة ذلك إلى نقص غير بسيطٍ أبداً في المعلومات والمهارات للطبقات الأكثر فقراً، كما ستؤدي إلى تسرب مدرسي بنسبة لا يُستهان بها، وضعف أكاديمي وعلمي يُتوارث عاماً بعد آخر. ستزيد الهوة التعليمية بين الطبقات الغنية والفقيرة، إلا إذا استُدرك ذلك بطرق ذكيةٍ وعمليةٍ (نستبعد ذلك في الوضع الاقتصادي الراهن للبنان والإداري) وسيكون أثرها لاحقأ، للأسف الشديد، ترسيخاً للهوة الاقتصادية -الاجتماعية والمعرفية بين طبقات الشعب اللبناني.