أولاً: ماهية المحكمة الجنائية الدولية
المحكمة الجنائية الدولية هي محكمة دائمة وهيئة دولية مستقلة عن منظمة الأمم المتحدة، وتمثّل أول هيئة قضائية دولية تحظى بولاية عالمية غير مقترنة بمدد زمنية مُسقطة، تهدف الى ملاحقة ومحاكمة مرتكبي الجرائم الدولية ومنع افلاتهم من العقاب.
تأسست المحكمة بموجب ميثاق روما عام 1998، كأول محكمة قادرة على محاكمة الأفراد المتهمين بالجرائم الأشد خطورة على البشريةوعلى المجتمع الدولي المتمثلة بـ: جرائم الحرب، جرائم الإبادة الجماعية، الجرائم ضد الإنسانية، وجرائم العدوان، وتلعب هذه المحكمة دور المُكمّل للأجهزة القضائية الموجودة، فهي لا تستطيع أن تقوم بدورها القضائي ما لم تبدي المحاكم الوطنية رغبتها أو كانت هذه الاخيرة غير قادرة على التحقيق أو الإدعاء ضد تلك القضايا، وبالتالي دورها مُكمّل للقضاء الوطني، وتقتصر قدرة المحكمة على النظر في الجرائم المرتكبة بعد 01 تموز/يوليو 2002 تاريخدخول نظامها الأساسسي حيز التنفيذ.


ثانياً: انضمام فلسطين إلى المحكمة الجنائية الدولية 
عام 2009، وغداة العدوان الإسرائيلي على غزة في عملية "الرصاص المصبوب"، شنّت فلسطين هجوماً دبلوماسياً مطالبةً الإعتراف بها  كدولة، وبقبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في الجرائم التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي؛ وتمثّل الطلب الفلسطيني الأول بالإعتراف بفسلطين كدولة انطلاقاً من أنه لا يحق إلا لدولة قائمة أن تصبح طرفاً في نظام روما الأساسي الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية.
عام 2011 أصبحت فلسطين دولة عضوة في منظمة اليونسكو، حيث باشرت مساعيها مع منظمةالأمم المتحدة لتصبح دولة عضوة فيها، وبعد أن جوبهت بالرفض من طرف الولايات المتحدة التي استخدمت حق النقض الفيتو لتعطيل ذلك، طلبت بأن تكون "دولة مراقبة"، أي أن تأخذ صفة دولة غير عضو في الأمم المتحدة، وهو ما كُلّل بالنجاح في تشرين الثاني/نوفمبر من العام 2012 بعد التصويت على القرار 67/19 من طرف الجمعية العامة للأمم المتحدة، ما أتاح لفلسطين بصفتها الجديدة إمكانية الإنضمام إلى المنظمات الدولية ومنها المحكمة الجنائية الدولية، وهذا ما حصل فعلًا بانضمام فلسطين إلى المحكمة الجنائية الدولية في العام 2015.
 
ثالثاً: اعلان المحكمة الجنائية الدولية ولايتها القضائية على الأراضي الفلسطينية 
بعد قرار الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل ونقل سفارة بلاده إلى القدس، جاء الرد الفلسطيني في بداية عام 2018 بإحالة الوضع في فلسطين إلى المحكمة الجنائية الدولية، والطلب من المدعية العامة "التحقيق بالجرائم التي حصلت، والتي تحصل حاليًا، والتي سوف تحصل في المستقبل، والتي هي ضمن اختصاص المحكمة".
في نهاية العام 2019، وبعد اجراء التحقيق التمهيدي الالزامي، أعلنت المدعية العامة في المحكمة الجنائية الدولية ضرورة التأكد من مدى تحقق الولاية الإقليمية للمحكمة على دولة فلسطين قبل البدء باجراءات التحقيق. وقد جاء ذلك على الرغم من أنه بمجرد موافقة المحكمة الجنائية على طلب انضمام فلسطين إلى نظام روما الأساسي يُعَدّ اقراراً بقانونية مكانتها كدولة وبالتالي الولاية الإقليمية للمحكمة عليها.
في 5 فبراير/ شباط 2021 أصدرت الدائرة التمهيدية الأولى في المحكمة الجنائية الدولية قرارها بشأن تحديد نطاق الولاية الإقليمية للمحكمة، حيث قررت بأن الاختصاص الإقليمي للمحكمة في فلسطين تمتد على كافة الأراضي التي تحتلها "إسرائيل" منذ عام 1967، أي غزة والضفة الغربية وبما في ذلك القدس الشرقية.


رابعاً: أهمية قرار المحكمة الجنائية الدولية وأثاره القانونية
يعتبر قرار المحكمة في حيثياته وثيقة قانونية وتاريخية مهمة جداً في القضية الفلسطينية، وتنبع الأهمية القانونية والتاريخية للقرار من كونه:
يدحض كافة الادعاءات والحجج الاسرائيلية التي تطعن في عضوية دولة فلسطين في المحكمة الجنائية الدولية، والتي تعتبر اجراءات دولة فلسطين لدى المحكمة تجاه الجرائم الإسرائيلية غير قانونية.
يسمح للدولة الفلسطينية تحت عنوان جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية مواجهة الهجمة الإستيطانية الإسرائيلية، بالخصوص ما يحصل مؤخراً في حيّ الشيخ جرّاح من محاولة لتهجير الفلسطينيين؛ على اعتبار أنه من مصاديق جرائم الحرب المنصوص عليها في المادة (8) من نظام روما قيام دولة الإحتلال على نحو مباشر أو غير مباشر بنقل أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأرض التي تحتلها، أو ابعاد أو نقل كل سكان الأرض المحتلة أو أجزاء منهم داخل هذه الأرض أو خارجها.وهذا ما ينطبق عليه أيضاً مفهومالجرائم ضد الإنسانية التي من مصاديقها ابعاد السكان أو النقل القسري للسكان الأصليين.
يؤكد على بطلان قرارات الضم والتهويد الاسرائيلية بما فيها قرار الاحتلال بضم مدينة القدس وفرض سيادته القانونية عليها واعلانها عاصمة موحدة لهم، لما يشكّله ذلك من جرائم حرب بحسب المادة(8)من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
يسمح للدولة الفلسطينية بملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية الإسرائيليين أمام المحكمة بدعاوى جرائم حرب وجرائم ابادة وجرائم ضد الإنسانية في أي بقعة ارتكبوها على الأراضي الفلسطينية المحتلة سواء في غزة او الضفة بما فيها القدس الشرقية.
يؤكد على انطباق اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949المتعلقة بحماية الجرحى والمرضى وأسرى الحرب والمدنيين وقت الحرب، على الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية.
يعطي للمحكمة الجنائية الدولية الصلاحيات الكاملة بمباشرة التحقيق في الجرائم الدولية المُرتكبة بحق الفلسطينيين على كامل الاراضي الفلسطينية المحتلة بغض النظر عن تصنيفات هذه الاراضي (اراضي 48، اراضي 67…)، على اعتبار انها بحسب القانون الدولي ما زالت برمتها تحت الاحتلال العسكري الاسرائيلي، وبلحاظ أن هذه الجرائم لا تسقط بمرور الزمن كما هو منصوص عليه في المادة (29) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
يمثّل هذا القرار خطوة أولى ومهمة في إحقاق العدالة الجنائية عالمياً، والتزاماً من المحكمة الجنائية بالمقاصد التي قامت لأجلها، وتحقيقاً لمبدأ الردع والمساءلة وضمان عدم إفلات مرتكبي الجرائم الدولية الإسرائيليين من العقاب مهما كانت الأسباب والظروف، ويشكل القرار ركيزة أساسية في حفظ السلم والأمن الدوليين.


خامساً: المعوقات أمام الفلسطينيين في استثمار قرار المحكمة الجنائية الدولية
من المتوقع أن ترفض إسرائيل التعاون مع المحكمة الجنائية في تحقيقاتها، كما رفضت قبل ذلك التعاون مع لجان التحقيق الدولية طوال سنوات احتلالها منذ عام 1967 حتى اليوم، إلا أنه ورغم عدم مصادقة "إسرائيل" على ميثاق روما فإن ذلك لا يُشكّل ملاذاً لها للتهرب من المسؤولية أمام المحكمة الجنائية الدولية، فنطاق عمل المحكمة يشمل الدول التي تقع الجرائم على أراضيها، ويُلاحق على هذا الأساس مُرتكب هذه الجرائم بغض النظر عن توقيع دولته على ميثاق روما، وسواء قبلت باختصاص المحكمة أم لا، وبالتالي تخضع لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية.
ولكن رغم أهمية هذا القرار بمفاعيله المختلفة، سيواجه الفلسطينيون عوائق كثيرة في مواجهة "اسرائيل" لدى المحكمة الجنائية الدولية، أبرزها:
- الضغوط السياسية والمالية والتلويح بالعقوبات التي ستمارسها الولايات المتحدة و"إسرائيل" على الفلسطينيين بالدرجة الأولى، وعلى الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية، وعلى أعضاء وكوادر المحكمة نفسها.
- دور مجلس الأمن الدولي الذي عادة ما ينحاز بضغط أميركي لمصلحة "إسرائيل"؛فالمادة (16) من نظام روما الاساسي تمنح صلاحيات واسعة لمجلس الأمن، بحيث تسمح له بإيقاف إجراءات التحقيق أو ارجاء النظر في الدعوى أو حتى تأجيل المحاكمة، ويمكن للمجلس الطلب من المدعي العام ارجاء التحقيق أو المحاكمة  في أي جريمة لمدة 12 شهراً قابلة للتجديد، الأمر الذي قد يؤثر على الأدلة وبالتالي على عمل المحكمة الجنائية الدولية.
- توقيع "إسرائيل" إتفاقيات ثنائية مع الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية تقوم على أساس عدم تسليم مرتكبي الجرائم للمحكمة الجنائية الدولية، بالإضافة إلى مبدأ الحصانة الذي قد تتذرع به "اسرائيل" والذي قد يأتي ضمن بنود الإتفاقيات الثنائية، على الرغم من تعارضه مع المادة (27) من نظام روما الأساسي.
- تذرع "إسرائيل" بمبدأ "السيادة الوطنية" من خلال اجراء تحقيقات ومحاكمات صورية لجنودها ومسؤوليها مرتكبي الجرائم الدولية، على قاعدة أن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية اختصاص مُكمّل للقضاء الوطني بحسب المادة (17) من نظامها الأساسي.
- عدم امكانية ملاحقة ومحاكمة مرتكبي الجرائم الدولية الإسرائليين أمام المحكمة الجنائية الدولية على جرائمهم ومجازرهم التي ارتُكبت قبل العام 2002 أي قبل تاريخ نفاذ نظام المحكمة، باستثناء الجرائم المستمرة كجريمة الإستيطان.


أخلص بالقول، إن صدور هذا القرار يعتبر انتصاراً قانونياً كبيراً للقضية الفلسطينية ولجميع الأحرار في العالم، وسيؤرَّخ تاريخ 5 شباط/فبراير 2021 كنقطة تحول في مسيرة العدالة الجنائية الدولية نحو انصاف الحق الفلسطيني ضد الجرائم التي ترتكبها القوات الإسرائيلية، وبداية مرحلة جديدة وجادة تضمن ملاحقة ومحاكمة مرتكبي الجرائم الدولية وعلى رأسهم المجرمين الإسرائليين، ولكن مع ذلك كله تبقى العبرة بالتطبيق امام العوائق الكبيرة الموجودة،ويبقى السؤال هل ستقف "اسرائيل" ومن خلفها الولايات المتحدة الاميركية مكتوفة الايدي وتسمح بنفاذ هذا القرار وبالتالي نجاح الفلسطينيين بملاحقتها ومقاضاتها؟