عندما طرح الرئيس بايدن خطته الاقتصادية في خطابه الأخير أمام الكونجرس، أشار في كلامه إلى بيانات لم تُعتبر عادية: "ما يقرب من 90% من وظائف البنية التحتية التي تم إنشاؤها في خطة الوظائف الأمريكية الجديدة لا تتطلب شهادة جامعية. 75% منها لا تتطلب درجة جامعية" قال بايدن. من الصعب أن نتخيل أن كلينتون أو أوباما يسلط الضوء على مثل هذه الحقيقة، ناهيك عن الترويج لها على أنها فائدة. لقد ركز الرجلان من قبلُ في جدول أعمالهما الاقتصادي على أن الوظائف منخفضة المهارة محكوم عليها بالزوال، إما بسبب الأتمتة أو المنافسة الاقتصادية العالمية. كانوا يعتقدون أن مفتاح استدامة دخول الطبقة المتوسطة هو تدريب المزيد من الأمريكيين على وظائف ذات رواتب أعلى في الصناعات المتقدمة. عزز هذا الاقتناع دعمهم لاتفاقيات التجارة الحرة مثل اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية، فترة كلينتون، وشراكة أوباما عبر المحيط الهادئ (التي لم تتحقق أبداً)، فصوروها على أنها رافعات لخلق مثل هذه الوظائف. أعلن كلينتون عندما وقع على اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية في عام 1993: "لا يمكننا إيقاف التغيير العالمي، يمكننا فقط تسخير الطاقة لمصلحتنا... يجب أن يتلقى كل عامل التعليم والتدريب الذي يحتاجه لجني ثمار المنافسة الدولية بدلاً من تحمل أعبائها". بعد أكثر من 20 عاماً، ردد أوباما صدى تلك التصريحات، لكن تحليل كلا الرئيسين أثار دائماً مقاومة شديدة من الجناح الأيسر للديمقراطيين.

منذ التسعينيات، أصر النقاد على أن دعاة التجارة الحرة في الحزب الديمقراطي قللوا من عدد وظائف التصنيع بسبب سياسات خفض الحواجز الجمركية. يسار الحزب بدوره كان رافضاً لما يسمى بفجوة المهارات كسبب لتفاوت الأجور. معهد السياسة الاقتصادية، وهو مؤسسة فكرية عمل فيها كل من برنشتاين وبوشيو جونز، اعتبر أن سياسات أوباما وكلينتون عبّرتا عن منهج سياسي يريد إضعاف العمال.

بحسب المعهد، لا يمكن لنظرية فجوة المهارات أن تأخذ في الحسبان اتجاهين رئيسيين: الحصة المتزايدة للدخل والثروة التي تتركز في 1% من المجتمع، والتباطؤ في نمو الأجور حتى بين خريجي الجامعات. روبرت رايش الذي شغل منصب وزير العمل في عهد كلينتون، عبّر عن تحول يصيب مركز ثقل الحزب الديمقراطي بالقول: في التسعينيات، كانت الإدارة تركز على التعليم باعتباره الحل السحري لمعالجة عدم المساواة الآخذة في الاتساع. كان هذا هو الحل. "ما تكسبه هو ما تتعلمه". ما غفلت عنه الإدارتين الديمقراطيتين من قبل هو أن المشاكل متأصلة في صلب هيكل تنظيم الأسواق وكيفية تقسيم العمل، وفي تغافلهما عن صعود الاحتكارات، والقوة غير العادية في أيدي عدد قليل نسبياً من الشركات".

من هنا يطل بايدن بمقاربته الاقتصادية الجديدة. مقاربة بايدن تبدو أقرب للجناح الليبرالي في الحزب الديمقراطي. الأخير ظل مستبعداً بنحو كبير خلال سنوات إدارتي كلينتون وأوباما. يقول روبرت رايش "هناك تغيير هائل، دراماتيكي حقاً". يتضح هذا التحول في التعيينات التي أجراها بايدن. هو همّش التيار المرتبط في وول ستريت داخل الحزب الديمقراطي (شخصيات حافظ أسلافه على وجودها في إداراتهم من مثل لورانس سامرز وتيم غيثنر). بايدن أكثر استعداداً لتخصيص المساعدات الحكومية للملونين. كلنتون وأوباما كانا أكثر ميلاً لتعزيز الوظائف ذات الأجور العالية والمهارات عالية التقنية. بايدن لديه تركيز مختلف؛ الائتمان الضريبي، وإعانات الرعاية الصحية الموسعة للطبقات الوسطى والفقيرة. هو يفعل ذلك بأغلبية ضئيلة في الكونجرس، وداخل دولة منقسمة بشدة.

منتقدو بايدن يقولون أنه يمكن لهذه المجموعة الواسعة من المبادرات الجديدة أن تثقل كاهل النظام السياسي وأن تزيد من ارتفاع التضخم. في قمة الاقتصاد المستقبلي في المحيط الأطلسي، أقرت وزيرة الخزانة جانيتي لين أنه بالنظر إلى زيادة الإنفاق التي اقترحها بايدن، قد تضطر أسعار الفائدة إلى الإرتفاع إلى حد ما للتأكد من أن اقتصادنا "لن يسخُن".

 

اقتصاديات بايدن الجديدة:

يفعل جو بايدن ما فعله خليفته. هو يضع مخططاً لـ"أميركا أولاً" منتهجاً سياسة اقتصادية تكاد تطيح بعقود عدة من السياسة الاقتصادية الليبيرالية للولايات المتحدة. مع تقرير البيت الأبيض المؤلف من 250 صفحة حول "مرونة سلسلة التوريد"، وموافقة مجلس الشيوخ الأميركي على مشروع قانون بقيمة 250 مليار دولار لتحصين الاقتصاد الأميركي في تنافسه مع الصين، يحاول بايدن وضع الولايات المتحدة على مسار جديد يعيد بناء الذات الاقتصادية الأميركية من خلال؛ الكفاءة، الابتكار، وتوزيع الريع الاقتصادي على نطاق أوسع بين الأميركيين.

 يعمل بايدن بجد – على ما يبدو – لإزالة الصدأ من حزام الصدأ والدخول في ثورة صناعية جديدة. ثمة حاجة إلى إعادة توجيه أهداف الاقتصاد وفق عناوين محددة ومضبوطة: تنشيط التصنيع، تسريع نشر التقنيات الخضراء، تحسين أمن التوريد والمرونة في القطاعات الحيوية، خلق وظائف جديدة، الحد من عدم المساواة الاقتصادية والعرقية، وأخيراً توزيع الثروة على كامل القوى المنتجة في الولايات المتحدة.

تقرير البيت الأبيض يذهب أبعد بتأكيده أن النموذج الأميركي للرأسمالية المطوَّر في عصر إلغاء القيود والتجارة الحرة صار ضاراً بالأميركيين. يقول ملخص البيت الأبيض: "الممارسات التجارية غير العادلة من قبل الدول المنافسة، والقطاع الخاص، أعطت الأولوية للعمالة منخفضة التكلفة، والإنتاج في الوقت المناسب، والدمج، فضلاً عن التركيز على العوائد قصيرة الأجل بدل الاستثمار طويل الأجل؛ هذه كلها أفرغت القاعدة الصناعية الأميركية، وسحبت الابتكار من الولايات المتحدة، وخنقت نمو الأجور والإنتاجية". يدعو مخطط بايدن الجديد إلى إعادة بناء القدرة الصناعية الأميركية باستخدام المشتريات الحكومية، والإعانات، والحوافز الأخرى لإعادة تحفيز الإنتاج. كما يدعو إلى تشجيع نوع مختلف من الرأسمالية؛ نوع يمنح الأمن والمرونة بالتوازي مع الكفاءة، ويرفع من نسبة القوة العاملة عالية الأجر، ويحفاظ على البيئة دون استغلال الموارد الطبيعية، ويولي أهمية لسلاسل التوريد المحلية على العالمية.

كان تشريع مجلس الشيوخ "قانون الابتكار والمنافسة الأميركي" الخطوة الأولى في وضع بعض هذه الأفكار موضع التنفيذ. يؤمّن مشروع القانون 52 مليار دولار لإعادة تأهيل الموصلات. كما يضخّ المليارات في مشاريع الأبحاث الجديدة في وزارة الطاقة ووكالة ناسا وحول تقنيات الـ5G والذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية، وتوسع تمويل التعليم الأكاديمي والتقني. يصرح مشروع القانون أيضاً بـ10 مليارات دولار لإنشاء مراكز تقنية إقليمية جديدة داخل الولايات المتحدة، ومن المرجح أن يكون العديد منها في ولايات الغرب الأوسط الصناعية حيث كان الثقل الانتخابي لترامب عام 2016. من المثير أن مشروع القانون حظي بدعم كبير من الحزبين، حيث فاز بأصوات 19 عضواً من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين.

 

الأولويات في العهدين الأميركيين الأخيرين:

منذ إنشاء منظمة التجارة العالمية عام 1995، التزمت الولايات المتحدة بقواعد النظام الليبرالي في الاقتصاد الدولي، وذلك من خلال إلغاء كل التعريفات والحصص والإعانات الحكومية للشركات. لقد رفعت أميركا، طيلة كل تلك السنوات، دعمها على الشركات ووصايتها، لتقرر الشركات أمكنةاستثماراتها في العالم، ومواقع التصنيع والأسواق التي ستبيع فيها سلعها وخدماتها. هكذا، عرف العصر النيو - ليبرالي نجاحاً هائلاً من نواح كثيرة. إذ ارتفعت التجارة العالمية، وشهدت "بلدان الجنوب" ذات الأجور المنخفضة فرصاً استثمارية ضخمة للشركات متعددة الجنسيات، كما جذبت أسواقها النمو بسرعة. فارتفاعت حصة البلدان النامية من "كعكة" الاقتصاد العالمي بشكل ملحوظ لأول مرة منذ الثورة الصناعية الأولى في القرن التاسع عشر. وظل الأمر على هذا النحو حتى أواخر عهد أوباما.

شكل الصعود السياسي لترامب، لحظة مفارقة في الخطاب الليبيرالي الأميركي الداخلي والدولي. قامت فكرة ترامب على أن "نخب الساحلين الشرقي والغربي في أميركا" التي تفاوضت على ترتيبات سياسات التجارة العالمية باعت الأميركيين العاديين بعيد الحرب الباردة، وقدمت مكاسب غير متوقعة للصين التي تجاهلت في كثير من الأحيان قواعد منظمة التجارة العالمية. كان لدى ترامب الكثير من الشواهد. لقد ساهمت "صدمة الصين" في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين والأزمة المالية في الفترة الممتدة بين 2008 - 2009 في خسارة الملايين من وظائف التصنيع في الولايات المتحدة، فتُرك العديد من الأميركيين للفقر. كانت وعود ترامب، قائمة على ضرورة استعادة وظائف التصنيع في الولايات المتحدة واتخاذ إجراءات صارمة ضد "غش الصين". لكنه ولأسباب كثيرة فشل في انتهاج سياسة واضحة المعالم.

تمثلت الإنجازات الرئيسية الوحيدة لترامب في خفض الضرائب الضخمة على الشركات. لكن ذلك لم يترك أثره في إعادة تحفيز الاستثمار التجاري في أميركا. أما الحرب التجارية مع الصين (حرب التعريفات الجمركية)، فقد أضرت في صغار المصنعين والمستهلكين الأميركيين ولم تفعل شيئاً يذكر لتغيير السلوك الصيني.

اليوم، يشارك بايدن العديد من قناعات ترامب بشأن الحاجة إلى استعادة التصنيع داخل الولايات المتحدة والوقوف بشكل أكثر فاعلية في مواجهة الصين. ولكن بدلاً من التخفيضات الضريبية للشركات والحرب التجارية الملتهبة، فقد طورت إدارة بايدن برنامجاً مفصلاً لبناء نوع مختلف من الاقتصاد. وكانت نقطة التحدي في البرنامج الجديد، هي مسألتا الصين وجائحة الكورونا. تعتقد الإدارة أن كلاهما أظهر خطر الاعتماد على سلاسل التوريد العالمية التي تسيطر عليها الشركات متعددة الجنسيات. وصفات البرنامج لناحية تخزين الأدوية والسلع الأخرى، وتقليل الاعتماد على الصين للعناصر الأرضية النادرة والمدخلات الهامة الأخرى، والاستثمار في البحث والتطوير، كلها يمكن اعتبارها تخطيطاً حكيماً في عصر أصبحت اضطرابات سلسلة التوريد أكثر شيوعاً.

 

مخاطر النهج الجديد:

تتمثل إحدى مزايا النظام الاقتصادي الدولي الليبرالي في أن الحكومات تركز على وضع القواعد لا إملاء النتائج. ومع ذلك، بمرور الوقت، طغت الاستثناءات (من الإعانات الأوروبية التي أدت إلى بناء كونسورتيوم إير باص إلى السياسات الصناعية الصينية التي تأسست "من أعلى إلى أسفل"، إلى عمليات الإنقاذ الخاصة بصناعة السيارات والقطاع المالي في الولايات المتحدة) على القواعد. إن التحديات الناشئة عن تغير المناخ والأوبئة، تبدو أقل استقطاباً لحلول القطاع الخاص. فبدون الحوافز أو العقوبات الحكومية، ستقلل الشركات من الاستثمار في معالجة المشكلات التي تتطلب تكاليف خاصة قصيرة الأجل لتحقيق مكاسب عامة طويلة الأجل.

لكن المعضلة تكمن في أنه كلما زادت مشاركة الحكومة في إدارة الاقتصاد بهذه الطريقة، كلما أصبحت أكثر عرضة للضغط من الصناعات التي تميل إلى الامتياز. أميركا بهذا المعنى ستدخل في طور إنتاج "لوبي" جديد صانع للسياسات، أو بكلمة أخرى، دولة عميقة جديدة قد تنتج من هذه الخيارات. سياسات بايدن بهذا المعنى تعيد إنتاج الدولة العميقة، من خلال استقدام قوى ضغط جديدة إلى ساحتها.