عند كل سؤال عن مستقبل الجمهورية الإسلاميّة، يستحضر ذهني دائماً كلمتين مهمّتين لسماحة السيد الخامنئي تُظهران مدى اطمئنان هذا الرجل للخط الذي تسير عليه إيران (ومعها الأمة الإسلاميّة). في الأول يجيب السيد على الشهيد خوش لفظ (وكان آنذاك جريحاً لا يزال يعاني من آثار ضربات صدام الكيماوية)، الذي طلب منه أن يقول شيئاً ليهدئ من روعه والحاضرين، إذ كان قلقاً عليه من التعب نتيجة تقصير وأخطاء المسؤولين في الجمهورية، فيشرع إجابته بقول: هدئوا من روعكم، هذه الأشياء التي ترونها هي أحداثٌ طبيعيّة تقع في سياق مسير صعب (وعر) نحو القمة. 

أماً كلامه الثاني فقاله في خلال خطاب له أمام الشورى العليا لـ"مركز النموذج الإسلامي الإيراني للتنمية"، حيث قال: إن الجمهورية الإسلامية تقع في مسير نحو تأسيس الحضارة الإسلامية، وإن هذا المسير مؤلف من خمس مراحل (الثورة الإسلامية، والنظام الإسلامي، والدولة الإسلامية، والمجتمع الإسلامي، ثم الحضارة الإسلامية)، وقد طوت الجمهورية الإسلامية في إيران مرحلتين منه وهي الآن في مرحلة تحقيق الدولة الإسلامية، وإن لم تتحقق كل مراحل هذه المرحلة فلن تستطع إيران استئناف المسير نحو المجتمع الإسلامي.

حسناً، إيران قوة إقليمية لا شكّ في ذلك، لكن ما هي الأهداف التي تريد تحقيقها إيران في المنطقة؟ ببساطة إيران، ومنذ بداية الثورة، حملت هدف طرد الهيمنة الأجنبيّة من المنطقة. أقول هيمنة، لا الإمبرياليّة، وأقول أجنبيّة وليس فقط الغربيّة. ليس من مصلحة لإيران في إيجاد حالة من العداء مع شعوب المنطقة وهي الدولة "الشيعية" الوحيدة وسط محيط "سني". خاصة وأنها من حيث موقعها تربطها وحدة مصير مع هذه الشعوب التي ترزخ تحت وطأة الهيمنة الأجنبية. فإذا ما كان من المقرّر للمنطقة تحقيق الاستقلال يتحتم عليها السعي لطرد هذه الهيمنة وتأمين استقلال هذه الشعوب عبر المقاومة. 

تعود مقاومة هذه الهيمنة من حيث المستويات والأدوات إلى المستويات التي يعمل عليها المهيمِن لتثبيت قدرته في المنطقة، ويمكن تقسيمها بالمجمل إلى عسكرية، ثقافية، اقتصادية، إعلامية، وسياسية. والنظر إلى الأوضاع الراهنة للمنطقة والتجربة السابقة للهيمنة يوصلنا إلى النتيجة التالية: المقاومة عبرت حدَّ الخطر الوجودي الذي يمثّله "الحل" العسكري، ما أجبر العدو على إعادة التموضع واللجوء إلى الأساليب الأخرى، وأولها الاقتصاد. أقول هذا لأعبر إلى إيران خلال عهد الرئيس روحاني، الذي ورغم تمسكه بمبادئ الثورة، عجز عن تثبيت دعائم الاقتصاد المقاوم في الجمهورية.

في ظل غياب الرقابة الداخلية الكافية على مستوى الخصخصة، والاستيراد والمستوردين، دخلت البضائع الأجنبية إلى الداخل الإيراني وخرجت رؤوس أموال بمليارات من الدولارات من إيران. تفاقمت المشكلة بعدم قدرة الصناعة الداخلية على المنافسة، ما أدى إلى إغلاق الآلاف من المصانع وتضرر الصناعات والزراعة المحلية. ولا ننسى أن عدم إقرار نظام لتحويل الأموال بين أمريكا وإيران فاقم المشكلة، فلم تحصِّل الجمهورية الفائدة المرجوة من الاتفاق النووي. هذا وتراجعت العملة الوطنية في فترة عيد النيروز 2018، ما أدى إلى تدخل الدولة لتثبيت سعر الصرف عند الـ4200 تومان للدولار الواحد، ما سبّب أزمة في الداخل، سيّما مع قرار ترامب الانسحاب من الاتفاق في أيار 2018، ما أدى إلى توجه الكثير من أصحاب الأموال لنقل أموالهم إلى الخارج؛ خاصة دبي.

في تلك الفترة، وفي ظل الأزمة التي عصفت في الداخل والضرر الذي لحق بالصناعة الوطنية، كان من المفترض أن تتوجه الدولة لاستخدام رؤوس الأموال لديها من أجل دعم الصناعات الداخلية، لكنها اعتمدت الحل المقابل، وهو تفضيل الاستهلاك على الإنتاج، داعمة المستوردين (أصحاب التأثير الكبير)، الأمر الذي فاقم الأزمة، وعزز موقع هؤلاء الذين أشار إليهم السيد الخامنئي إبان الانتخابات الحالية بـ"مافيا الاستيراد". 

باختصار، بنى الرئيس روحاني مشروعه في أعوامه الثمانية على الاتفاق النووي، الرفاهية، والعلاقة مع الغرب، ولم يجن أي فائدة منها، بل أفقد الكثير من الإيرانيين الأمل بالوصول إلى الاقتدار الذي لطالما تمنّوه، ما يفسر نسبة التصويت المتدنية في هذه الانتخابات (عدا عن الدور المهول الذي لعبه الإعلام الأجنبي في ثنيه الناس عن الحضور إلى صناديق الاقتراع والانتخاب، الأمر الذي لمسناه في الانتخابات النيابية الماضية).

 

ما المتوقّع من الرئيس المنتخب، السيد رئيسي؟

بعد انتخابات الرئاسية التي خاضها رئيسي عام 2017، عيّن السيد ابراهيم رئيسي بتوصية من السيد الخامنئي في منصب رئيس السلطة القضائية في آذار 2019، حيث خلف آية الله آملي لاريجاني الذي عيِّنَ في منصب رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام. مر عامان على تعيينه في هذا المنصب، استطاع فيهما رئيسي إيجاد نقلة نوعيّة في السلطة القضائية، صارفاً قضاةَ ومحامين فاسدين، ملاحقاً المحتكرين، والتجار المتهرّبين من دفع أموال الضرائب. ولعلّ أبرز القضايا التي تابعها تمثلت بمحاكمة أكبر طبري (معاون آية الله آملي لاريجاني) الذي رعى الفساد في السلطة القضائية، فضلاً عن محاكمة "سلاطين" الاحتكار، والمقرّبين من الوجوه السياسيّة البارزة في البلاد الذين أساؤوا استخدام وظائف أقاربهم لتحقيق مآربهم الشخصية. 

استطاع رئيسي من خلال عمله في السلطة القضائية تحقيق الكثير من الشعبية، ما أمّن له قاعدة شعبيّة صلبة لهذه الانتخابات. رئيسي اعتبر خوضه هذا السباق "ليس إلا من أجل مكافحة الفساد الذي يجب أن يحصل انطلاقاً من السلطة التنفيذية". فمشكلة البلد ليست مشكلة اقتصادية في الأصل بل هي مشكلة إدارية، وتحتاج لمن يستطيع إدارة الدولة وتثبيت دعائم الشفافية ومكافحة الفساد ودعم الصناعة الداخلية، الأمر الذي لم تنجح به إدارة الرئيس روحاني.

أما على صعيد المنطقة، فنهج الاقتصاد المقاوم وضرورات المرحلة في الإقليم يحتمان على رئيسي السعي نحو كف يد الهيمنة الغربية على اقتصادات هذا الإقليم، ما يعني أن على جبهة المقاومة التحرك نحو صنع قوة اقتصادية مترابطة، أقلّه على صعيد العراق وسوريا في المرحلة الأولى، إذ البنية التحتية لهكذا عمل متوفرة والأمر ليس صعب المنال، خاصة وأن المبادرات الفردية على هذا الصعيد قد شرعت منذ زمن ليس ببعيد. 

بالطبع، لن يكون الأمر سهلاً للجمهورية، إذ سيترجَم نهوضها الاقتصادي عمليّاً بصعود لجبهة المقاومة في المنطقة وأفول للهيمنة الغربية وخوفاً للأنظمة المتعاونة معها. القلق هنا هو من سعيهم لضرب هذه المحاولات عبر تنافس اقتصادي موازٍ، كما ورفع مستوى العلاقات مع العدو الإسرائيلي، وازدياد وتيرة العمليات الأمنية لضرب الأمن الداخلي في هذه البلاد، وخاصة الداخل الإيراني. عنوان المرحلة القادمة عند العدو هو ببساطة: يجب أن يفشل رئيسي. يجب أن يفشل في الملف الاقتصادي، يجب أن يظهر عجزه في الداخل، وتصويره على أنه المسؤول عن خراب البلاد.  

"هدئوا من روعكم، هذه الأشياء التي ترونها هي أحداثٌ طبيعيّة تقع في سياق مسير صعب (وعر) نحو القمّة".