يقول الأستاذ أحمد أمين في مستهل بحثه "الصعلكة والفتوة في الإسلام" أن لكل كلمة تاريخ يشبه تاريخ البلاد، وتاريخ النظم السياسية، وتاريخ الأشخاص، وتاريخ الكلمات قد يكون معقدا ملتويا غامضا كما يحدث في غيره من أنواع التاريخ. ومع نهاية بحثه الممتع نتعرف على مآلات "الفتوة والصعلكة"، وكيف جردهما الزمن وتقلبات الأحوال من مضمونهما الجيد الخيّر وانتهى بهما الحال في زماننا هذا إلى كلمات مرادفة لأفعال مشينة لا علاقة لها بالمدلول اللفظي القديم. لكننا كثيرا ما نهرب من سطوع الواقع إلى ظلال الماضي أو أوهام الحاضر كنوع من حسن الظن الذي يتحلى به قليل الحيلة!

لـ"شيخ المنسر"[1] في مخيالنا - الريفي على وجه الخصوص - مرادفات كثيرة ("عم الرجال"، الشهم، الشجاع، صاحب الإنسانية والمروءة - وهو في حقيقة الأمر زعيم لمجموعة لصوص وقطاع طرق) وليس عجيباً أن يتحلق حول شيخ المنسر رجل دين يشرعن وجوده، أو مثقف يلوي عنق الوقائع والحقائق، أو متسول، أو طامع في عمل، أو حتى من يريد الاقتراب من أي مصدر قوة  لتعويض نقص ظنا منه إنه بذلك يتميز عن محيطه البائس. الخاضع لسطوة شيخ المنسر، الذي يزدلفه ويتودد إليه ظناً أن مخاطبة الجانب الإنساني من شخصية شيخ المنسر كفيل باستدرار عطفه وعدله، هذا ببساطة مُغفل، أو ضعيف، أو ساذج، أو يتعمد تضليل من حوله لتختلط عليهم الأمور! ذلك لأنه يوقن أن كل ما يحدث من مظالم إنما هو بتدبير شيخ المنسر وتخطيطه وبعد موافقته! لذلك أنا دائماً ضد فكرة رائجة تسمى "القدرة على مخاطبة الغرب وشرح قضايانا"! كمثال على ذلك ما حدث بالتزامن مع جولة الحرب الأخيرة على غزة وأحياء القدس، فبينما يقصفنا العدو بتواطؤ "المجتمع الدولي" وصمته وربما مباركته، ذهب بعضنا لمخاطبة وجدانه وإنسانية بشعار "حياة الفلسطينيين مهمة"! على الهامش، بل لعله متن، العبارات والكلمات وطريقة صياغتها وترديدها في مثل هذه السياقات له مفعول السم في الجسد، استخدام مثل هذه الكلمات يترك انطباعا بأن الفلسطينيين مجرد أقلية طائفية أو عرقية يُخشى عليها الانقراض، وكأنهم ليسوا أصحاب حق وأرض! أو عندما نسمي صراعنا مع العدو وحربنا ضده بـ"القضية"، أي قضية؟! القضايا تفصل فيها المحاكم، والقوانين يصيغها الأقوى، الذي سيكون علينا الرضوخ لحكم محكمته، أما الحرب والصراع فيخضعا فقط لإرادة صاحب الحق وإيمانه بحقه حتى لو طال زمن الهزيمة. وغير بعيد، "الجزيرة" توقفت تقريباً عن استخدام توصيف "جيش الاحتلال" في الإشارة لقوات العدو، بل تقول "الجيش الاسرائيلي"!، وعن التغطية الإعلامية المؤسساتية أو الفردية عبر التواصل الاجتماعي حديث آخر يطول، لكن يمكن التوقف سريعا عند مسألة تسليط الضوء على خسائرنا وتضخيمها وعدم فعل ذلك مع خسائر العدو، أو الإفراط في استخدام مفردات مثل مجازر ومذابح، بل يصل الأمر بالبعض ومنهم فلسطينيين إلى الإفراط في استخدام توصيفات كـ"الإبادة الجماعية" ــ لو أن الرفيق ستالين يعلم أنه سيأتي اليوم الذي تستخدم فيه "إبادة جماعية" لوصف غارة خلفت شهيدين وبعض الركام، لحاكم القائل وأعدمه بتهمة إهانة مفردات الحروب وخفض الروح المعنوية للشعب!

هذا الغرب الذي تخاطب انسانيته يمنع ويعرقل أي اقتراحات أو أفكار أو قوانين لوقف عربدة العدو ويغطي جرائمه، بل ويعطيه كل الوقت لقتلنا وتدمير بلادنا. هذا الغرب القاتل اللص(شيخ المنسر) ليس بحاجة لتسليط الضوء على  مآس من صنعه، فشيخ المنسر سيمارس ساديته بينما يصيخ السمع لمظالمنا ويشاهد دموعنا وانبطاحنا. شيخ المنسر لا يفهم ولن يفهم إلا القوة. شماشرجية شيخ المنسر من كافة الأطياف ليسوا في المضمون إلا مرتزقة وشركاء في الجرائم. الغرب وثكنته العسكرية والخونة من بني جلدتنا لن يجدي معهم إلا القوة والقتال.

إلى محبي النواح والعويل: نحن نموت يومياً بالمجان، يكفي أن ترى حوادث الإهمال في مصر أو العراق لتدرك ذلك، حريق بمشفى أو تصادم قطارين يذهب بأكثر من حصيلة قصف لمدة أسبوع، لكن يبدو أن البعض ينسى أننا في حرب طويلة الأمد، ومن كُتبت عليه الحروب أو كان خلاصه من خلالها ليس كمن استكان وآمن بعدوه وسلم له واختار الإمارات كنموذج ونمط حياة وطريقة عيش، وقد يكون من سكان غزة! الفلسطينيون ليسوا بحاجة لشق الجيوب أو لطم الخدود، ليسوا بحاجة لتسول عطف الغرب عبر نداءات و"هاشتاغات" بلغته، أو بكلمات رنانة فارغة المضمون تخطتها الوقائع وبدلت معانيها، بل هم بحاجة لتشجيع ومؤازرة، بحاجة أن نعري شيخ المنسر ونفضح جرمه، لا أن نستجديه، فحياة الفلسطينيين ليست مهمة بالنسبة إليه.

 

[1]  شيخ المنسر: مصطلح مصري أصيل يشار به على الدوام  إلى الشخص الأكثر إجراماً، والمنسر هو الفعل الذي يأتيه النسر بمنقاره عندما يخطف شيء ما. و"مناسر الحرامية" هى جماعة من المجتمع اشتد سطوها في الأزمات والمحن أثناء غياب الأمن. مع مرور الزمن تم استبدال حرف "س" بـ"ص"، لتصبح شيخ منصر لتكون دلالة الغرض منها الإشارة إلى إنسان لا يعرف سوى الإجرام والفساد أينما حل.