"نحن نعيش في عالم حيث الطبيب يدمر الصحة والمحامي يدمر العداله والجامعه تدمر المعرفة والصحافه تدمر المعلومة والبنوك تدمر الاقتصاد؛ طالما النظام فاسد فبلا شك نحن فاسدون"

كريس هيدجز – بتصرف

***

لقد وجد ساسة لبنان في شعار "كلن يعني كلن" الخلاص والنجدة، بل لعلهم وجدوا فيه ما هو أكثر؛ المزايدة على الناس واتهامهم بالفساد .. أي والله! أما على المستوى الأقل، فقد وجد البعض في الشعار فرصة للتطهر - ربما من ذنوب لم يقترفها! والبعض الآخر يتبناه ويردده فقط بدوافع نفسية تخيل لمردد أي شعار أنه خارج دائرة المرفوع ضدهم. فعندما تردد "كلن يعني كلن" أنت تخرج ذاتك (صاحبة الخطاب) من دائرة الشك وتقنع نفسك أنك أعلى من الشبهات، والأهم، إنك متميز وثوري أكثر من ابن طائفتك أو جارك أو زميلك بالعمل ــ إحدى الثائرات قالت عبر nbn إنها خرجت ضد الشعب لأنه فاسد ويتكدس أمام محطات الوقود! عند هذا الحد نجد الأمور قد وصلت إلى العبث والهزل، فتتحول الأفكار والشعارات إلى كلمات تعدم المعنى، فارغة من المضمون، غير قابلة للحياة أو للبناء عليها. يحضرني قول الدكتور زكي نجيب محمود في كتابه هموم المثقفين: "أصبحت الحقائق مرهونة بطرائق تطبيقها، فإذا زعم لنا اليوم زاعم بأن لديه فكرة أو أفكارا ليست مما يصلح للتطبيق العملي .. فاعلم أن ما لديه لا ينتمي إلى دنيا الفكر كما أصبح العالم يتصوره. ونحن إذ نقول أن الفعل والتطبيق والتنفيذ والتغيير من حولنا، له الأولوية على التأمل السكوني، فكأننا قلنا أن الإرادة قد أصبح لها الأولوية على التفكير الذهني الذي لا يحرك شيئا من مكانه، بل إن عملية التفكير نفسها قد أخذت هذا المعنى الجديد. وهو أن التفكير ليس إلا مجموعة الإجراءات العملية التي نحقق بها شيئا في دنيا الواقع، فإذا لم تكن ثمة إجراءات من هذا القبيل، لم يكن ثمة تفكير بالمعنى الذي يريده عصرنا بثقافته التي شكلتها من بعض وجوهها نظرية التطور".

ولذلك تجد كل الصخب اللبناني منذ عامين أقرب إلى "التأمل السكوني" لأنه بلا محصلة عملية تُذكر.

أبرز معلمين للفساد في لبنان هما فساد الفكرة (فكرة لبنان) وفساد التصور (تصور اللبنانين عن أنفسهم وعن أحوالهم وعن إمكانية التغيير). يُرجع البعض بؤس الوضع اللبناني إلى قرار تدشين "لبنان الكبير" والبعض الآخر إلى فترة نظام "القائم مقاميتين"؛ لكن ذلك وغيره بظني مجرد تجليات للفكرة الرئيسية التي دفعت كل سكان هذه البقعة المسماة اليوم بلبنان إلى المجيء إليها، أو بالأحرى الهرب إليها! قبل قرون طويلة كانت تفر الأقليات بمعتقداتها وأرواحها من بطش الحكام، وكانت الملاذات دائماً في مناطق منعزلة وبعيدة عن العيون، ليس لأنهم بذلك بعيدين عن أيدي السلطة، بل الأهم، هو أن يرسخ الاعتقاد لدى السلطة أن هؤلاء لن يمثلوا أي إزعاج من مواقعهم الجديدة. وبذلك وعبر الزمن تشكلت، واستقرت، في جبال الساحل السوري فسيفساء طائفية ومذهبية. بمرور الأيام وتعاقب السلطات بدأ الانتقال من موقع الخائف إلى موقع المتمرد، وداخلياً، من حسن الجوار إلى التنافس والاقتتال على النفوذ والسيطرة ــ تماماً كأن تلجأ إلى بقعة جغرافية تعتصم به وتحولها إلى غيتو عقائدي ونفسي، لكنك بالوقت ذاته تريد الانفتاح على العالم كمتحدث باسم غيتوهات مجاورة لك! هنا تحديداً يكمن فساد الفكرة؛ لأنك لو دققت في مكمن الخلل اللبناني ستجده حول هذه النقطة: من يمثل من ويتحدث باسمه؟ فالجميع في لبنان ينظرون إلى أنفسهم كأقليات مضطهدة منبوذة لتميزها وتفردها. بل وفي التعامل معهم والاقتراب منهم شرف وحظوة ــ وهنيئا لمن له مرقد عنزة في جبل لبنان!

***

 

"المسألة مش مسألة كره المشايخ. ليش، نحنا ما منعرفش إنو في بين الأهالي  أرذل من المشايخ؟ وبين جماعتنا متل ما في عند غيرنا! بس وجود بعض ناس أوادم فيهم وبعض أرديا فينا ما بيبطل الحق إن الحكم يكون للأهالي. مش معقول أبداً ولا هو إنصاف إنه عيلة واحدة تحكم البلاد بكاملها. إذا كان الشيخ آدمي وأساس الحكم ظالم؛ كيف ممكن العدل يشمل البشر؟ هيدا مش معقول ولا ممكن!"

طانيوس شاهين

***

لم يكن هذا الكلام موجه ضد زعماء طوائف أخرى، بل كان ضد مشايخ آل الخازن في كسروان. كان طانيوس شاهين "ثورياً ديمقراطياً"، كان الرجل يؤمن بقيمة العدل ويحارب من أجل ذلك، معني بهموم الناس ومشاكلهم، حشد الفلاحين وحرضهم على الثورة وقادهم إلى تحقيق أهدافهم. تغنت السيدات بأفعاله وبطولاته مرددات هذا الارتجال الشعري:

يا بيكنا يا ريفوني .. يابو سيوف مسنوني

ببكافيا ماتوا جوع .. والفلاح مكفي موني

مثلت ثورة طانيوس شاهين ومن معه على البيت الخازني خطرا تهدد جميع المشايخ والزعماء والأمراء من كافة الطوائف. لدرجة استدعت تدخل أطراف أخرى للتهدئة والوصول إلى تسوية مفادها ألا يموت الذئب ولا يفني الغنم!

وبعد وساطات البطريرك والمطارنة والقنصل الفرنسي وتحركات زعامات الطوائف الأخرى توصلوا إلى أن يتكون الحكم من رأسين: قعدان الخازن ممثلا للإقطاع، وطانيوس شاهين عن الفلاحين. إذن يبدو التغيير ممكنا وهذه التجربة تحضنا على التفاؤل. لا، جاء عام 1860 حاملاً معه رياح الحرب والاقتتال بين الدروز والمسيحيين، وإذ بهذا الثوري الديمقراطي يجمع أتباعه من الفلاحين ويخوض غمار الحرب الأهلية الطائفية. هكذا ببساطة لأنه محمل بميراث ورواسب لم يميتهم تفكيره التقدمي أو ثوريته. فلعقلية الغيتو أحكام أخرى!

 

***

"أعلن كل خطاياي أمام الملأ لعلى أتطهر منها. أنا مثال للمحامى الفاسد بل أكثر فساداً مما يعرفه أستاذى.. أنا ابن هذه المرحلة والمرحلة التى سبقت. كلنا فاسدون. كلنا فاسدون. لا أستثنى أحداً حتى بالصمت العاجز الموافق قليل الحيلة"

بشير الديك، أداء أحمد زكي، فيلم ضد الحكومة

***

حادث قطار مثل غيره، ومن البداية نعرف أن سائق الحافلة التي اصطدم بها القطار يتعاطى المخدرات؛ القضية إذا محسومة، والخطأ عند السائق. فلماذا كل هذه القصة وهذا التسلسل الدرامي الذي وصل بنا إلى مطالبة المحامي بمثول المسئول الحقيقي عن هذا الحادث أمام العدالة؟ بل لماذا جاء اسم الفيلم على هذا النحو: "ضد الحكومة"؟!

لعل في في اختيار القطار رمزية ودلالة، فالقطار ينطلق من مكان ما محدد، وقد فهمنا من رسائل الفيلم واسقاطاته وما بين سطوره، والذي أكده الكاتب على لسان المحامي في مرافعته أن النقد موجه لأنظمة الحكم المتتالية منذ 1952، والاصطدام هو محصلة الرحلة منذ انطلاقها.. ومع ذلك انطوت المرافعة على التمييز بين كل مرحلة وأخرى، وأنهم غير متساويين في الأخطاء والخطايا. لماذا لم يتعامل صناع الفيلم على الطريقة اللبنانية «كلن يعني كلن» واكتفوا بتوزيع اتهامات الفساد على الجميع ولم يوجهوا صرختهم الجريئة «ضد الحكومة»؟ ببساطة لأن هذا ضد منطق الأشياء وطبيعة الأمور، بل ينطوي على تضليل وتزييف، كمثل مقارنة نعقدها بين زعماء وحكام وننتهي إلى خلاصة أن «كل له ما له وعليه ما عليه»! هنا مدخل عريض لتمييع كل شيء والدخول في تيه أخلاقي وتاريخي وقيمي، بل حتى سياسي وقانوني، نخرج منه مجللين بالخيبة والعدم. اعتراف آحاد الناس، أيا كانت مواقعهم ووظائفهم، بخطاياهم وفسادهم لا يبرر بحال من الأحوال غض الطرف عن أصل الفساد ومنبته. وإلا، وعلى طريقة "كلن يعني كلن" - والتي لا نعلم ما محدداتها أو أدوات قياسها ومعاييرها، زمنياً أو سياسياً أو قانونياً - فالجندي في الجيش أو المتطوع كمقاتل ضد العدو لو كان يدخن الحشيش أو يواعد امرأة أو لديه مثالب شخصية أخرى، فهو فاسد ويستحق الثورة عليه مثله في ذلك مثل أمراء الحرب والساسة وزعماء الطوائف! خلال الفيلم تعرف أن الفساد طال الجميع، ورغم ذلك كانت رسالته الرئيسية موجهة "ضد الحكومة". لكننا، فيما يبدو، نصر على تلبيس الحق بالباطل والصواب بالخطأ، على طريقة المحامي الذي برأ العاهرة وأدان الطاهرة، وكله بالقانون! ومن هنا يأتي فساد التصور! قد تجيد كلبناني تسويق نفسك ومشكلاتك، وقد تنجح في ذلك، لكن ذلك لا يعني بالضرورة النجاح في حلها. جزء من اعتزاز اللبناني بنفسه يكمن في شعوره بالتفرد والتمرد، ينظر إلى المصري أو السوري أو الجزائري باعتباره مذعن أو مستكين ومستسلم، بينما أنا - كلبناني - أكثر تحرراً وحرية وانفتاحاً وتميزاً، لأنه لا يستطيع الانضمام إلى قطيع من المواطنيين العاديين في دولة قوية. يعتبر اللبناني هذا مصدر فخر واعتزاز، وهذا هو التناقض (تحدث هادي العلوي كثيراً عن "اللقاحية العربية" والتي تعتبر الخضوع لأي حكم أو قوانين مجلبة للخزي والعار. يبدو أن هذه اللقاحية انتقلت من جزيرة العرب إلى لبنان، يعد لبنان بهذه البنية العصية على الخضوع لأي حلول تجسيدا لهذه الفكرة!)، فعندما تطالب بدولة قانون يجب عليك أولا ترويض نفسك وميراثك السياسي والطائفي والنفسي على ذلك. هل حقا يتقبل اللبناني ويتحمل وجود سلطة مركزية قوية بكل طغيانها وجبروتها وما يستتبع ذلك من سلبيات وإيجابيات؟ لو أجاب اللبنانيون عن هذا التساؤل بصدق وأمانة مع النفس، عندها يمكن أن يكون لكل هذا الصخب جدوى وهدف. البعض قد يعتقد أنه يكفي أن نسمي كل فاسد باسمه، أو يكفي أن نمارس طقوس التطهر والاعتراف على طريقة المحامي في فيلم ضد الحكومة. نعم، قد يفيدك التطهر على المستوى النفسي والشخصي، لكن تذكر دائما أنك قد تؤدي المونولوج بإخلاص مثل أحمد زكي، بينما يؤدي البعض على طريقة يوسف وهبي في فيلم إشاعة حب. بل أخشى ما أخشاه أن يتحول الأمر لمثل ما حدث بين أبي موسى وابن العاص!.