لهذه الحرب تداعيات كثيرة على توازن القوى في فلسطين والمنطقة، فضلاً عن التأثير النفسي الشديد للحرب على الجانبين؛ الفلسطيني والإسرائيلي. وبادئ ذي بدء، يبدو واضحاً أن صمود الدولة السورية والتغير التدريجي في آفاق علاقاتها بمحيطها - الذي ظهر في الفترة الأخيرة -، لعب دوراً رئيساً في اندلاع الانتفاضة الشعبية الفلسطينية. فصمود سوريا في مواجهة العدوان المستمر عليها، ودعمها المخلص للقضية الفلسطينية في مواجهة "صفقة القرن" أمر لا جدال فيه. يمكننا أن نلاحظ أن حماس التي كان لها موقف سلبي من الرئيس الأسد وحكومته عندما واجه وضعاً صعباً للغاية قبل سنوات، عادت اليوم خطوة إلى الوراء مدعية أن سوريا لا تزال صديقاً رئيسياً للفلسطينيين.

كان من الممكن أن يكون المشهد مختلفاً نظراً للدعم غير المتوقع من قبَل العديد من الدول العربية لصفقة ترامب الأمريكية وحبهم للسياسة الإبراهيمية. لقد عملت السياسة الأميركية على "تدنيس" القضية الفلسطينية، في سعي منها إلى زيادة يأس الفلسطينيين. لكن مآلات الأمور جاءت مختلفة. ففي ظل الظروف الحالية، من الواضح أن الصفقة مجمدة ولن تكون سؤالاً مطروحاً على جدول الأعمال على الأقل في الظروف السائدة الجديدة.

بالنظر إلى تفاصيل الحرب، بدا واضحاً أن الفلسطينيين باتوا أكثر وعياً واقتناعاً بلا جدوائية أي تفاوض مع السلطات الصهيونية. كما أن عمليات التفاوض لم تكن أكثر من مجرد خدعة تكتيكية سيئة التنفيذ من الإسرائيليين بهدف كسب الوقت والحصول على المزيد من التنازلات دون مقابل. لقد قدمت حلقات التفاوض دليلاً بيّناً على هذا الحال. اتفاقيات أوسلو وعملية مدريد، وغيرها، كلها تثبت هذه الحقيقة.

أما الفلسطينيون، فقد اكتسبوا ثقة كبيرة في أنفسهم وأصبحوا يعرفون أن القتال يبقى الوسيلة الوحيدة للدفاع عن حقوقهم، لا الحقوق التي تنازلت عنها اتفاقيات أوسلو، التي سرعان ما تم انتهاكها ونسيانها، فحسب.

على الطرف الإسرائيلي، جاءت ردود فعل المستوطنين الإسرائيليين على إطلاق الصواريخ والقذائف على "المستوطنات الإسرائيلية"، لتؤكد انطباعاً لدى كثير من الناس اليوم، بأن شيئاً لن يكون على حاله في "إسرائيل" بعد الآن. صحيح أن في "إسرائيل"، كما في أي مكان آخر، ذاكرة قصيرة للناس. وصحيح أن الدعاية وسياسة غسل الأدمغة وإعادة صياغة التاريخ لا تزال فعالة في أذهان المستوطنين. وصحيح أن تجاهل الفلسطينيين على المستوى الاجتماعي واعتبارهم سكاناً قادمين من كوكب آخر، أو حتى حيوانات شريرة يجب قتلها هو ما تعيشه "إسرائيل" الآن، لكن شيئاً مختلفاً في المشهد بدأ يطفو إلى السطح.

إن الحكومة الجديدة التي شكلها يائير لبيد، أو ما يُسمى بالوسط - وهو في الحقيقة يميني متطرف -، ليست بشير خير. بجمع حزبين "يساريين"، وثلاثة من اليمين، واثنان من الوسط، وحزب "عربي – إسرائيلي" واحد لأول مرة، صار على لابيد الحكم في ظل نظام هجين. لا تقدم هذه "الطبخة" الإسرائيلية الكثير من الآمال فيما يتعلق بالمصالحة مع عرب 1948. طالما أن السؤال الأساسي والحيوي بالنسبة لـ"إسرائيل" لا يتعلق بالمناورات والألعاب التقليدية بين اليمين واليسار، فإن جوهر الأمر بلا شك هو التعامل مع البيئة العربية: عرب إسرائيل، فلسطينيو "الأراضي" الآخذة في التلاشي.

إقليمياً، لا أعرف ما إذا كان ممكناً اعتبار الحرب ورقة إيرانية للي ذراع "إسرائيل". فعلى الرغم من أن هناك نوعاً من المصالحة بين الفرع الفلسطيني للإخوان المسلمين وإيران، إلا أن الحرب برأيي ليست في الأساس صراعاً بين حماس و"إسرائيل" كما اعتادت التقارير والتعليقات الإعلامية القول. بل هي – أي الحرب - قبل كل شيء حركة تمرد عالمية للفلسطينيين ضد "دولة إسرائيل"، وضد استفزازات المتطرفين الصهاينة. ولم تبدأ هذه الحركة في غزة، بل في القدس وفي ساحة المساجد، في قلب البلدة العربية القديمة في القدس احتجاجاً على إجراءات المصادرة الإسرائيلية الجديدة التي تهدف إلى هدم منازل العرب، وبالتالي فتح الطريق أمام توسعات جديدة والاستعمار الزاحف المستمر. إن ما تبقى من المناطق التي لا تزال نظرياً تحت سيطرة السلطة الفلسطينية تمثل 9 أو 10٪ من مساحة فلسطين التاريخية، وليس أكثر. ومن هنا، انطلقت الانتفاضة الشعبية بعد ذلك إلى كل جزء من الأراضي الفلسطينية، بما في ذلك ما شهدناه من مظاهرات لـ"عرب إسرائيل"، مروراً بما جرى على طول حدود الدول المجاورة مثل لبنان والأردن.

بالطبع ما أقوله لا يستبعد فرضية أن المواجهة، في واقع الأمر، يمكن أن تكون فرصة لإيران لليّ ذراع "إسرائيل"، مما يزيد من التوتر بين الطرفين. فقد تكون نية إسرائيلية عرقلة أو منع التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران. لكننا نتصور أنها لن تنجح في محاولتها. إذ يبدو أن إدارة بايدن مستعدة لدفع المفاوضات حول المعاهدة النووية.

بالنسبة للولايات المتحدة، كان ثمة نقطة رئيسية ولا تزال، تكمن في منع إيران من الوصول إلى السلاح النووي. أما بالنسبة لطهران فإن النقطة الأبرز تكمن على وجه التحديد في عدم التخلي عن حقها الطبيعي في الطاقة النووية "والتسلح".

في كل هذا المشهد الدولي، أرى أن ثمة حاجة لأن لا نغذي أي وهم حول رؤية أوروبا للشرق الأوسط (قد يختلف الوضع بين المستوى الحكومي وما يسمى بالرأي العام الأوروبي). بشكل عام، يمكننا القول إن الموقف الأساسي وردود الفعل السياسية الأوروبية الأساسية ستظل تصب في صالح "إسرائيل"، لأسباب واضحة ومعروفة تعود إلى الحرب العالمية الثانية والاضطهاد المروع ضد الجاليات اليهودية في ألمانيا وبقية أوروبا، تحت الاحتلال النازي/الألماني. لقد انخرط الكثير من الأشخاص في "السياسة العنصرية"، أو التزم الصمت أو التواطؤ مع السياسات الرسمية المعادية لليهود لدرجة أن الندم ما زال راسخاً في أعماق المجتمعات الأوروبية تجاه المسألة اليهودية، وبالطبع، كل هذا مدفوع بفعل ضغط لوبيات "الدولة العميقة".

في الصراع بين "إسرائيل" والفلسطينيين، فإن رد الفعل الأول دائماً هو الدفاع عن "إسرائيل" وشروط إنشائها، بحجة أن الإجحاف الذي يعاني منه اليهود بسبب الأوروبيين يجب أن يتم إصلاحه ... في فلسطين. لا يتم التعبير عن بقية الجملة أبداً، لأنها ستكون مخيفة للغاية. كيف يمكن شرح وتبرير أن إصلاح الظلم الذي عانى منه (بسبب الأوروبيين)، هو من حساب العرب الفلسطينيين. هذا هو السبب في أن الأوروبيين يخرجون من هذا الحرج بطريقة أسهل وأكثر عملية، من خلال دعوة الأمم المتحدة للعب دورها واعتبارها سقف الشرعية. فلقد تم إصلاح الظلم تحت سلطة وتغطية الأمم المتحدة، وفي تكوينها الذي لا يزال استعمارياً.

بالعودة إلى الحكومات، فإن رد الفعل المؤيد لـ"إسرائيل" ناتج عن رؤيتهم "للعدالة" وسيكون من الصعب للغاية تغييرها على المستوى والأحزاب السياسية (اليسار واليمين تماماً). ولكن الأصعب الترحيب بالسياسة الصهيونية اليمينية والدفاع عنها؛ نتنياهو لا تحظى بشعبية كبيرة في أوروبا وأمريكا.

على المستوى الشعبي، لا بد من التأكيد على أن القضية الفلسطينية استقطبت الكثير من المؤيدين والمدافعين على مدى العقود الماضية، بسبب العداء المتزايد للمواقف الإسرائيلية. كما صارت المعالجات السيئة والفظيعة التي تلحق بالشعب الفلسطيني مدرَكة من قبل الرأي العام الغربي.

من هنا، تشهد الأحداث الأخيرة على التطور الجذري للرأي العام في هذا الصدد. لقد تم تنظيم العديد من المظاهرات لصالح الفلسطينيين في العديد من الأماكن في أوروبا. على الرغم من أن المؤيدين بغير شروط للسلطات الإسرائيلية كما وأصحاب المشاعر المعادية للعرب والمسلمين ليسوا قلة نادرة لأسباب مختلفة.

سأختتم بهذه النقطة بالقول، أنه في معظم الدول الأوروبية وخاصة في فرنسا، تجد القضية الفلسطينية دعماً أكبر بكثير من القضية السورية. لا يسعني إلا التفكير والتذكر أنه كان من الممكن التعامل مع سوريا وفلسطين على أنهما قضيتان أمميتان فقط في وقت من أوقات الاتحاد السوفيتي، والنفوذ الشيوعي في جميع أنحاء العالم.