يمكن اعتبار معركة سيف القدس علامة فارقة في مسار إنهاء الانقسام السياسي الفلسطيني المحتدم منذ عام 2007. في هذه الحرب، لم تنفرد غزة دون أراضي الـ48، والضفة الغربية، بالمقاومة. بل وقفت كل فلسطين التاريخية إلى جانب غزة دعماً وحراكاً وتأييداً. لذا فإن الفلسطينيين، الذين تمزقوا لأسباب سياسية عام 2007، اتحدوا في خيار المقاومة عام 2021.

قدمت معركة "سيف القدس" ثلاث مؤشرات يمكن فهمها على مستوى الساحة الفلسطينية. الأولى: هي أن الفلسطينيين متحدين. الثانية: في أن المعركة كانت "تصويتا بالثقة" على خيار المقاومة في هذه الحرب. والثالثة: في أن الحرب كانت ورقة تم الفصل من خلالها بين الأصدقاء الحقيقيين والأصدقاء المزيفين للفلسطينيين. أما بالنسبة للمنطقة، فقد أظهرت الحرب تحولاً في سياسات محور المقاومة، إذ اعتبر أن الهجمات التي تستهدف مسجد الأقصى ستؤدي لحرب إقليمية.

كانت هذه الحرب بمثابة "تصويت بالثقة" تجاه خيار المقاومة في وقت كانت فيه دول المحور الخليجي تتنافس لتطبيع العلاقات مع الكيان الإسرائيلي. وحتى الفلسطينيين الذين دعوا إلى خيار التفاوض مع "إسرائيل"، أدركوا من خلال هذه الحرب، أنه لا يمكن للضعفاء في الميدان العسكري أن يكونوا أقوياء على الطاولة الدبلوماسية. ولا يمكن للعائلات الفلسطينية في حي الشيخ جراح أو في المسجد الأقصى أن تبقى آمنة دون أن تخلق المقاومة رادعاً.

لقد رأى الشعب الفلسطيني بوضوح في هذه الحرب، أنه لن يتمكن من الردع إلا عندما تكون لديه أسلحة قوية. وقد اكتسبت المقاومة الفلسطينية هذا الردع بفضل "الأصدقاء الحقيقيين" الذين زودوه بالأسلحة ولم يكونوا خائفين. إن الأصدقاء الحقيقيين لفلسطين هم الذين لا يخفون عطاءهم، ولا يحولون الأموال التي يقدمونها إلى مظاهرات سياسية غالباً ما تنتهي بالمطالبة بحل سياسي، بدلاً عن الكفاح المسلح، والأصدقاء الحقيقيين لا يطلبون من الفلسطينيين مقابلاً بدل مساعدتهم. "الأصدقاء الحقيقيون" يحاولون تسليح المقاومة وتعزيز ردعها في كل من الحرب والسلام.

 

قبيل معركة سيف القدس، أعلن الكيان الصهيوني عزمه إجراء مناورة عسكرية كبرى وفق سيناريو الحرب على جميع الجبهات. أراد الكيان تعزيز الردع على محور المقاومة من خلال إجراء أكبر تمرين في تاريخه. لكن خوفه من الجبهة اللبنانية مع تصاعد التوتر في فلسطين كان كافيا لإلغاء هذه المناورة الكبيرة.

بعبارة أخرى، أراد الكيان الصهيوني تهديد جميع الجبهات، لكنه "سيف القدس" كشفت مدى ضعفه وهشاشته. واقعية قادته العسكريين كانت سبباً في انكشاف ضعفه. وعلى الرغم من أن القادة السياسيين الإسرائيليين أرادوا إظهار قوتهم، إلا أن القادة العسكريين كانوا يدركون مدى هشاشة الواقع الإسرائيلي، لا سيما بالنسبة لحدوده الشمالية مع حزب الله. هم يعرفون أن حزب الله يتحين الفرصة لتسديد صفعة كبيرة لهم. حزب الله كان من قبل المناورة والمعركة على جهوزية كاملة. ومع بدء المعركة "سيف القدس"، قال المحلل العسكرى الاسرائيلى يوسي يهوشوَع نقلاً عن مصادر عسكرية أن أكثر من 4 آلاف صاروخ أُطلقت من غزة في الصراع الأخير، وهذه الكمية لا تتجاوز الـ10% فقط من القدرة العسكرية لحزب الله. وقدم الجنرال العسكري المتقاعد إسحق بريك أدلة على ذلك قائلاً أن الجيش الاسرائيلي لا يستطيع مواجهة حرب إقليمية.

لقد أظهرت معركة سيف القدس للنظام الإسرائيلي أنه واجه واقعين خطيرين لم يكونا موضع تساؤل من قبل: أولاً، القدرة العسكرية للمقاومة الفلسطينية التي باتت أقوى من أن تقارن بالحقائق القديمة، وذلك بفضل البنية التحتية العسكرية التي أنشأها الفلسطينيون بمعاونة خاصة من الحاج قاسم سليماني. ثانياً، إن قضية القدس والمسجد الأقصى، التي يحاول النظام الإسرائيلي تصويرها للعالم على أنها قضية داخلية، يمكن أن تكون سبباً لحرب إقليمية تقضي على "إسرائيل".

تركيا وحماس بعد معركة "سيف القدس":

لا تتضمن وجهة نظر تركيا الرسمية لحل القضية الفلسطينية خيار المقاومة. إذ لا تقترح أنقرة سوى خطة سلام عام 2002 السعودية بشأن فلسطين. واقعاً، "تدعم تركيا الجهود الرامية إلى التوصل إلى حل عادل وشامل ودائم للصراع الفلسطيني الإسرائيلي على أساس معايير الأمم المتحدة المعمول بها، ومن خلال المفاوضات، لإقامة دولة فلسطينية متكاملة جغرافياً ومستقلة وذات سيادة، عاصمتها القدس الشرقية على أساس حدود عام 1967".

لذلك، أقامت تركيا علاقتها مع جماعات المقاومة مثل حماس وغيرها وفقاً لهذا المنظور الرسمي. وبعبارة أخرى، كانت علاقة تركيا بحماس تمر بهدف ذات صبغة دولية ويتمثل بنزع سلاح حماس، لا دعم المقاومة من أجل الدفاع عن الشعب الفلسطيني. والواقع أن مسؤولي حزب العدالة والتنمية لم يخفوا أنهم كانوا يضغطون على حماس للتوقف عن كونها منظمة مقاومة وبدء المفاوضات مع الكيان الإسرائيلي. وكان أول وأكبر اختبار لتركيا مع حماس عام 2006. عندما أثار وصول وفد حماس إلى أنقرة جدلاً أدى بوزير العدل جميل سيسيك لأن يدلو دلوه في البيان التالي: "إذا كان لحماس أن تسهم في السلام في المنطقة، وإذا أرادت حلاً لهذا الصراع، فيجب عليها أن تترك الطرق القديمة – المقاومة – بكل تأكيد. من المستحيل للفلسطينيين حل هذه المشاكل بالمقاومة، هذا ما تقوله تركيا".

وكان عبد الله غول، أول رئيس وزراء لحزب العدالة والتنمية عام 2010، قد دعا حماس إلى "إلقاء السلاح" بقوله: "قلنا لهم أنه ينبغي وقف الإرهاب والصواريخ. لقد طلبنا من حماس التحدث إلى الأمريكيين والأوروبيين وإخبارهم بأنهم مستعدون للعيش مع "إسرائيل" إذا أقاموا دولة مستقلة على أراضيهم. نحن ساعدنا إسرائيل كثيراً". وقال وزير الخارجية الحالي، مولود جاويش أوغلو، في مؤتمر حول "مستقبل الشراكة الاستراتيجية بين تركيا والولايات المتحدة" عام 2017 "لقد ضغطنا على حماس لإلقاء سلاحها". هذه الأمثلة وغيرها تظهر أن حزب العدالة والتنمية يعلق أهمية على العلاقات مع حماس ليس من حيث اهتمام تركيا بالمقاومة الفلسطينية، ولكن من حيث المزايا التي ستوفرها في علاقات أنقرة مع أميركا و"إسرائيل". 

بعبارة أخرى، يمكن القول أنه ومن وجهة نظر المحور التركي - القطري، فإن العلاقات التي أقيمت بهدف تسليح المقاومة الفلسطينية مهمة من حيث المزايا التي ستوفرها أنقرة والدوحة في علاقاتهما مع أمريكا وواشنطن على حساب "إسرائيل". هذا ما يُفسر قول الرئيس أردوغان في 2 كانون الثاني/يناير عام 2016 إن "إسرائيل تحتاج إلى دولة مثل تركيا في المنطقة. وعلينا أن نقبل أننا بحاجة إلى إسرائيل، هذه حقيقة في المنطقة". العلاقات التركية مع حماس، إذن، لم تتعزز قبل مرحلة عزل سوريا عام 2011 ولم يكن هدفها فلسطين قط. هذا ما يُفسر ازدهار حجم تجارة تركيا مع "إسرائيل" إلى نحو 6.2 مليار دولار سنوياً الآن.

يحاول أردوغان اليوم، إعادة التواصل مع مصر، التي قطع علاقاته معها عام 2013 بسبب الإخوان المسلمين. يفرض "العدالة والتنمية" قيوداً على القنوات التلفزيونية، ولا توجد أي أخبار في تركيا عن أحكام الإعدام الصادرة ضد قادة الإخوان المسلمين في مصر. الشهر الماضي عادت العلاقات التركية الإماراتية إلى سابق عهدها بعد انقاط دام لسنوات. أردوغان الذي أعلن حرباً دبلوماسية على النظام السعودي بسبب مقتل الصحفي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية، يعمل الآن بجد لتحسين العلاقات مع السعوديين. الأمر نفسه يحصل بين أنقرة والقاهرة. ما أريد قوله أن تطبيع تركيا لعلاقاتها مع مصر و"إسرائيل" والإمارات والسعوديين سيرخي بظلاله على علاقات أنقرة مع حماس.