استيقظْ باكراً، اعتمرْ قلبك، وسرْ من مرجة رأس العين باتجاه سوق بعلبك، سترافقك على طول الطريق، على أعمدة الإنارة صورٌ لرجال مضوا، كادت أسمائهم تُنسى. يشع نور من غبارٍ يعلو سنين مضت دونهم. نور يذكرك بأن هذه الوجوه ما زالت حيّة تنبض. قف هنا، إنه "برج الشمس" أو كما يعرفه اهالي المنطقة "السنتاور"، مبنى قديم ولكنه الأعلى في الجوار. محاولة فاشلة من محاولات الإنماء السياحي في المدينة. أمامه ببضعة أمتار على زاوية الطريق، تقف سيارة "رابيد" بيضاء في صندوقها مكتبة غنية نادرة الكتب. لوهلة تشعر أن الكتب تتنظر دورها لتخرج وتصطف مع قريناتها على رصيف المارة. في المكان أيضاً تقف شجرة طاعنة في السن، هي وحدها من يبوح لها "أبو علي فقيه" بأسراره. تراه يجلس على كرسيّه البيضاء، يترقب، ينتظر، يتحدث، يُسَر حيناً، ويُغمّ أخرى. يتأمل الكتب وقد رتبها على الأديم في مشهدٍ يُغري كل عاشق للكتب، مشهدٍ لا ندري من استعاره ممن؟ هل استعارته الدراما من أبي علي أم أنه سرقه منها في محاولة لإحياء هذا الأبكم الصارخ!

يمر "المثقف" السائح، يتأمل المشهد فيدهشه، لعله ألف مثله في باريس أو اسطنبول. يخال المرء "السانتاور" برج ايفل، وحديقة مسجد المصطفى يخالها حدائق المسجد الأزرق، أما البعلبكي الذي أعمى الاعتياد عينيه عن جمال مدينته فلا يبصر في ما أنف ذكره أي جميل. هو بالكاد يجول ببصره في عناوين كتب "أبو علي"، يتنقل بها وعبرها من زمن إلى زمن، يسافر، يبحر، يغوص، يحلق، يختار ما يشتهيه عقله مما لذ وطاب من كتب أبو علي. يسأله عن ثمن كتاب، يفرح لزهده! يأخذ كنزه الثمين ويغادر إلى مقهى قريب، "ليحتسيه مع فنجان قهوة؟!"

ظاهرة القهوة لم تصل بعد إلى بعلبك، أو لعلها ليست الأبرز. القارئ هنا، يشبه إلى حد كبير أبو علي، يجمع الكتب، يصطادها بثمنٍ زهيد يناسب معاشه الشهري، يسرق وقته معها، يقرأها في استراحة عمل أو حين ينام أطفاله. القارئ هنا، رجلٌ فقير لا يجد ما يقتات به إلا بضع كتبٍ وكلمات، القارئ هنا يقاوم بما تبقى في قلبه من أمل، القارئ هنا نبت من تراب الأرض، تلته صفحات الحياة على جدران بعلبك قصيدة شعر، و سطره الواقع نصاً تتكسر على نقاطه فواصل التعب، القارئ هنا هو "أبو علي" بقبعته الصوف ومعطفه الأسود الطويل، يجلس على كرسيه البلاستيك من الصباح حتى الظهر، يتفيأ بشجرة كتمت أسراره، ويسنده عمره إلى مكتبته التي تطعم كل مثقفي بعلبك والبقاع، يُعوّل عليها وعليهم، يدري أن الكتب التي يبيعها قد لا تعمر له قصراً أو تشتري له فنجان قهوة عند "زيتونة بيروت"، لكنها تبني إنساناً هنا في الريف. أي إنسانٍ هذا الذي تركه "أبو علي" فينا؟ أي مثقفٍ هذا الذي أيقظ فينا الوعي الترابي من صلب تحجرنا؟

مرَّ غداً قرب رصيف مكتبة أبو علي فقيه، ستجد الأوراق الصفراء قد تهاوت على الأديم، هل سبق أن رأيت خريفاً في حزيران؟ تعانقت الكتب ومشت في جنازة مهيبة، وقفت الشجرة تبكي أغصانها رحيل الصديق المخلص، وتصدعت أركان المكتبات البعلبكية الصغيرة في بيوت الفقراء والقراء. ألم تعتمر قلبك؟ انظرْ بعينه إلى الأعلى سترى صورة أبي علي مع الخلَّص على الأعمدة. ستشعر بالرصيف ينوء بحمل المارة، يهمس بانكسارٍ يدمي قلوب المحبين "لقد رحل أبو علي فقيه يا قرّاء بعلبك، فعلى الكتاب من بعده ألف سلام".