تعتزم "اسرائيل" بدء عملية ضم أكثر من 130 مستوطنة في الضفة الغربية المحتلة وغور الأردن بداية شهر تموز يوليو المقبل. ستستغرق العملية سنوات، وقد تنتهي بالضمّ فعلاً، أو يمكن أن يتعثّر المشروع. لكن شروع نتنياهو بالأمر لم يكن ليتمّ لولا فوزه السّاحق في النتيجة النهائية لمشاورات الائتلاف الحكومي. فبعد أزمة سياسية استمرت سنة ونصف وبعد ثلاث جولات انتخابية؛ النتيجة واضحة ولا تتحمل تفسيرين: "بنيامين نتنياهو انتصر انتصاراً هائلاً"! هكذا علّق ألوف بن رئيس تحرير صحيفة هآرتس أواخر آذار الماضي. "الفوز العظيم"، كما تفاخر به نتنياهو نفسُه على الرّغم من أنه لم يفُز في الانتخابات العامة، وعلى الرغم من كلّ التّهم المقدمة ضده. يضع اليوم نتنياهو الكيان في حالة من الطوارىء عنوانها: ضم أجزاء من الضفة الغربية والغور.

المسؤولون والمحللون الّذين عبّروا بأنّ "اسرائيل" تقوم بقتل خيار الدولة الفلسطينية المستقبلية بدأوا بالسّؤال اليوم حول إمكانية قيام دولة واحدة ثنائيّة القومية. هم ارتضوا بالواقع مرة أخرى، أو فهموا بما لا يقبل الشكّ، أن نتنياهو ماضٍ في مشاريعه. قبل بضعة أيّام، تحدّث إيفان غوتسمان، المدير المشارك للسياسات والاتصالات في منتدى السياسات الإسرائيلية، بأن "الضمّ سينهي الجدل حول حدود إسرائيل، وسيبدأ أيضًا نقاشًا حول نتيجة الدولة الواحدة".

غانتس الذي كان ندًّا لنتنياهو في الانتخابات، عاد خطوة إلى الوراء. هو يعلم جيّداً معنى أن يدفع نتنياهو بقطار اليمين نحو العمل. في كانون الثاني الماضي، أعلن بني غانتس، رئيس حزب أزرق أبيض، لأعضاء كتلته في الكنيست أنه لا يؤيّد ضمّ غور الأردن بشكل أحاديّ الجانب. وكتب في مجموعة الواتسآب التابعة لهم: "عودوا إلى أقوالي وأصغوا إليها جيّداً، ليس بينها وبين الضمّ الأحادي الجانب أي صلة." هو كان قد تعهّد قبل ذلك أمام مستوطني الغور أنه سيعمل بعد الانتخابات لـ"فرض السيادة على غور الأردن عبر عملية قوميّة متفق عليها وبالتنسيق مع الأسرة الدولية". هذا قبل أن يعيد التأكيد للرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال لقائهما في البيت الأبيض، أن تنفيذ "صفقة القرن" يجب أن يتمّ "من خلال التنسيق مع دول المنطقة، وثمّة أهميّة للتنسيق مع الفلسطينيين والأردن".

يدرك بني غانتس جيداً أن فرض السيادة سيثير اضطرابات وسط الفلسطينيين في الضفة الغربية، كما وسيفضي لزعزعة كرسي الملك الأردني (رون بن يشاي، يديعوت أحرونوت، 16/5/2020). هو يدرك أيضاً أن الضم بصورة أحادية الجانب سينطوي على مساس بالمبادئ الأساسية لاتفاقيتي السلام الموقعتين مع الأردن ومصر. وربما يفضي ذلك إلى دفع السلطة الفلسطينية نحو الهاوية، ونحو زيادة التقاطب بين الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة و"اسرائيل"، لكن الرجل يدرك جيداً معنى الوقوف في وجه فانتازيا اليمين المتطرف (رام بن باراك، معاريف، 20/5/2020).

بني غانتس، الذي خاض الانتخابات الأخيرة تحت شعار "أزرق أبيض أو أردوغان"، يقدم حالياً إلى ناخبيه في بطاقة انتخابية واحدة: سرقة مليون صوت من معارضي نتنياهو الذين رأوا في غانتس بديلاً، وأيضاً إنهاء مسيرته المهنية كنائب لمن وصفه بأنه ديكتاتور وفاسد وما شابه ذلك. هو بحاجة الآن لامتصاص انتقادات ناخبيه خائبي الأمل، ويعلم أنه عندما يتلقّى سلسلة إهانات داخل الحكومة سيَسأل صديقَ طفولته اسرائيل كاتس: أيُّ صلاحياتٍ ونفوذٍ لوزير الخارجية لدى نتنياهو؟ وسيرد الأخير: لا شيء.

خسر غانتس، ومع ذلك، هو ليس الخاسر الأكبر. الخاسر الأكبر من انعطافة غانتس، هو أفيغدور ليبرمان الذي اعتُبر يوماً "متوّج الملوك" في العمليات السياسية الإسرائيلية، وعدوّ نتنياهو الشرس. كان لليبرمان فرصة للتخلص من نتنياهو لو وافق على حكومة أقليّة بتأييد القائمة المشتركة بعد انتخابات أيلول/سبتمبر التي حصل فيها اليمين على 55 مقعداً فقط. لكنه شعر بالخوف. وعندما وافق على هذه الصيغة، بعد الانتخابات الأخيرة، انقلبت موازين القوى وبقي من دون شيء.

يحظى يائير لبيد، الذي سيصبح بعد اليوم رئيساً للمعارضة، بفرصة ناردة للعودة كزعيم كتلة المعارضة. لقد أثبت صدقيته بالنسبة للجمهور الذي انتخبه. هو وافق على التخلي عن المداورة في رئاسة الحزب مع غانتس، وأيّد صفقة مع القائمة المشتركة، كما رفض الدخول إلى حكومة نتنياهو. بإمكان الرجل اليوم، وبعد تركه غانتس وغابي أشكينازي، أن يستغل الوقت لبناء نفسه كزعيم بديل في اليوم الذي سيلي نتنياهو. لكن أرضية الجمهور الإسرائيلي في محل آخر.

أظهر استطلاع أجراه معهد القدس للاستراتيجيا والأمن، منتصف أيار، أن 42% من الجمهور الإسرائيلي يؤيد فرض السيادة الإسرائيلية على غور الأردن، 27% يعارضونها (10% من المعارضين من ناخبي الليكود)، بينما بلغت نسبة من لا رأي لهم قرابة الـ31%. الأرقام واضحة وصريحة، لا مكان للبيد في مستقبل المشهد السياسي، لا مكان للمعارضة، لا مكان للصوت الآخر، نتنياهو "ملك ملوك اسرائيل" حتى إشعار آخر.