في الحديث عن التاريخ غالباً ما يقع المرء في خلط بين الأحداث كوقائع يمكننا تقصّي أدلّتها، والتاريخ كعرض للماضي ودلائله. في الأمر الأوّل نحن نحتاج إلى كاميرا تنقل الصورة المجسّمة والصوت والزمن ولا تترك ركناً مظلماً لا تلقي الضوء عليه وهذا أمر سهل التصوّر على رغم صعوبة تطبيقه لا بل استحالته عندما نتناول أحداثاً حصلت قبل زمن التسجيلات الحيّة. أمّا الأمر الثاني فهو عمل يجسّد توظيفاً للأحداث لتحقيق صورة ذهنية تختلط بأفكار المؤرّخ كما يختلط الماء برواسب الكأس التي تحملها.

لكنّ التأريخ لم يكن في البداية أكثر من عمل أدبي يقصّ أخبار البلاد والناس دون اعتباره من العلوم وكثيراً ما بدأت تلك النصوص بـ"حدّثنا فلان عن فلان" بما يشبه النميمة في مجالس السمر. في أوروبا اقتصر استعمال التاريخ على الأهداف الدينية حتّى القرن الرابع عشر ميلادي حين بدأ عصر النهضة وبرزت حركة ثقافية تبحث في ماضي منطقتها عن نوع من التاريخ الرمز الذي يحرّرها من الطقوس التاريخية الكنسية. في تلك الحقبة التي امتدّت إلى القرن السابع عشر حصل أمران عجّلا في العودة إلى التاريخ ومراجعة أدوات قراءته؛ اكتشاف القارة الأمريكية وبدء النهضة العلمية. 

في لحظة الفراق مع القرون الوسطى كان لا بدّ من اختيار مهد للحضارة بشرعية زمنية لا دينية فتوّجت الحضارتان الإغريقية والرومانية كمرجعية جديدة تأخذ مكان السردية الدينية دون أن تلغي تأثير هذه الأخيرة تماماً. لقد تمنّى الشاعر الإيطالي فرانشيسكو بتراركا (1304 - 1374) لو أنّه ولد في زمن روما وعظمتها عوضاً عن عصور الظلام التي يعيشها (في نوع من السلفية التي ترى في الماضي كلّ الخير وفي الحاضر كلّ الشر). لذلك خلقت هذه الحاجة عطشاً لتلك الحقبة ولدراسة تاريخها. إضافةً إلى ذلك، أتاح الابتعاد عن الثيوقراطية الدينية وإيمانها بالإرادة الربانية، التي لا تُسأل عن السبب بل تُقابل بالتسليم، أن يعنى المؤرّخون بالعلاقة السببية بين الأحداث والنتائج ممّا غيّر وظيفة التأريخ من سرد للقضاء الإلهي إلى تحليل للأثر الإنساني والبحث عن الأسباب والعلل. ميكاڤيللي في المقابل أدخل عامل الحظ، غير المنفصل عن الأسباب البشرية المتداخلة، مكان العامل الغيبي الديني. لم يتّفق فلاسفة وأدباء عصر النهضة تماماً حول جدوى العودة إلى التاريخ وإمكانية استعمال العبر المستخلصة لتغيير المستقبل، غير أنّ الخلاف الأهم كان حول اعتبار التأريخ ضمن العلوم أم الفنون. 

إذاً انقسمت النخبة في تلك الحقبة بين اعتبار التأريخ علماً أو فنّاً أو شيئاً يجمع الأمرين. في كل الأحوال لا يستقيم التأريخ كعلم دون تحديد أدواته ومنهجه. جون بودان (1530 - 1596)، القانوني والمؤرّخ الفرنسي، عبّر عن ذلك بتعبير "الفن والمنهج" في دراسة التاريخ. هذه الدراسة بدأت بتعريف التاريخ وتقسيمه إلى ثلاثة أقسام؛ الإنسان والطبيعة والمقدّس. عبر هذا التقسيم أنقذ بودان نفسه من حرج التناقض مع الكنيسة حول حركة التاريخ وتفرّغ لقراءته "الزمنية" للجزئية التي نتجت عن فعل الإنسان وحده. ما لفظه بودان هو نظرية الإمبراطوريات الأربعة التي وردت في سفر دانيال والتي تتحدّث عن إرادة الرب في انتقال السلطة ابتداءً ببابل وانتهاءً بروما. هكذا أخرج بودان التاريخ من هذه القيود الفكرية وفتح المجال أمام دراسة امبراطوريات وشعوب أخرى أهملتها النظرة الثيوقراطية. 

فرنسيس بيكون (1561 - 1626)، العالم والمؤرّخ الإنجليزي ورائد المنهج العلمي، لم يأخذ اتجاه بودان في ازدراء التأريخ الديني بل اعتبر أنّ التأريخ كعلم سيعود بالفائدة على الدين وأن لا تناقض بين الإثنين. غير أنّه اعتمد أيضاً الفصل بين التاريخ المدني والتاريخ الكنسي. شدّد بيكون على أهمية الموضوعية في نقل الوقائع وسردها دون الحكم عليها بشكل شخصي ودون تقريظ أو لوم. 

بيد أنّ الفجوة بين النظرية والتطبيق، والتي سنصادفها في كل مراحل تطور دراسة التاريخ، كانت كبيرة عند بيكون فلا هو دقّق جيّداً في المراجع التي لجأ إليها لكتابة سيرة هنري السابع ولا هو جمع ما يكفي منها ليأتي عمله منسجماً مع القواعد التي وضعها بنفسه. في مقابل هذه النظرة الزمنية للتاريخ لم تكن الساحة خالية من أمثال وليام برادفورد (١٥٩٠-١٦٥٧م) الذي لم يفصل بين الزمني والديني وتناول التاريخ بنظرة قدرية يعاقب فيها الرب سكّان أميركا الأصليين ويحمي المحتلين الإسبان من المرض. البحث عن الحقيقة التاريخية كان أمراً مفهوماً عند برادفورد بحكم إيمانه بأنّ مجريات التاريخ ليست إلّا تعبيراً عن إرادة الرب.

أمّا في عصر التنوير، عصر فلسفة التاريخ، فقد أخذ التباين بين المؤرّخين أشكالاً جديدة فها هو ڤولتير يستعمل هذه الفلسفة كسلاح في وجه النظم الدينية بينما يرى روبرتسون هذه الفلسفة منسجمة مع الدين. تكمن المفارقة في عصر التنوير أنّ محاولة التحرّر من وصاية الماضي لم تثنِ مفكّري ذلك العصر عن الكتابة حول التاريخ بغزارة. لكن هذا الإهتمام كان في خدمة الفلسفة والعامل الإجتماعي حتّى اتهم هؤلاء المفكّرون بأنّهم قاموا بجهد مناقض للتأريخ وحاكموه بمفردات زمنهم لا بظروف زمنه. تبقى دراستهم للتاريخ رغم ذلك إيجابية بسبب تفسيرهم للأحداث التاريخية على أساس عقلي وبشري لا غيبي. إضافةً إلى ذلك كرّس ذلك العصر بفضل مدرسة غوتنغن الألمانية في القرن الثامن عشر أسلوب التحليل النقدي للمصادر التاريخية الأصلية ومقارنتها والبحث عن تناقضاتها وعيوبها. هكذا بدأ تحوّل التأريخ إلى علم له أدواته الخاصة ونهجه التجريبي. لم يلتزم الجميع بهذا المنهج مع ذلك، ففي حين أهمل ديفيد هيوم المراجع الأصلية عند كتابة "تاريخ إنكلترا" نجد دقّة وليام روبرتسون والتزامه بتقصّي المصادر. 

أما ڤولتير فقد اشتهر بمقولته: الويل للتفاصيل، مصيرهم النسيان وهم الآفة التي تعيب الأعمال التاريخية. كما شرح ڤولتير بنفسه قائلاً: لم تستحق كل الأحداث السرد ولذلك بدأ بفصلين عن حياة لويس الرابع عشر الخاصة! وشرح منهجه القائم على إيراد ما سمعه تواتراً من عدة مصادر وإهمال الأحاديث الأحادية (وهذا طبعاً ليس بالأسلوب المبتكر). بالمناسبة، لم يكن ڤولتير من دعاة الديمقراطية بل كان ملكياً مثل الغالبية العظمة من فلاسفة التنوير وكان جهده منصباً على مواجهة السلطة الدينية.

في المقابل كان روبرتسون، أحد رموز التنوير الاسكتلندي مع آدم سميث وآدم فيرغسون وديفيد هيوم، منسجماً مع وجود هذه السلطة الدينية وصاحب نظرة أيديولوجية حول تطوّر التاريخ بما عرف بالنظرية الاسكوتلندية أو مراحل تطور التاريخ الأربعة. وفقاً لهذه النظرية تتطوّر المجتمعات البشرية وفق قوانين اجتماعية وتاريخية لتمر بمراحل أربعة: الصيّاد ثمّ الراعي ثمّ المزارع ثمّ التاجر الذي يمثّل رأس هرم التطوّر. ربط روبرتسون إذاً بين التجارة والحضارة والتمدّن ليبرّر استعمار القارة الأميركية وطرد السكان المحليين الذين يتأخّرون حضارياً، حسب زعمه، عن التجّار الإسبان. في هذه التقسيمات وغيرها تتكرّس النظرة الأورومركزية للعالم وتنتج تعابير من نوع أنّ هذه القارة أو تلك لم تدخل التاريخ بعد تارةً لأنّها لم تنتقل إلى مرحلة التجارة وطوراً لأنّ تراثها شفوي ولا يعتد به في النظرة الغربية كما سنرى فيما بعد.

تجدر الإشارة إلى وجود مؤرّخ اسكوتلندي آخر هو دوغالد ستيوارت نسب إليه تعبير "التاريخ التخميني" أي أنّ المؤرّخ يقوم بملء المراحل والأحداث المجهولة تاريخياً عبر التخمين عند تعذّر وجود الوثائق. هؤلاء المؤرّخون كانوا يعتبرون هذا الأمر علمياً بسبب اعتمادهم على معرفتهم بطبيعة الإنسان وسلوكه.

رجل تنويري آخر محارب السلطة الدينية على نهج ڤولتير كان المؤرّخ الإنجليزي إدوارد غيبون (1737 - 1794) الذي تحوّل إلى البروستانتينية واستخدم أسلوب المراوغة والسخرية فيمدح الدين حيث يريد أن يناله بالهجاء ثمّ يعتبر أنّ المسيحية والبربرية كانا السبب في انهيار روما العظيمة وأنّ المسيحية أضعفت الروح القتالية والحربية الضرورية لاستمرار الإمبراطوريات. 

في نفس الوقت الذي خرج فيه غيبون بمؤلفه الأول حول التاريخ نشط مؤرّخو الفترة الاستعمارية في كتابة تاريخ المستعمرات الجديدة وبدأ الأميركيون يعيدون صياغة التاريخ ليتناسب مع ثورتهم على الإنجليز وهويتهم الوطنية المستحدثة. في تلك اللحظة التاريخية بدأ تحوّل المؤرّخين من ملكيين إلى ناقدين للسلطة الملكية وشرعيتها التاريخية إضافةً إلى بدء التوجّه نحو تأريخ وطني وقومي.

إلى جانب المؤرّخين الأميركيين الفيدراليين تواجد أيضاً بعض المؤرّخين الجمهوريين مثل ميرسي أوتس وارن التي كسائر نخبة عصرها لم تشمل آراؤها الثورية سكّان أميركا الأصليين بل سارت على نهج روبرتسون في استثنائهم من التاريخ. البديل الوحيد لتصفيتهم في رأيها كان في تعليمهم مبادئ وأخلاق الرجل الأبيض وبالتالي تحويلهم إلى "متحضّرين".