من بين الأوطان الوهمية في عالم الانسانية، أنا نصٌ عربيٌ مكتوبٌ بخطٍ مائلٍ لا يشبه خطوط العرب، وقد كُتبتُ بقلمِ رصاصٍ مسروقٍ مجهول المالك، كما خُطّت حروفي عند ثالث سطرٍ في ورقة الشعوب، قلمٌ بيد كاتب نصٍ غير علني، كان الاتفاقٍ قد جرى على طاولةٍ عليها شمعدانٌ و صحون السجائرٍ التي حوت بقايا "زرازير" ماركاتٍ بريطانية رفيعة وكذلك عليها زجاجات شرابٍ محرمٍ علينا لأنه يؤثر سلباً على سلوك وأخلاق الانسان.

أنا قد ولدت نصاً، في الحقيقة هذا النص يُشبهني بشيء واحد لا بالهوية، انا نصٌ فيه من الأدب صورٌ شرقية، ومن الدين أخلاق الآلهة، ومن العلم ذكاءٌ مسبوكٌ ممزوجٌ بالإبداع.

أنا نصٌ مكتوبٌ بلونٍ أرجوانٍي، مكتوبٌ فوق ورقٍ كان أبيضاً و قد أحب اللون القاني الذي أكسبه من روحه بعضاً من الوشحات، وطرف الورقة العتيقة تلك عليها توقيعٌ غير واضحٍ، لا أعلم إن كانت الشمسُ قد أشرقت عليه وجعلته جزءاً من فجر الأمم، أم أنها مرّت عليه لحظة غروبٍ وأفول وجعلته يتمايل بين تموجات الغروب.

في تركيبتي اللغوية سبعة عشر حرفاً ومن خلالها كانت تتنفس  لغتي معانيها تارةً، وتارةً أخرى كانت تختنق وتتلعثم. مرةً كنت أسير وحيداً في شارع النصوص الافتراضي، وقد مررت بزقاقٍ جديد المعالم وهنالك شاهدت معارفً معروضةً ذات حاشية مفتوحة، وكما تعلم أن ذلك الشارع الافتراضي لا مكان فيه للتفريق بين التصديق والتكذيب، لأن كل ما فيه يحتمل وجهين أو أكثر.

 أخبرني أهل الإطلاع كما يسمونهم، وأنا سميتهم الأبواق فقد قالوا بأن الترجمات حولي اختلفت في معانيها دون عناية بموت مؤلف النص أم لا، وإن صح ذلك فأنا أعرف أن الذي أراد قتل المؤلف هم أهل الترجمات وذلك خدمة لمآربهم. وقال لي أخرٌ أن "المال السايب يُعلم الناس الحرام"، وحين دخلت الى أحد مقاهي الفقراء أخبرني أحدهم أنه قرأني خبراً في جريدةٍ بالإنكليزية، وتأوه آخرٌ لحالتي التي قرأها في نص فرنسي، أما البقية من أهلي فلم يقرؤوني بالعربية لأن حرفي صار يُدفع ثمنه بالدولار.

ما سر الورقة التي كتبتُ عليها، أجابني فنجان قهوةٍ ذات يوم بانه يوم كلما اهتزت طاولةٌ كان الورق يشرب القهوة بدلاً من الكاتب، فتنبهت من غفوتي. أيعقل أن ورقة النص البيضاء التي اعيش فيها، قد شربت حينها على الطاولة مما شرب الكتّاب!