عقدٌ من الحراك الشعبي العربي. الأزمات تراوح مكانها. حفلات الردح والهجاء على الشاشات كلها لم تأت بجديد. انتصارات، هزائم، قوى تتقدم وأخرى تتراجع، تغير بالموازين الإقليمية والدولية، كلها لم تحل أصل المشكلة. الأكثر سوءاً من كل ما تقدم هو حالة الانكار التي نعيشها جميعاً. إلى اليوم لم تخرج جماعة "سياسية" واحدة لنقاش أصل المشكلة: ما الذي أوصلنا إلى هنا؟ ولماذا انفجرت كل هذه الشعوب؟. وبالرغم من أولية أو بديهية هذا السؤال، يجتهد الجميع لاستعادة "مكرورات النجاة من محاكمة التاريخ". هكذا يضع كلاً منّا الحق على الآخرين. والآخرين ليسوا أفراداً، بل جماعات أو "مشاريع هويات مقفلة". هكذا يتلاشى تاريخ الإنسان في منطقتنا وتتكثر تواريخ الجماعات، التنظيمات، السرديات الكلية ذات البعد الواحد. أما الغائب الوحيد في كل هذه التواريخ فهو نحن؛ الأناس العاديون، الأفراد الذين لم نسطف في طابور المنتفعين على ضفتي الاقتتال.

***

تاريخ الإنسان العادي في منطقتنا:

كان اسمه أحمد الزعتر. في غنائيات مارسيل خليفة كان اسمه أحمد العادي. فضّل محمود درويش اسم أحمد العربي له. وأحمد الزعتر/ العادي/ العربي هذا إنسان بسيط، عاش في مخيم تل الزعتر مع الآلاف من إخوته اللبنانيين والفلسطينيين. أحمد هذا لم يعِ استراتيجيات الخرائط ولا توازنات اللعبة الكبرى بين وارسو وواشنطن. هو لم يكن عالماً أصلاً بطبيعة العلاقة بين عرفات والأسد، ولا بدهاليز المفاوضات المصرية الإسرائيلية وانعكاسها على بيروت أو دمشق. ربما، هو لم يقرأ صحيفة قط. لكنه كغيره كان يقرأ الحزن واضحاً في وجوه أقرانه، والفقر مسطراً في شوارع تل الزعتر. أحمد الزعتر هذا كان عادياً حد الانفجار. والأخير دفعه – ويا للأسف - لحمل السلاح عام 1976 لمواجه ميليشيات الكتائب والقوات السورية. قُتل أحمد آنذاك ودخل الكتائب إلى المخيم.

لست قادراً اليوم على محاكمة تلك المرحلة وأي من الأفرقاء كان مخطئاً وأيهم مصيباً. كما أني لست قادراً على تحديد مدى خطأ كل فريق. لكني أدرك تمام الإدراك أن أحمد ذاك لم يكن رقماً ولا تفصيلاً. وهو ليس قضية تستدعي التضامن بقدر ما يقتضي فهمه كمعيار لأي سياسية، وأصل في أي قضية. أحمد ذاك كان "البلاد وقد أتت لتتقمصه، ...من المحيط إلى الخليج، من الخليج إلى المحيط". أحمد ذاك كان الصفحة المهملة في تاريخ تقمصنا خرائط الاستعمار ومثقلاته وتمثلات فكره السياسي. أحمد ذاك لم يعِ السياسة جيداً. هو وعى تعبه، وهذا كل ما في الأمر.

***

سرديات في خدمة المركز:

في تحليله لاشكاليات التاريخ العربي، يتوقف المؤرخ الأميركي بيتر غران عند لحظة دخول نابليون بونابرت إلى منطقتنا. كثيرة هي الاختزالات والاختصارات التي استولدناها بعد الدخول الفرنسي إلى القاهرة أواخر القرن الثامن عشر. لكن أخطر ما في دخول نابليون هو فرضه الدولة كإطار للمخيال السياسي. إن الفارق الجوهري بين ما قبل عام 1798 (عام دخول نابليون إلى القاهرة) وما بعده يكمن في نقطة فاصلة وهي أن السياسة في منطقتنا صارت رديفة لتصور استعماري عن الدولة. هكذا نجد أنفسنا على مدى قرنين كاملين، أحزاباً وقوى وقيادات ونخب غير قادرة على التفكير في السياسة خارج إطار الدولة. الدولة طوطم السياسة وإله العقل الحديث. رب نؤدي له فروض الإجلال ولو اقتضى منا زهق الأرواح والأنفس والكرامات فدواً له. والدولة هذه ليست إلا ما تَصوَّره الاستعمار عن بلادنا. مدن وريف، طوائف ومذاهب، ملل ونحل، تعيد أسطرة وجودها بمقولات تفرضها مركزية النخب المستعمَرة. الاستعمار في منطقتنا لم يكن احتلالاً البتة. الاستعمار كان رؤية لا أرى أننا قادرون على تجاوزها إلى اليوم. فكرة بيروت ومرفئها، سرديات الشيعة، كمثال، عن وظائفهم "الدونية" في بيروت فترة الخمسينيات والستينيات، كلها تدل على ثقل وطأة الدولة في إنتاج تصوراتنا عن أنفسنا، والعالم. (لا يقول الشيعة أنهم امتلكوا أكبر ثروة زراعية في لبنان في الأربعينيات والخمسينيات، بل تكاد تختصر سرديتهم الشعبية عن ذاتهم في كونهم كانوا في تلك المرحلة "عتالي بور" لا أكثر. وهذه نظرة مثقلة بوطأة استعمارية أنتجها الغرب عن بيروت/ المركز، وموقع كل ملة أو طائفة من المركز).

***

السياسة في لبنان اليوم:

لروبرت ماكلنتوك، السفير الأميركي في لبنان، فترة ولاية أيزنهاور الثانية، توصيف دقيق للساسة اللبنانيين؛ هم أشبه بـ"شخصيات لويجي بيرانديلو الست". و"شخصيات بيرانديلو" هذه، نص مسرحي كتبه بيرانديلو سنة 1921 عن عائلة من ستة أفراد تحلم بأن تجسد المأساة التي تعيشها، فتقتحم صالة تمرين مسرحية، باحثة عن مخرج ينهي مسرحيتها التي لم تكتمل. قصة حياة هذه العائلة هي ببساطة مسرح داخل مسرح، وهي على الدوام مأساة تبحث عن مُخرج يقدمها للناس أبد الدهر.

وصف ماكلنتوك للسياسيين اللبنانيين فيه الكثير من الدقة. لقد اعتاد هؤلاء على من يدير حبكة مأساتهم على الدوام. يتعاطى السياسي اللبناني مع الخارج كـ"سلعة"، ويتعاطى مع الناس كإقطاعي. محق كان ماركس في وصفه السلعة بأنها "كلبيّة بالمولد... لأنها على أهبة الاستعداد دوماً لمبادلة روحها، بل وجسدها، مقابل سلعة أخرى (النقد)". المالك مستعد للتخلص منها دائماً، والمشتري يريد أخذها. لهذا نراها على الدوام تنتقل من يد إلى أخرى. ولهذا نرى سياسيينا يتنقلون من مرجعية إقليمية إلى أخرى في بحثهم عن الدعم والمال.

"في الرخاء وحالات الازدهار يتصرف جميع (السياسيين) بإيمان نقي كالبروتستانت. وعندما يأتي الانهيار يغطس الجميع بحثاً عن "كاثوليكية" القاعدة النقدية، أو الذهب". في مرحلة الانهيار لا يعود التفكير في الناس أولوية السياسي. في الأصل هو لا ينظر للناس أكثر من كونهم سلعاً (هزيلة المظهر ونتنة الرائحة) تصنع مزيداً من النقد والسلطة. لذا لم يكن مستغرباً أن يبدّي السياسي ماله وودائعه على الناس، بمن فيهم جمهور ناخبيه.

كاذب كل من يقول أن ثمة إمكانية للمعالجة من خلال هذه الطبقة الفاسدة. وواهم كل من يتأمل الإصلاح بالتعاون مع "أخ مفسد كبير أو صغير". لا يستوي القاتل والقتيل. لا يستوي الباغي والفقير. لا تستوى آلام الناس وآمال الفجرة. هذه دولة فاجرة.