المشهد السياسي الإسرائيلي مائع بنحو كبير. الاندماجات في معسكر الوسط - اليسار في المعارك الانتخابية الأخيرة أفضت لفشل ذريع. في العامين الأخيرين استجاب معسكر الوسط لدعوة الجمهور وعمل بحزم على الاندماج. كان هذا جزء من ردهم على عقد مضطرب من حكم نتنياهو. عشية الانتخابات لم يكن على المراقب أن يجهد كي يكتشف سُعار المؤسسة الاعلامية من خطوات نتنياهو المستفزة. أوراق الصحف تمتلئ ليل نهار بأخبار هجوم رئيس الحكومة على السلطة القضائية. صفحات الرأي كذلك صاخبة في محاولة خلق موجة اعتراض في وجه نتنياهو. الرجل يأخذ "إسرائيل" إلى الهاوية يقولون. لذا، استنفر الوسط ومعه اليسار من أبناء القرى الزراعية (الكيبوتس) مروراً بالمستوطنات العمالية انتهاءً بالمدن الكبرى، كلهم تجندوا من أجل خطوة سياسية واحدة: حشد التصويت الكثيف لإنهاء ما يبدو خطراً حقيقياً على "إسرائيل" مع ما يعني ذلك من توحد الأحزاب القديمة في معسكر واحد كي لا يضيع أي من أصوات الناخبين اليساريين.

من أجل هذه المهمة اندماج حزب "يش عتيد" مع قائمتي بني غانتس وموشيه يعلون عام 2020. ومن أجل هذه المهمة وُضع غانتس على رأس لائحة "أزرق أبيض" ووقف كل المعسكر وراءه كمرشح بديل عن نتنياهو آنذاك. حركة ميرتس تصرفت بمسؤولية هي الأخرى تجاه هذه المهمة عام 2020. وكذلك فعلت القائمة المشتركة.

لكن بمقدار التوقع والآمال كانت الخيبة. لقد فاز "أزرق - أبيض" في معركتين انتخابيتين عام 2020، لكنه لم ينجح في تغيير السلطة. بدلاً من ذلك تشظى وتفكك؛ الشخص الذي حصل على أصوات ناخبي اليسار - الوسط خلال 3 معارك انتخابية أدار ظهره لهم ودخل في حكومة نتنياهو. وكانت النتيجة عدداً غير مسبوق من الوظائف السخيفة و"وعداً من أكبر محتال في السياسة الإسرائيلية بالمناوبة"، كتبت يديعوت[1].

توحيد ميرتس وحزب العمل فشل أيضاً. رئيسة حزب غيشر/ الجسر اليساري، أورلي ليفي أباكسيس قفزت ببساطة مع المقعد الذي منحها إياه الناخبون إلى كتلة نتنياهو، وتبعها حزب العمل برئاسة عمير بيريتس وإيتسيك شمولي.

في الجولة الانتخابية الأخيرة عام 2021، مالت الأصوات لغير سبب إلى يش عتيد. انتخاب يش عتيد كان تعبيراً عن خيبة ناخبي اليسار - الوسط من أحزابهم. الشخصانية تطغى على أداء اليسار منذ عدة عقود. قيم اليسار التي نادى بها لسنين (النساء، المثليين، الإسكان الشعبي، إنهاء السيطرة العسكرية على الفلسطينيين) لم تعد جاذبة اليوم. "إسرائيل" في محل آخر.

اليمين متماسك بشكل أكبر في "إسرائيل" هذه الأيام. حزبَي "يمينا" و"البيت اليهودي" اتفقا على عدم خوض الأخيرة الانتخابات ودعم نفتالي بينت، رئيس "يمينا" مثلاً. حزب الصهيونية الدينية برئاسة بتسلئيل سموتريتش، خاض الانتخابات تحت جناح "عوتسما يهوديت/قوة يهودية". الأحزاب الأربعة هذه تشكل تياراً جارفاً اليوم في "إسرائيل". إنهم أبناء مائير كاهانا الروحيين. "كاهانا حي"؛ تحت هذا العنوان خاضوا الانتخابات الأخيرة وهم مستمرون.

قبيل أيام من الانتخابات، وعندما طولبت الأحزاب بتوزيع فائض الأصوات وفق أزواج، وقّع جدعون ساعر اتفاقية مع نفتالي بينت، ووقّع يائير لبيد اتفاقية مع أفيغدور ليبرمان، ووقّع بني غانتس اتفاقية مع يارون زليخا، ووقّع بنيامين نتنياهو اتفاقية مع بن غفير شريك سموتريتش في حزب الصهيونية الدينية.

هكذا تكشفت الحقيقة بأن هوية الليكود الحالية كاهانية بامتياز. نتنياهو لم يشرعِن الكهانية في الكنيست فحسب، إنما لعب دور الوسيط أيضاً بين سموتريتش وبن غفير ليجتازا نسبة الحسم. إنه عصر كاهانا في "إسرائيل".

 

- أرقام وشواهد:

من الصعب فرز الناخبين الإسرائيليين وفق توجه واضح ومحدد، كمسائل السلام مع الفلسطينيين والنووي الإيراني، الموقف من العرب عامة، أو غيرها من الموضوعات. لكن الساحة الإسرائيلية شهدت مؤخراً نوعاً من القسمة المستحدثة بين الأحزاب المتصالحة مع التيار الكاهاني والأخرى المعارضة له. في الجدول أدناه، نبيّن للقارئ، حجم كل كتلة في الكنيست اليوم إضافة لعدد أصوات منتخبيها ونسبتهم المؤوية من مجمل الناخبين. (ملاحظة: الأحزاب المؤيدة للكاهانية، أو المتصالحة معها حُددت باللون الأزرق، فيما حددنا بالأخضر الأحزاب المتحفظة عليها).

Capture222222.PNG

- استنتاجات أولية:

يُظهر الجدول أعلاه، تفوق الأحزاب المؤيدة للكاهانية بما يزيد عن الـ300 ألف صوت، عن نظيرتها المعارضة للكاهانية. ما يجعل مسألة الاستيطان والكاهانية المسألة الأكثر حضوراً على المستوى الاجتماعي الإسرائيلي. إذ لم يعد هذا التيار هامشياً، وصار – مستفيداً من النظام الانتخابي – قادراً على تحديد شكل الحكومة، وتحالفاتها، ومن ثم سياساتها الداخلية بنحو كبير.

 

- توزع الناخبين في الدوائر والأحياء الانتخابية في المدن الكبرى:

ملاحظة: الدوائر الانتخابية معلَّمة بحسب لون كل حزب؛ بمعنى أن لون كل دائرة يعني أن هذا الحزب (المرمز له بلون محدد) فاق الأحزاب الأخرى بعدد منتخبيه في هذه الدائرة أو الحي. وهذه الأحزاب محددة وفق الألوان التالية: الأصفر: هناك مستقبل. الكحلي: الليكود. الأزرق: شاس. السماوي: يهودوت هاتوراه. الأحمر: العمل. الأحمر الخمري: اسرائيل بيتنا. الأخضر: القائمة المشتركة. البنفسجي: يمينا. الزهر: ميرتس.

 

- في حيفا: ذهبت الكتلة التصويتية لأبيض أزرق في انتخابات 2020 إلى يش عتيد: في 22 منطقة انتخابية من أصل خمسين دائرة تقريباً من مجمل حيفا تقدم يش عتيد. دائرة واحدة تقدم بها الليكود عما كان عليه عام 2020 (في منطقة نافي شنان شرق المدينة حيث معهد التخنيون) بالرغم من تراجعه قرابة السبعة نقاط مئوية. يُسجَّل لاسرائيل بيتنا تقدمه في منطقتين انتخابيتين في المدينة، في تل عالم وهدار الكرمل. (راجع صورة رقم 1)

 

حيفا 2021.PNG

(صورة رقم 1)

 

- في نتانيا: تقدم الليكود في ثلاث مناطق انتخابية مضافة للدوائر للـ23 التي كانت تحت سيطرته في انتخابات 2020، ليتفوق بنحو 26 منطقة من أصل 28 في نتانيا. فيما وسع يهودوت هتوراه تفوقه لدائرتين كذلك في شمال المدينة (راجع الصورة رقم 2). وهو الأمر نفسه الذي عايناه في نهاريا، حيث فرض الليكود سيطرة كالمة على المدينة في الدورتين الانتخابيتين الماضيتين. 

نتانيا 2021.PNG

(الصورة رقم 2)

 

- في تل أبيب: صبت 37 دائرة ليش عتيد، مقابل عشرة للعمل وميرتس (هذه ضمن دوائر انتخاب اليسار والوسط التقليدي) القائمة المشتركة حافظت على حضورها جنوبي المدينة. الليكود عزز من حضوره جنوب شرق المدينة من 10 دوائر عام 2020 إلى 17 دائرة في انتخابات 2021. لكنه لا زال بعيداً عن السيطرة على قلب المدينة وشمالها. (راجع الصورة رقم 3)

تل أبيب 2021.PNG

(الصورة رقم 3)

 

في القدس: من أحيائها الشمالية إلى جنوبها.