رغم دخولها الخدمة منذ أكثر من 10 سنوات، لكن نجم هذه الجولة من المواجهات العسكرية بين الفلسطينيين وجيش الاحتلال كان وبلا منازع منظومة القبة الحديدية الإسرائيلية. المشاهد التي كانت تعرض كل يوم من سماء فلسطين هي الأولى من نوعها على مستوى العالم في توثيق تصد لهجمات صاروخية قصيرة المدى بهذا الحجم وعلى مدى أيام بين قوتين متنازعتين، وقد انتشرت على نطاق واسع في مواقع الأخبار والتواصل وصفحات الصحف العالمية.

منذ اللحظة الأولى بالنسبة للفلسطينيين، كان الهدف العسكري الأساسي – الإنجاز – هو كسرَ منظومة الدفاع الصاروخي. المنظومة التي كرست خلال الحرب السابقة في 2014 وما تلتها من معارك قصيرة تخللها رشقات صاروخية، تفوقاً تقنياً ضخماً لصالح الكيان انعكس في الخطاب الإعلامي الصهيوني تصويراً لها على أنها السلاح الذي حيد صواريخ المقاومة الغزاوية من معادلات الصراع، وجعل آلاف الصواريخ التي راكمتها المقاومة في مخازنها مفرقعات جل ما تستطيع فعله هو إضاءة سماء الأراضي المحتلة كألعاب نارية ضخمة.

بالنسبة لـ"إسرائيل"، وعلى صعيد الجيش شكل الرهان على صمود القبة الحديدية وفعاليتها الكبيرة نقطة تحول في استراتيجياته العسكرية، ولو نسبياً. الهدوء النسبي الذي حكم قيادة المِعركة من جانب جيش الاحتلال مقابل الإفراط في الوحشية خلال حروبه السابقة يعود بالدرجة الأولى إلى ثقته بأن فصائل المقاومة لن تقدر على مفاجأة الاحتلال بعملية عسكرية كاسرة للموازين على مستوى الهجوم الصاروخي، وبالدرجة الثانية إلى اعتباره أن قدرة المقاومة الصاروخية، والتي راكمتها خلال عشرات السنوات وتقدرها أجهزة استخباراته بحوالي 15 ألف قذيفة صاروخية بمختلف أنواعها وأحجامها، قد خسرت تسع أعشارها. وعلى صعيد المستوطنين ولا سيما مئات آلاف المقيمين في غلاف غزة وأشدود وسديروت وعسقلان، شكلت القبة الحديدية بمفاعيلها المتوقعة مصدراً للاطمئنان ظهر بإصرار معظمهم على البقاء في مستوطناتهم في الأيام الأولى للعدوان، كما أثر بشكل كبير على خياراتهم الانتخابية.

ما هي منظومة القبة الحديدية؟

طورت شركة رافاييل منظومة القبة الحديدية الصاروخية بالتعاون مع الصناعات الفضائية والجوية التابعة لوزارة الحرب الصهيونية وبتمويل أميركي مباشر وعلى دفعات ناهز 1.6 مليار دولار حسب المعلن عنه. المشروع بدأ التخطيط له مباشرة بعد جولة الصواريخ في حرب تموز 2006، ووضعت أسسه عام 2007 في عهد الرئيس الأميركي بوش، ودخلت أول منظومة غير تجريبية منه العمل عام 2011، تحديداً في 7 نيسان/أبريل، حين نجحت أول عملية اعتراض لصاروخ أطلقته فصائل المقاومة من غزة نحو مستوطنات الغلاف.

آلية عمل المنظومة

تقوم المنظومة الدفاعية، بحسب آخر نسخة مطورة منها، على نظام ذو مبدأ تقليدي وهو وحدة متكاملة مركبة من 3 أجزاء: الرادار وغرفة التحكم وتحليل الداتا وبطاريات الإطلاق. في كيان الاحتلال حالياً 10 وحدات صاروخية دفاعية فعالة ضمن منظومة القبة الصاروخية، في كل وحدة 4 بطاريات صاروخية (بعد أن كانت ثلاثة بطاريات في نسخ سابقة) سعة كل واحدة منها 20 صاروخاً من طراز "تامير"، تأتمر من خلال نظام ذكاء اصطناعي يحلل الداتا الواردة من الرادار الخاص لكل وحدة، ويقدر عبر خوارزميات دقيقة مسار الصاروخ المعادي الذي يرصده الرادار وسرعته والمكان المتوقع سقوطه فيه، ليبادر خلال وقت لا يزيد على 3 إلى 5 ثوانٍ لإطلاق صاروخين لاعتراضه، ينفجران في مكان معين بدقة على المسار الوهمي المتوقع أن يسلكه الصاروخ تحدده غرفة التحكم قبل الإطلاق. ويمكن تعديل مكان انفجار الصاروخين بعد إطلاقهما، فعندما يقترب الصاروخ من الهدف يتحول التحكم به من الرادار الأرضي إلى رأس الصاروخ الذكي المزود برادار صغير ونظام تحكم مباشر يوجه الصاروخ الإعتراضي نحو الصاروخ الهدف، وعندما يقترب منه يقوم جهاز استشعار بتفجير الشحنة المتفجرة التي تزن 16 كيلوغرام في مجال كافٍ لتفجير الصاروخ المستهدف. في الحرب الأخيرة تم تعديل نظام التصدي الصاروخي ليطلق صاروخاً اعتراضياً واحداً بدل صاروخين ضد كل صاروخ هدف يحدده الرادار، وذلك ضماناً لاستمرارية عمل المنظومة لأطول فترة ممكنة.

أجزاء منظومة القبة الحديدية

لكل وحدة صاروخية رادارها الخاص، وهو رادار متعدد المهام من نوع ELM-2084 إسرائيلي الصنع من قبل إلتا أحد فروع الصناعات الجوية الفضائية، مزود بخاصية الرصد الثلاثي الأبعاد ويتم التحكم بسهم الرادار إلكترونياً دون حاجة لحركة الرادار ما يساهم في القدرة على إخفاء وتمويه جهاز البث الذي قد يكون بالأصل محمولاً على آلية متنقلة أو مثبتاً على الأرض.

يحدد الذكاء الإصطناعي في غرفة التحكم والتوجيه المكان المتوقع لسقوط الصاروخ، ويطابقه على خريطة محدثة بشكل دائم توضح ما إذا كانت المنطقة التي يتوقع سقوطه فيها مأهولة أو مبنية أم لا، وبالتالي إذا ما كان من الضروري اعتراضه أم لا. هذه الخاصية هي الأولى من نوعها في أنظمة الدفاع الصاروخية في العالم، ويعتبرها مطوروا القبة الحديدية كتعويض عن الكلفة الكبيرة التي أنفقت على المشروع بحيث أنها تساهم في زيادة الفعالية الدفاعية الحقيقية للمنظومة إلى حدها الأقصى. ويساهم طاقم في إدارة بشرية لغرفة التوجيه والتحكم في حال احتاج الأمر لإلى تدخل بشري استثنائي أو تعديل في أنظمة العمل.

ينتقل الأمر بالتسلسل إلى البطاريات المرتبطة بغرفة التحكم، فالأوامر التي تصدر عن جهاز التوجيه يتم توزيعها بشكل مدروس ومنسق على 4 بطاريات إطلاق موزعة على نطاق يغطي حوالي 150 كيلومتراً مربعاً، ويتراوح المدى الفعال لصاروخ تامير الذي تطلقه منصات القبة الحديدية بين 4 إلى 70 كيلومتر كما تصل سرعته إلى ضعفي سرعة الصوت. تبلغ قيمة الصاروخ الواحد من نوع تامير حوالي 20 ألف دولار أميركي، وهي قيمة يعتبرها الإسرائيلي معقولة في مقابل الأضرار التي يمكن أن يلحقها الصاروخ المعادي في الأرواح والممتلكات والسياسة. لا يلغي هذا الأمر الفارق الكبير (بـ 10 إلى 20 مرة) بين كلفة الصاروخ الاعتراضي والصاروخ الهدف، ولا الكلفة الباهظة التي يمكن أن تكلفها حرب صاروخية طويلة لخزينة حكومة الكيان.

الوضع الحالي لمنظومة القبة الحديدية

منذ شهرين، أي في آذار 2021، أعلنت وزار الحرب الإسرائيلية أن تطويراً أدخل على المنظومة لتتمكن عبره من التعامل مع رشقات صاروخية كثيفة أو عدة طائرات مسيرة بفعالية كبيرة. تطوير حاول من خلاله جيش الاحتلال تخطي عقبة الإمطار الصاروخي الذي صرح قادة المقاومة في فلسطين ولبنان مراراً بأنها ستكون حيلتهم السهلة لتجاوز المنظومة الدفاعية.

حالياً، هناك 10 وحدات من القبة الحديدية صرحت حكومة الاحتلال بأنها وضعتها في الخدمة الفعلية في الأراضي المحتلة منذ عام 2019، كما تم بيع منظومات من القبة لأذربيجان عام 2016 وللولايات المتحدة عام 2020 ثم في فبراير 2021. بلغت قيمة الصفقة مع الولايات المتحدة 373 مليون دولار مقابل وحدتين تتضمنان رادارين و12 بطارية إطلاق و240 صاروخ تامير مع غرفتين تحكم. أبدت دول عربية كالبحرين وقطر والإمارات والسعودية رغبتها في شراء المنظومة، ومنذ بضعة أشهر استحصلت الولايات المتحدة على موافقة لاستعمال منظومة القبة الحديدية في قواعدها في دول الخليج من حكومة الاحتلال، كما وقعت الهند ورومانيا صفقات لاستلام منظومات لم تنفذ بعد.

وفيما يخطط الاحتلال لنشر 5 وحدات إضافية ليصل عدد الوحدات العاملة إلى 15 وحدة، فإن القدرة الحالية للقبة الحديدية تمكنها – بحسب تصريحات ضباط الاحتلال  وبعد التطوير الأخير–من التعامل مع 800 صاروخ في هامش وقت ضيق لم يتم تحديده رقمياً. كما يخطط الاحتلال لنشر منظومة القبة الحديدية في البحر بعدما نجحت تجارب أجراها مؤخراً في اعتراض أهداف جرى إطلاق صواريخ تامير عليها من منصات متحركة جرى تعديلها لتناسب السفن والقطع البحرية الإسرائيلية.

تقييم ما بعد عملية حارس الأسوار – سيف القدس

تمكنت المنظومة من اعتراض ما يزيد على 85% من الصواريخ التي أطلقت على الكيان، كما أعطت للجيش والقادة السياسيين في "إسرائيل" فرصة التخطيط بروية والعمل بهدوء نسبي مقابل فرضية أن تكون السماء مكشوفة أمام صواريخ فصائل المقاومة كما كان الوضع قبل الـ2011، وبالتالي عدم الإستعجال أمام خيارات الضرورة سواءً في الدخول البري أوغير ذلك مما كانت طبيعة المعركة تفرضه على القيادات العسكرية والسياسية. ولكن أسطورة أن تكون أرض فلسطين المحتلة في مأمن تام من صواريخ المقاومة وغائبة بالتالي عن أجواء الحرب والمعارك العسكرية ثبت بطلانها بشكل قاطع كذلك. فالقيادات العسكرية الإسرائيلية نفت أن تكون القبة قادرة على تأمين غطاء تام للكيان. المعركة الأخيرة أثبتت أن الـ10% – 15% التي يمكن للمقاومة الإستفادة منها مبدئياً، يمكن أن تكون تكلفتها كبيرة جداً ولو بحدود مواجهة محدودة مع قطاع غزة المحاصر والذي تقول استخبارات العدو أن عدد الصواريخ فيه لا يتجاوز الـ15 ألف صاروخ منها المئات فقط ذات مديات كبيرة ورؤوس ضخمة.

إذن، لا يمكن الاعتماد على المنظومة لضمان أمن الكيان ومستوطنيه أمام هجمات أشد كثافة ومواجهات أطول مدة وعلى جبهات مفتوحة، ففي قطاع غزة أمكن للاحتلال وضع الوحدات في محاذاة محيط القطاع وعلى مسافات لا تتجاوز الـ5 كيلومتر من حدود القطاع بينما قد لا يكون هذا الأمر متاحاً في مواجهات على الحدود الشمالية مع لبنان وسوريا. يمكن اختصار الخلاصة بالقول أن المنظومة أثبتت نجاحاً تكتيكياً نسبياً ولكن الجولة الأخيرة عززت هواجس فشلها من تحقيق اختراق على المستوى الاستراتيجي أو أن تغير فعلاً في معادلات الصراع والردع القائمة اليوم بين محور المقاومة وكيان الاحتلال.

يذكر أن منظومة القبة الحديدية هي جزء من منظومة دفاع الكيان الإسرائيلي الصاروخية"متعددة الطبقات"، وهي تغطي درجة من عدة درجات من الدفاع تختلف باختلاف طبيعة الصاروخ المعادي ونوعه ومداه. فمنظومة القبة مخصصة للتعامل مع الصواريخ قصيرة المدى التي لا يزيد مداها عن 75 كيلومتراً، وهي بالتالي لن تكون الركن الأساس في دفاع جيش الاحتلال أمام صواريخ حزب الله الكبيرة والتي يتحدث الاحتلال أن الأخير يمتلك الآلاف منها، فيخصص جيش الاحتلال منظومة مقلاع داوود الصاروخية للتعامل مع صواريخ المدى المتوسط إلى حد 200 كيلومتر، بينما يخصص أنظمة أكثر تطوراً وقوة كالسهم وباراك للتعامل مع الصواريخ الباليستية والاستراتيجية.