يتوقّع البنك الدولي أن يبلغ تضخّم الأسعار في لبنان 80% هذا العام، مقارنة مع 84.3% قبل عام. هذا يعني أن التضخّم سيبقى محفّزاً لارتفاع سعر صرف الدولار وانهيار قيمة الليرة بنفس النحو الذي انهارت به سنة 2020. ثمة مسألة واحدة يمكن فهمها من توقعات البنك الدولي. الدولار لن يعود إلى الوراء في مسار صعوده الحالي. نحن دخلنا في دوامة التضخم، وانعدام اليقين، وهاتان المفردتان هن لب الانهيار.

في الآن عينه، نحن لا نعتبر أنفسنا معنيين بالأرقام لناحية دلالتها. الأرقام كاذبة، أو لِنقل، هي وظيفية بعض الشيء. غالباً ما توظف الصناديق الدولية أرقامها من أجل غايات محددة. لكن الأرقام التي سنفردها في ما يلي، لا علاقة لها بما يتطلع صندوق النقد أو البنك الدولي، إلا بما يعنينا من تأثيرها على الحياة اليومية، والسلة الغذائية، أو سلة استهلاك السلع والخدمات لدى المواطنين اللبنانيين.

***

في العادة، يُستخدم مؤشّر أسعار قياس الاستهلاك/"CIP"، لقياس كلفة أسعار السلع والخدمات في الاقتصاد. عادة، يتم احتسابه استناداً إلى معدّل أسعار سلّة من السلع والخدمات. على أن تُصنّف كل مجموعة متقاربة/متجانسة من السلع والخدمات في بند واحد. كترجمة رياضية، يفترض المؤشر العام وزناً لكل بند يعكس حصة من مداخيل الأسرة. فالأسر تقسّم مداخيلها على نفقات الغذاء والملابس والصحة والتعليم والترفيه وغيرها تبعاً لنمط استهلاكها. وهو ما يفرض عليها نوعاً من التكيف مع تحولات الاقتصاد، لناحية الانفاق العام، ولناحية انتقائها للسلع الأولى وفق احتياجاتها ومدّراتها. لذا، تتغير هذه البنود بحسب الظروف. فعلى سبيل المثال، إذا كانت الأسر تنفق ربع مداخيلها على الغذاء، فإن تضخّم الأسعار يفرض عليها زيادة قيمة ما تخصّصه للإنفاق على الغذاء على حساب تقليص نفقات أخرى. وهو ما لم تلتفت إليه الدولة اللبنانية إلى اليوم[1].

***

 

تصدر إدارة الإحصاء المركزي عادة كل ما تحتاجه الدولة والوزارات من مستلزمات إحصائية تفيد أصحاب القرار. هذا ما ينبغي أن يكون عليه الحال. في لبنان، وبالرغم من هول التحولات الاقتصادية وانعكاساتها على المواطنين العاديين، لا تزال مسألة التضخم رهن مؤشّر تضخّم الأسعار الصادر عن دائرة الاحصاء المركزي قبل 9 سنوات. لا تراعي سلّة استهلاك الأسرة اليوم التحوّلات التي طرأت على نمط استهلاك الأسرة نفسها. الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة التي طالت لبنان منذ عام 2019، ثم ما تلاها من تبعات جائحة كورونا، فالاضطرابات الاجتماعية وفوضى قطع الطرقات، كلها عوامل أفضت لتغييرات كبيرة في نمط استهلاك الأسر اللبنانية، كما ولتباينات كبرى ما بين استهلاك الأسر في المدن وتلك التي في الأرياف.
محلياً، تعتمد الدولة على على أرقام إدارة الإحصاء المركزي لعام 2012 (بسبب كونه الإحصاء الأخير ) لتحديد نفقات الأسر وحجم أو وزن كل بند من بنود إنفاق الدخل فيها. ما يعبّر بشكل خاطئ عن تقدير الدولة لسلّة استهلاك الأسرة، ومن ثم لحجم التضخم الفعلي.

ثمة عناصر، مباشرة وغير مباشرة، على الدولة تقصي واقعها في تحديد نسب التضخم، وما ينعكسه منه على إنفاق الأسرة بشكل مباشر منها[2]:

  1. الأزمة النقدية، وما أرخت به من خسارة الليرة نحو 85% من قيمتها في سوق الصرف، أمام الدولار. الأمر الذي أفضى إلى ارتفاع مستوى الفقر إلى نحو 45% والفقر الشديد إلى نحو 22%، بحسب إحصاءات صندوق النقد الدولي، مع وجود حوالي 1.7 مليون شخص يعيشون تحت خط الفقر، منهم 841 ألفاً دون خط الفقر الغذائي[3].
  2. جائحة كورونا: والتي أدت بشكل من الأشكال لصدوع في شبكة الأمان والتكافل المجتمعي. فالجائحة أفضت لتغيّر كبير في نمط حياة اللبنانيين جراء الإقفالات المتتالية، وإجراءات التباعد. وهو ما دفع بالمدير الإقليمي لدائرة المشرق في البنك الدولي، ساروج كومار جاه للقول: "إن تداعيات هذه الصدمات على الرفاه الاقتصادي للأسر واسعة النطاق، وقد تكون كارثية. ومع ازدياد معدلات الفقر وعدم المساواة، بات الاستقرار الاجتماعي معرضاً للخطر".
  3. ارتفاع نسبة البطالة: تفيد استطلاعات برنامج الأغذية العالمي أواخر العام الماضي أن معدل البطالة ارتفع إلى حوالي 40 بالمائة في كانون الأول 2020، مقابل 28 بالمائة في شباط من العام نفسه[4].
  4. تأثير إغلاق المعابر البرّية (بسبب الحرب في سوريا) على الصادرات اللبنانية، وهو ما ترك أثره على أسعار السلع الزراعية المصدرة إلى العالم العربي. هذا الأمر تحديداًَ انعكس على القدرة الشرائية للأسرة في الأرياف، أكثر منه في المدن. كما انعكس تحولات في الطلب الاستهلاكي العام محلياً.
  5. عدم وجود سياسة دعم ممنهجة وجادة: فبدلاً من أن تُستخدم سياسات الدعم كجزء من دعم المستهلك لتصحيح أثر الفقر وحماية القوة الشرائية للأسر الأكثر فقراً. تشوب سياسات الحكومة إلى اليوم عيوبٌ منهجية لا تتيح أداء الدور المطلوب من سياسة الحماية الاجتماعية.

إلى اليوم لم ترتدع السياسات الحكومية عن أن تحافظ على آليات عمل المجتمع الاستهلاكي. دعم الوقود، مثلاً، لم يكن وفق رؤية اجتماعية، بل من أجل حفظ ربح كارتيل المحروقات. الأمر نفسه بالنسبة للدواء، والقمح، وغيرها. لتأكيد هذا الأمر، يكفي أن نذكر بدعم للحكومة للكاجو (نوع فاخر من المكسرات) مثلاً.

 

  1. بنية تحتية غير ملائمة لأسر المجتمع الريفي: إن الأسوأ من التضخم، هو عدم وجود بنى تحتية (اقتصادية، اجتماعية) قادرة على التكيف مع الأزمة. سيفضي الأمر لأن تتضرر المجموعات الأكثر فقراً من التضخم دون غيرها (هذا ليس شرطاً حتمياً في كل حالات التضخم). الأمر يعني، أننا سنعيش أزمة سرعان ما ستنعكس على المستويين الاجتماعي والأسري، في القادم من الأيام.

هي مصائب لا تعرف دولتنا عنها شيء.

 

[1]  https://bit.ly/3xW8ttm

[2]  كدلالة على التضخم في الاستهلاك الغذائي وحده (تحديداً في الخضار)، تشير الدولية للمعلومات إلى زيادة نسبتها 189% بين عامي 2020 و 2021. https://monthlymagazine.com/ar-article-desc_4979_%D8%B7%D8%A8%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%AA%D9%88%D8%B4-12287-%D9%84%D9%8A%D8%B1%D8%A9

[3]  https://bit.ly/3eplvYz

[4]  https://www.worldbank.org/en/country/lebanon/publication/economic-update-april-2021