عام 1982، كان الجيش الصهيوني يخطط لبناء وحدة خاصة بمهمات العمق، إلا أن الفكرة توقفت مع شروع "اسرائيل" بالهجوم على لبنان عام 1982. أُرجئ المشروع آنذاك حتى عام 1986 حين شُكّلت وحدة تحت قيادة اللواء دورون روبين، قائد المنطقة الجنوبية آنذاك، فوضعت الوحدة تحت قيادته. لكن الفكرة سرعان ما أُهملت من جديد، نظراً لفشل الوحدة الذريع في عملية "أزرق بني" ضد الجبهة الشعبية في منطقة الناعمة جنوب بيروت[1].

وبالعموم، كانت فكرة قيادة العمق تستهوي قادة وحدة "سيّيرت متكال"، وتستحوذ على مساحة واسعة من تفكيرهم واهتمامهم. في حرب الخليج الأولى عام 1991، عندما كان بيني جانتس برتبة مُقدّم، وقائداً لوحدة الكوماندوس في سلاح الجو، طرح تشكيل وحدة خاصة بعمليات في العمق لتنفيذ عمليات ضد قواعد صواريخ سكود العراقية، إلا أنه لم يححق ما يصبو إليه لاعتبارات جيوسياسية، ونظراً للاواقعية الطرح.

إيهودا باراك، الذي شغل منصب نائب رئيس الأركان فترة حرب الخليج الثانية، كان على لائحة المتحمسين لهذه الفكرة. حلم الأخير بملء قيادة الأركان بألوية من خريجي وحدة "سيّيرت متكال"، من قبل أن يصبح رئيساً لهيئة الأركان. ولا يبدو هذا الاتجاه بمعزل عن توجه عالمي، كان على رأسه مارتن ديمبسي، رئيس أركان الجيوش الأمريكية بين عامي 2011 و2015، وهو الذي شغل منصب نائب لواء في حرب الخليج عام 1991، ثم قائد فرقة في الجيش الأمريكي عام 2003.

مع الوقت صارت الفكرة واقعاً. تحديداً في 15 تشرين الثاني عام 2011. عندما شُكلت قيادة عسكرية مؤلفة من مئة ضابط تُعنى بالتخطيط واستخدام قوات النخبة المتعددة المهام. احتوت هذه القيادة في تشكيلاتها عديداً من كل الألوية والتخصصات، وجعلت مهمتها التنسيق فيما بين قوات النخبة لقيادة وتنفيذ عمليات ضد أشخاص وجماعات محددة. ومع الوقت ذهب البعض لاعتبار قيادة العمق بمثابة الجيش الرابع بعد جيش الشمال والوسط والجنوب في الكيان الصهيوني.

وقف على رأس هذه القيادة مائة ضابط من النخبة تحت قيادة اللواء المتقاعد شاي أفيتال[2]، ثم من بعده روني نوما، وخلفه لاحقًا اللواء تال روسو، وموني كاتس.

***

تغيرت الحروب في العقود الأخيرة بشكل كبير. لم يكن تغيير شكل الجماعات المقاتلة -بالنسبة للإسرائيليين أقله- هو المعضلة فحسب. ثمة ما هو أبعد بكثير. إن خطر الجماعات غير النظامية يكمن بشكل رئيس في مسألتين. أسلوب عمل المقاتل وحركته على الأرض، وهذا متروك للمعالجة التكتية أثناء الحرب. ونمط البنى ومؤسسات السيطرة والتحكم التي تحظى بها هذه التنظيمات، والتي غالباً ما تتمتع بقدرة عالية من السيطرة والتحكم والمناورة في آن. في الحقيقة، إن البنى الذاتية للجماعات غير النظامية التي تقاتل تجعل من الجبهة الأمامية في أي حرب، مسألة فرعية من ضمن جملة مسائل أخرى. لم تعد الحروب تحسم بالأمتار وبالحركة والمناورة والتسلل وغيرها من المسائل على الأرض (وإن كان لها أهميتها الكبرى ميدانياً)، بل ثمة ما هو أخطر في ظل وجود تنظيمات قد لا تكون المشاة فيها الركن الأساس في تخطيطها للحرب. تكمن مشكلة التنظيمات غير الدولتية في قدرتها على خوض الحرب عن بعد، من خلال أذرع صاروخية بعيدة المدى، ومن خلال منشآت ومراكز تحكّم لها الثقل الأكبر في حسم أي معركة. وهي غالباً ما لا تكون في الخطوط الأمامية، الأمر الذي يشكل هاجساً لكيان يفتقر إلى العمق الاستراتيجي.

بالإضافة إلى هذا التحدي، كان خطر إيران، وما يسميه الإسرائيليون بالجهاد العالمي وعمليات الإمداد من العمق بعيداً عن الحدود مسائل حاضرة بقوة. لذا، عندما استحضرت دوائر القرار الأمني في "إسرائيل" المتغيرات الحاصلة، خلصت إلى أن المتغيرات غاية في الخطورة، وتستدعي إعادة النظر في العقيدة العسكرية المعمول بها في الماضي، نظراً لعدم ملاءمتها لمستجدات الواقع العملياتي على الصعيدين التكتيكي والإستراتيجي. وقد شُكّلت لجنة لدارسة الموضوع برئاسة غادي أيزنكوت رئيس أركان جيش الاحتلال سابقاً وعضوية أفيف كوخافي، مسؤول الاستخبارات العسكرية في الجيش في حينها (2011)، وعضوية اللواء عيدان نحوشتان، قائد سلاح الجو في الجيش سابقاً، وبعد دراسة مستفيضة خلصت اللجنة إلى ضرورة تشكيل (قيادة العمق) في الجيش، لتكون جسماً مختصاً في التخطيط والسيطرة وتوجيه العمليات الحساسة.

وكان مما تفرع عن ذلك، إعادة النظر في طبيعة إدارة أي معركة ومسائل من مثل: تحريك القوات والتنسيق فيما بينها، فك شيفرة القتال، العمل لضمان إعادة القدرة على المفاجأة، العمل خارج نطاق توقع الخصم، كما وحرمانه من الاستفادة من نقاط آمنة توفر له التفكير والتخطيط بأريحية واستقرار. من هنا جاءت فكرة قيادة العمق[3].

مؤيدو ومعارضو تشكيل "قيادة العمق":

لا شك أن تشكيل "قيادة العمق" جاء على حساب صلاحيات الجيوش الثلاثة في الشمال والجنوب والوسط، الأمر الذي ترتب عليه انتقادات شديدة تراوحت بين التشكيك في قدرة التشكيل على تنفيذ المهام، وتداخل الصلاحيات بين ضباطه، إضافة إلى الاعتقاد بأن التشكيل الجديد سيصبح عبئاً أكثر منه إضافة تسهل قيادة العمليات والتخطيط لها، كما والتنسيق بين الأذرع التي تباشر في تنفيذها، وقد برز من بين المعارضين قائد سلاح الجو سابقًا أمير إيشل، وقائد منطقة الشمال ونائب رئيس الأركان الأسبق يائير جولان.

في المقابل رأى مؤيدو "قيادة العمق" أنها إضافة نوعية، وأنها ضرورة لتجنب الأخطاء التي وقعت من قبل؛ من مثل ما حدث في إنزال "مختصر شديد" في بعلبك شمال شرق لبنان، عام 2006[4]، وعملية "أزرق بني" في الناعمة جنوب بيروت منتصف الثمانينيات، وأن المعارضة لهذه القيادة نابعة من شعور قادرة الوحدات الأخرى بالمس بصلاحياتهم، لا سيما سلاح الجو، الذي كان يستأثر بالإشراف والتنفيذ على العديد من العمليات في عمق أراضي العدو.

أفول زمن "قيادة العمق"؟:

أدى تشكيل قيادة العمق إلى العديد من المشاكل العملية، منها التنافس على المهام، وتشابه الصلاحيات والصراع عليها[5]. كما أفضت التغيرات التي يعيشها الكيان إلى دفع كوخافي، رئيس الأركان، للعمل على إعادة هيكلة الوحدة ضمن خطة "تنوفا" لتطوير الجيش في السنوات الأربع المقبلة. ومن المفترض أن توزع مهام الوحدة مستقبلاً بين شعبتي "الإستراتيجيا وإيران"، وشعبة "بناء قوة متعددة الفروع". لا يعني هذا التقسيم، توزيع قوات الوحدة بين دائرتين منفصلتين بقدر ما يعني أن للوحدة مرجعيتين فنيتين يمكن الركون إليهما بحسب المهمة.

يعي كوخافي أن ثمة إشكالية في الجنبة العملياتية لأداء الجيش. هو يريد قسمة عمليات قيادة العمق ما وراء الخطوط وفق منظومتين، بلحاظ الجنبة العملياتية. الأولى مهمتها التعاطي مع الداخل الفلسطيني ودول الطوق. وترتكز استراتيجيتها على ضرب مراكز ثقل عمل المنظمات اللادولتية (حزب الله، حماس، الجهاد الإسلامي) بغية إفقادها توازنها. والأخرى تتعاطى مع العمق الحقيقي للمخاطر – إيران-. ستعمل الأولى بأمرة شعبة "القوة المتعددة الفروع"، تحت أمرة قسم التخطيط وقسم أساليب الحرب والابتكار (شيلوَح)، فيما ستعمل الأخرى تحت إمرة وإشراف شعبة التخطيط، والعلاقات العامة عملياً.

أما الإشكاليات التي يصطدم كوخافي بها فتكمن في:

  1. عدم وجود مراكز ثقل عملياتي لدى المنظمات غير الدولتية، بالشكل الذي تمتلكه الجيوش. الأمر الذي يعني عدم وجود أي ضمانة في نجاعة "العمل في العمق" مع هذه الجماعات.
  2. إن عدم اليقين في تبعات "العمل في العمق" مع الجماعات غير الدولتية يضع "اسرائيل" والمنطقة على حافة هاوية سائلة ومهتزة بطبيعتها، الأمر الذي يعقد من القرار السياسي وتقديرات المستويين العسكري والسياسي تجاه أي هجوم في مناطق عمل هذه القوة.
  3. يؤدي توسيع دائرة مهام قيادة العمق، من خلال اعتماد استراتيجية قتالية رباعية - تدخل فيها التقنية والسايبر مجال العمل العسكري- إلى مخاطر مضادة (قد يكون مجال السايبر فيها مجالاً رئيساً) يمكن أن تعود بالأثر السلبي على الجبهة الداخلية الإسرائيلية. الأمر الذي يعني ارتداداً سلبياً للأهداف التي تطلع الكيان إليها في تأسيسه قيادة العمق، أو في تفكيره في العمل خلف الخطوط. 

كل هذه النقاط وغيرها تترك بما لا يترك مجالاً للشك السؤال مشرعاً، حول الفائدة من مثل هذه الوحدات، في حروب لم تعد تحسم بضربة، أو بعملية، أو بنزال ينتهي بعد النقاط.

 

[1]  عملية "أزرق بني": هي العملية المشتركة بين لواء جولاني وسلاح الجو ووحدة شاكيد ضد الجبهة الشعبية - القيادة العامة - في منطقة الناعمة في 9/12/1988. بقيادة اللواء دورون روبن، إلا أن حجم الخسائر (قتل ضابط وجرح ثلاثة) وفشل العملية في تحقيق ما ينبغي، دفع قائد الوحدة اللواء دورون روبين لترك منصبه، ما أحال الوحدة إلى هيئة الأركان من جديد حيث بقيت أنشطتها محدودة لاعتبارات سياسية وعملياتية، ومع الوقت لم يتكرر ذكرها نهائياً.

[2]  ولد شاي أفيتال عام 1952، والتحق بالجيش عام 1970 جنديًّا ثم قائد طاقم في "سييرت متكال"، عام 1973، تحت أمرة رافئيل إيتان قائد الفرقة 36 حينها. عام 1987 شارك في معارك ضد حزب الله أثناء هجوم للمقاومة على قاعدة لقوات لحد، بعد ذلك تسلم قيادة لواء المتقاعدين عام 1990. وعام 1994 عُيّن قائداً للفرقة 36، ثم رئيسًا لغرفة قيادة جيش الشمال. عُيّن عام 2000، رئيساً للجنة التحقيق في فشل وحدة "دوفدوفان" في اعتقال الشهيد محمود أبو هنود. أما عام 2002 فأنهى خدمته العسكرية، ليعود إلى صفوف الجيش عام 2011 كقائد جديد لـ"قيادة العمق" (ليفي، 2011).

[3]  سعت قيادة الجيش لتطبيق هذا التحول في الإدارة وطريقة التفكير الحديثة في حرب لبنان الثانية، وذلك من خلال تفعيل القوات الخاصة، والتنسيق فيما بينها لتنفيذ عمليات في العمق الإستراتيجي للخصم، دون أن تحقق نجاحات تذكر. أما في حرب الرصاص المسكوب (2008- 2009) في غزة، فلم تُستخدم مثل هذه القوات ولا جرت الاستفادة منها مطلقًا (عامير رابابوت، 2013).

[4]  عملية "حاد فيحالاك" أو "مختصر شديد": هي الإنزال الذي نُفّذ في بعلبك في حرب لبنان الثانية بوساطة قوات اشتركت فيها كل من: سييرت متكال، وشكيد، ولواء جولاني، وسلاح الجو. قاد العملية في حينه نيتسان ألون، قائد منطقة بيت لحم آنذاك، ثم قائد المنطقة الوسطى لاحقًا، قبل أن يصبح قائد قسم التخطيط في الجيش. هدفت هذه العملية لاستعادة الجنود المأسورين (أودي جولد فاسر، وإلداد ريجيف)، الذين كان يُعتقد أنهم موجودون في مستشفى دار الحكمة (أرون، 2011).

[5]  أدى غموض تركيبة هذه القيادة، إلى سيطرة قيادة العمق على باقي الوحدات الخاصة في كثير من المواضع؛ فإشراف "القيادة" على عمليات تقوم بها "سيّيرت متكال" أو أي وحدة خاصة أخرى، دون العودة إلى الاستخبارات العسكرية التي تشرف على هذه الوحدات خلق نوعًا من التداخل والازدواجية في المهام.