"الإنترنت هو أحد الإبداعات البشرية النادرة التي لم نتمكن منها بعد، وما فهمناها تماماً. إنها أعظم تجربة للفوضى في التاريخ. وبقدر ما هي مصدر كبير للفائدة. هي مصدر مرعب للضرر ربما، حيث بدأنا للتو في قياس آثارها على المسرح العالمي"

إريك شميدت وجاريد كوهين1.

***

كيفية إنتاج البيانات الضخمة بالاعتماد على الأنماط السلوكية للبشر

بعدما فرض الاقتصاد الرقمي نفسه كبديل جدي ومكمّل للاقتصاد التقليدي، ومع بدء التداول بالعملات الرقمية كالبتكوين، وأنظمة البلوكشين، والتعلم عن بعد، والاستشارات الطبية الافتراضية، ناهيك عن استخدام التكنولوجيا بديلاً للانسان في المطارات والمصانع والحروب السيبرانية، أصبحت دراسة هذه السلوكيات ضرورة للحديث عن احتمالية أن نشهد مستعمرات رقمية، بالإضافة إلى قيادة الجهود للوصل إلى السيادة الرقمية كواجب سيادي وأخلاقي لا يمكن التغافل عنه أو إهماله بعد الآن.                                                   

أنتجت الانماط السلوكية لمجتمع اليوم مخزوناً خيالياً لا ينضب من بيانات الدول والأفراد (بيانات شخصية ومصرفية، تحديد شبكة العلاقات بين الافراد، الميول السياسية، الاقتصادية، الجنسية، الاهتمامات الفنية والأدبية، الأسرار الطبية أوالعسكرية) وتميزت كلها بواحدة أو أكثر من الخصائص التالية: الحجم الضخم. السرعة العالية. التنوع الكبير. فعلى سبيل المثال، تأتي البيانات الضخمة من أجهزة الاستشعار، التطبيقات الذكية، والويب والوسائط الاجتماعية، فيتم إنشاء الكثير منها في الوقت الفعلي (Real time)، بمعنى آخر، يتم تقديم البيانات ومعالجتها فور جمعها وعلى نطاق واسع جداً.                 

 

كيفية استخدام البيانات الضخمة في التأثير والسيطرة

دفعت ضخامة ونوعية هذه البيانات العديد من الشركات التكنولوجية العملاقة بالإضافة إلى الدول المتقدمة لتركيز جهودها وإنشاء مراكز أبحاث فيها لتحليل مضمون هذا المنجم المتجدد من البيانات الرقمية الخام، ونظراً إلى تجاوز حجم  ونوع البيانات الضخمة قدرة قواعد البيانات التقليدية على الإدارة والمعالجة بالشكل المناسب، يتم تحليلها من خلال استخدام تقنيات التحليل المتقدمة، لا سيما الخوارزميات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، من أجل استخلاص المعلومات، دراسة السلوكيات والميول للجماعات والمؤسسات، والتحكم بها.

مكافحة الجريمة،  توجيه التهم، تغيير الأنظمة، توجيه الرأي العام، جمع البيانات الصحية للمجتمعات، التحكم بالأسواق المالية والبترولية، تحسين خدمة الزبائن، تقييم عمل المؤسسات، تقليل تكاليف التشغيل، العمل بكفاءة أكبر، وكذلك تحديد فرص جديدة لتوليد الأرباح وتوسيع قاعدة عملاء الشركات، وهي أيضاً وسيلة ناجحة لتحسين أو تشويه صورة مؤسسة أو كيان أو مجتمع بهدف تدميره أو تقويته لتقدم بذلك تأطيرات معينة تستطيع من خلالها تشكيل صور حقيقية أو مركبة تتناول مختلف جوانب الحياة للدول والجماعات. وبالتالي، فإن هذا المستوى من السيطرة والتحكم بالبيانات يمكن أن يرقى الى مفهوم جديد من وسائل الإستعمار تحت مُسمى الإستعمار الرقمي. نحن نحيا داخل مستعمرات رقمية من صنع أيدينا دون أن ندري متى؟ وكيف؟ ولماذا؟.

تتعزز قيمة هذه البيانات من خلال حمايتها ومعالجتها وفهمها واستخدامها بالطرق المناسبة وبشكل آمن، وذلك من خلال خطة عمل  ترسم الخطوط العريضة، والقواعد الصارمة التي تحدد كيفية التعامل وحماية البيانات الرقمية المتعلقة بالأفراد والجماعات وهو ما يُعبر عنه بالسيادة الرقمية، وتكون الدول بذلك قد بسطت سلطتها العليا والمطلقة على أقاليمها الأربعة في البر، البحر، الجو والفضاء الرقمي.                                 

 

أوروبا والسيادة الرقمية: إجراءات وقوانين

هناك اعتقاد سائد في الوسط الأوروبي بأن أوروبا الرقميّة، خاضعة لمجموعة من الشركات المتعددة الجنسيات أُطلق عليها اسم تكتل غافا (غوغل، أمازون، فايسبوك، آبل)، حيث تستحوذ هذه الشركات على ما مقداره 70% من العائدات الاقتصادية لسوق الإعلانات في الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى ذلك، ووفق العديد من التقارير الصحفية، فإن هذا التكتل  قادر على التأثير على الأسواق الأساسيّة (التجارة ، السياحة ،التأمين، التمويل والصحة)، وهو ما ينطبق أيضاً على أداء القطاعات الصناعية بأكملها، فضلاً عن قطاع "سلوك الأفراد".

أمام هذا الواقع، قامت المفوضية الأوروبية بالعمل على عدة قوانين لتنظيم الخدمات الرقمية والسوق الرقمي، بهدف حماية حقوق المواطنين الأوروبيين بشكل أفضل، وتنظيم عمل هذه المنصات من خلال إجبارها على رفع مستوى الشفافية، وذلك من خلال إتاحة الوصول إلى الخوارزميات الخاصة بها بوسائل جديدة، للحد من احتكارها أو لتسهيل تفكيكها عند الضرورة. والجدير بالإشارة أن العديد من الإجراءات في أوروبا أثمرت في حماية الحقوق الرقمية للمواطنين، فمثلاً أزمة تطبيق واتساب والسياسة الجديدة للخصوصية غير معنية بها أوروبا ولا تطبق في نطاق الاتحاد. من ناحية أخرى، فقد أجبر اتحاد الصحافة الفرنسي شركة غوغل على الدفع للصحف الفرنسية مقابل استخدام محتوياتها وذلك عملاً بالقانون الأوروبي المسمى "الحقوق المجاورة". وهو ما حاولت فعله استراليا مؤخراً، حيث هددت غوغل بايقاف خدمات محركها البحثي هناك فيما لو أقر مثل هذا القانون. هذه الإجراءات هي أول الغيث للوصول إلى سيادة رقمية حقيقة للاتحاد الأوروبي قائمة على منصات أوروبية بحتة للتواصل الإجتماعي وغير الإجتماعي، تقدَّم من خلالها الخدمات التي يحتاجها مواطنوا الاتحاد وفق نموذج آخر من الشفافية من أجل حماية الخصوصية والحقوق الرقمية للمواطنين.

 

خاتمة

من يعتقد بأن عناصر قوته التقليدية أبدية فهو واهم، ومن ينتظر أعداءه عند حدوده الجغرافية المعروفة فهو خاسر، فلم تعد أساليب المواجهة والاقتدار محدودة فقط في الماديات، فالعالم توسعت أفاقه ليصبح رباعي الأبعاد (بعد أن انضم الفضاء الرقمي إلى الحدود التقليدية للدول)، واتسع هامش المناورة فيه لتصبح المواجهة مع كل فرد، دون تمييز بين جنس إو فئة عمريةٍ، كلنا جنود وقادة في آن، وعيّنة اختبار ومجال بحث في مختبر ٍما، في عالم تحطمت فيه الحدود التاريخية للدول والحضارات، ولربما نحن أمام أول قومية رقمية عالمية وحدت الشعوب حول لغة واحدة ومنصات رقمية عملاقة. لكن من يدري هل المصالح واحدة بين الفاعل والمفعول به؟

 

1- إريك شميدت وجاريد كوهين، العصر الرقمي الجديد، كنوبف، 2013، مترجم. الأمر متروك لنا لكتابة المستقبل، باريس، دينويل، 2013، ص 11. بولين تورك، تعريف وتحديات السيادة الرقمية.