في مقالة وردت على موقع الخندق في آذار 2021، لـ"خليل عاصي" تحت عنوان "التفكيك بين ابن عربي وداريدا"، حاول فيها الكاتب أن يُشير  إلى أرضية مشتركة بينهما من خلال ما أطلق عليه الاعتراض الصوفي والتفكيكي على الفكر العقلاني والميتافيزيقي، وعلاقته باللغة عند كلٍ من دريدا وابن عربي.

ذكر الكاتب ابن عربي وداريدا قد اتفقا على عدة مسائل؛ حول "معارضة الفكر العقلاني الذي يتخذ من العقل مبدأً حاكماً، وقدرة اللغة على الخلق، وإستناد الهوية إلى الاختلاف، ثم التأويل وتقديره "الذاتية"، والخلوص إلى إطلاق حرية الأفكار والنصوص من القيود والمحددات بغض النظر عن غاية كل منهما ... ما يفتح كوةً في قراءات لا متناهية للنص الديني.

سأناقش في هذه المقالة ابرز الأفكار التي تناولها الكاتب، مبينة الخلل المفاهيمي الذي التبس على الكاتب عند طرحه لأفكار ابن عربي في مقاربته السالفة. وهي رؤية ابن عربي حول العقل، والتأويل، والله.

العقل: صحيح أن قوة الفكر الصوفي عند ابن عربي تكمن في رمزيته وتأويلاته، التي غاصت في عالم عميق من العقل والوجدان لبلوغ المقامات العليا . إلا أنّنا لا يمكننا إنكار ما أعطى ابن عربي من دور للعقل فيها تميز الإنسان عن سائر الكائنات. فقد كان من الذين برهنوا برهنة قوية على أن العقل له مجالات رحبة في المعرفة الإلهية. وعندما تحدّث عن عجز العقل، اعتبر أنّ هناك مرتبة وجوديّة فوق طور العقل لا يمكنه تخطيها، وهذا العجز ذاتي للعقل، وعدم قدرة العقل على تجاوز هذه المرتبة . وقد قدم شواهد شرعية وعقلية جعلت من العقل خادمًا للحقيقة الدينية الإلهية. وبهذا لا يمكننا أن نتخذ موقفا على أنّه لا عقلانيّ بالمطلق كما عند داريدا. فهو لم يُلغِ دور العقل وإنّما اعتبره وسيلة تخدم مرتبة وجوديّة معينة لا غاية نهائية في حد ذاتها، وقد ربط العقل وما يؤديه من وظائف بالأخلاق، لهذا وجب أن لا يكون العقل إلا إذا كان ساعيا لخدمة الإنسان.

ولارتباط الفلسفة بالعقل؛ فقد كانت الفلسفة حاضرة بقوة في لغته وفكره الصوفي، وقام بمحاولة التوفيق بين الفلسفة والتصوف في ظل العقيدة الإسلامية، التي لم تمت بموت صاحبها عنده. وبما أن التصوف هو سعي نحو معرفة الوجود بكل مستوياته، سعي له منحى سلوكي تعبّدي، كانت المعرفة عنده نتاجًا طبيعيًا للتذوّق والمشاهدات والأحوال. وهذا ما يُشكل جوهر المعرفة الصوفية المعبّر عنها بالعرفان مقابل أصحاب النظر المكتفين بالعقل وحده كسبيل للمعرفة. وليس مقصوده إلغاء دور العقل في المعرفة.

التأويلية: إن موضوع وأساس تصوف ابن عربي قائم على وحدة الوجود وما يزخر به فكر ابن عربي من مفاهيم الظاهر والباطن، والغطاء وكشف الغطاء، والصور ولعبة المرايا، وغيرها... وجميع هذه مفاهيم تعانق فهم الوجود، بوصفه مظاهر وتجليّات، حيث البطون هو ظهور في مستوى الكشف، وفي مستوى التجلّي، وذلك يؤهل إدراك العارف للصعود في مراتب الوجود المحتجبة، بحجاب يكشفه العقل بأدلته. فالتأويل عند ابن عربي هو العبور من الظاهر المادي إلى الباطن الروحي، وهو معرفة مآل الشيء وحقيقته، وأصله الذي منه بدأ وإليه يعود، وقد تجاوز إطار اللغة الإنسانية في محدوديتها واصطلاحاتها الضيقة، لفهم أعمق لمعنى الوجود، وفهم اللغة الإلهية في إطلاقها ودلالتها الذاتية، إلا أنّه لا يعني أبدًا ترك التفسير الظاهري للشريعة، وإنّما يريد منه الإنطلاق لفهم الحقيقة فهمًا روحانيًا، يصل به لمرتبة أعلى، فالعلاقة بين الظاهر والباطن لا تقوم على التناقض والتضاد بل على التفاعل والتكامل، ولا تُلغي معنىً وتتلبّس معنىً آخر كما عند دريدا.

فالصوفي عنده من يستمد فهمه من روح النبي، لذلك اعتبر أن القرآن هو الدال اللغوي والتعبير اللفظي عن كلّ مراتب ومستويات الوجود، فهو الرمز الدال والوجود هو المدلول والمرموز إليه. إلا أنّ بواطن المعاني عنده لا تُناقض ظواهرها. بل هي كما الوجود عنده وحدة لها مراتب ومقامات من المعاني والمعارف الذوقية العالية. فالقراءات المتعدّدة للنص الديني عنده لا تُلغي بعضها البعض وإنّما هي خوص في المعاني الباطنية بحسب الأحوال والمقامات الروحيّة.

الألوهية "الله": كان لمصطلح الألوهية في كتابات ابن عربي الحظ الأوفر، فقد أولاها أهمية كبرى لما لها من تأسيس لمسائل وقضايا بعديّة، وقد قدّم أقصى ما يُمكن للعقل إدراكه من المسائل الإلهية مستندًا في ذلك على الشريعة، وكان في عرضه للألوهية يرد على الفرق الإسلامية من المعتزلة بشكل عام والأشاعرة في مواقف محدّدة. وقد اعتبر في كتابه رسائل ابن عربي، أن المعتزلة هربوا من التشبيه الجسماني ووقعوا في التشبيه العقلاني، الذي سمّاه تنزيهًا،  وقال أنّهم في الحقيقة ما نزّهوا إلا أنفسهم لأن التنزيه تقييد من جهة ورفض للتشبيه الشرعي من جهة، فكان إلههم المنزه مجعولًا عقليّا ومقيّدا بألفاظهم.

وعندما تحدّث عن تحّول الألوهيّه وتبدّلها في صور المعتقدات والمعارف قال في الفتوحات المكيّة، الباب الثاني والسبعون، في الحج وأسراره "إنّ ذلك راجع إلى المدرِك لا إلى المًدرك، فإنّ الحقائق لا تتبدّل ولهذا نقص، لمن خرج عن طريقتنا في أي حضرة تقع مشاهدة الألوهيّة، لهذا سمّي عالم التمثّل والتبدل برزخًا، لكونه وسطًا بين حقائق جسمانيّة وحقائق غير جسمانيّة، فتُعطي ذات هذه الحضرة المتوسّطة، هذه التجليّات، وتربط به المعاني بالصور ربطًا مُحقّقًا لا ينفك". فالحقائق عنده لا تتبدل وأما الرؤى تكون بتعدد الرائي.

واعتبر أن هناك خلط بين الذات والألهية عند الأشاعرة، واعتبارها واحدًا في المرتبة والتعيّن، وهذا عنده محال. وقد ذكر في الفتوحات المكية الباب ثلاثمائة وتسعة عشر، "دخوله في التقييد لعباده من كونه إلهًا لا من كونه ذاتًا، فإنّ الذات غنيّة عن العالمين، والملك ماهو غنيّ عن الملك، إذ لولا الملك ما صح اسم الملك، فالمرتبة أعطت التقييد، لا ذات الحق تعالى."

ونقاش ابن عربي دائمًا يكون حول مرتبة الألوهيّه وليس مرتبة الذات، ومن هنا وقع جماعة من الباحثين في إشكال اعتبار "موضوع"  بحث ابن عربي هو "الذات" المنهي عن التفكّر فيها، وإنما بحثه في الألوهية باعتبارها وصفًا للذات ومرتبة من مراتبها، وتعينًا وتقييدًا لها. والألوهة عند ابن عربي برزخ بين الذات والعالم... وجهها إلى الذات يُطبع بطابعها ووجها إلى العالم يتصف بتعدد الصور ، وهذا البرزخ ليس في النهاية سوى الأسماء الحسنى التي تقف حجابًا بيننا وبين الذات. بحسب تعبير أبن عربي. والصور المنعكسة في المرايا ما هي إلا تجلٍ من تجليّات الذات المقدّسة.

وأخيرًا، يًعتبر ابن عربي من الفلاسفة المتصوفة الذين لهم حضور قويّ في فكر ما بعد الحداثة، لأنه وضع للعقل حدود وصنفه في المرتبة الثالثة بعد النقل والكشف في تحصيل المعرفة الكونية، وكان أسلوبه خارجًا عن المألوف، يلتقي فيها الاستدلال بالجدل، والظاهر والباطن، والفلسفة والعرفان. إلا أنّ قارئيه اختلطت عليهم المفاهيم  والمصطلحات الصوفية، مما أوقعهم في مغالطات كبيرة حول فهم هذا لفكر الصوفي الراقي، الذي انطلق من طابع عقلي محض، ساعيًا من خلاله أن يُحقق إيمانًا قلبيًا صافيًا، معتبرًا أنّ بداية الحب والعشق الإلهي تأتي عن طريق المعرفة العقليّة. ووقد استمدّ إدراكه لباطن الشريعة وحقيقة الوجود من ظاهر الشريعة، فالظاهر والباطن عنده واحدًا يلحظ كلٍ منهما بحيثيّته وليسا متناقضين.