فجر العشرين من آذار 2021، توفي الرئيس التشادي إدريس ديبي في اشتباكات بين الجيش الوطني وجبهة التغيير والوفاق على مقربة من مدينة ماو على الحدود مع النيجر، بعدما قضى ديبي 30 عاماً في السلطة على التوالي. وجود الرئيس ديبي في ساحة المعركة ليس بالأمر الغريب. فهو خدم كقائد للجيش قبل أن يتولى السلطة عام 1990 بعد الإطاحة بالرئيس حسين حبري.

في جنازة ديبي حضر ماكرون، يريد الرجل تأكيد حضور فرنسا في هذا البلد المهم والاستثنائي بالنسبة لباريس. تشاد قلعة فرنسية متقدمة في قلب الشمال الأفريقي. تنشر باريس ما لا يقل عن 5 آلاف جندي في العاصمة نجامينا اليوم. أما ثوّار جبهة التغيير والوفاق – المتهمون بقتل الرئيس ادريس ديبي -، فهم يستمدون قوتهم من الحضور الروسي في الشمال. وتحديداً في ليبيا. من هنا يأخذ الصراع في تشاد بعداً آخر.

بحسب صحيفة التايمز الأميركية، تحاول روسيا الاستفادة من الاضطرابات في الشمال الأفريقي لإعادة بسط نفوذها في القارة السمراء. لم يكن هذا الأمر واضحاً أكثر مما كان عليه في ليبيا مرحلة ما بعد القذافي. لقد استفادت مجموعة فاغنر (وكلاء الكرملين الفعليين في أفريقيا بحسب التايمز) من علاقتهم بالمتمردين في منطقة مضطربة. بالنسبة للتايمز أيضاً، فإن المتمردين في جبهة التغيير عازمون على الاستيلاء على السلطة في تشاد ذات الموقع الإستراتيجي، وهو ما يجعل منهم حلفاء قيّمون بالنسبة لموسكو.

 

من هي جبهة التغيير والوفاق في تشاد؟

تعتبر قبائل القرعان البيئة الاجتماعية الحاضنة لجبهة التغيير والوفاق. والقرعان واحدة من فروع قبيلة التبو المنتشرة في جنوبي ليبيا وعلى امتداد تشاد والنيجر. يمثل التبو مجموعة الأفارقة في المغرب العربي وهي المجموعة البشرية الأكثر تهميشاً على المستوى الاجتماعي والرمزي. وكانت الجبهة قد تأسست على يد اللواء محمد مهدي علي عام 2016 في تانوا شمالي البلاد بعد انشقاقه عن جماعة متمردة أخرى، هي اتحاد القوى من أجل الديمقراطية والتنمية بقيادة وزير الدفاع السابق محمد نوري.

يعود أصل محمد مهدي علي إلى منطقة سالل بالقرب من منطقة بحر الغزال الوسطى. انضم علي من قبل إلى عدد من الحركات المسلحة في جبال تيبستي ودارفور، قبل أن يُطرد مع عدد من الجماعات التشادية المتمردة من دارفور بعد التقارب بين تشاد والسودان عام 2010، لينتقل إلى ليبيا مع سقوط معمر القذافي عام 2011، الأمر الذي دفعه لاتخاذ مدينة الجفرة الليبية مقراً للجبهة.

يمتلك مقاتلو جبهة التغيير والوفاق تسليحاً جيداً. هم مزودون بمنظومات دفاع جوي وطائرات بدون طيار، ويمتلكون قدرة جيدة على مستوى التخطيط والمناورة، تجلت عند انعطافهم في حربهم الأخيرة بشكل مفاجئ نحو كانم بالقرب من النيجر (كان من المنتظر أن يهاجموا مدينة فايا كبرى مدن الشمال) وهم بذلك اختصروا الطريق نحو إنجامينا.

 

موت ديبي قرب ماو:

شنت جبهة التغيير والوفاق هجومها الأخير في 11 نيسان، يوم الانتخابات التشادية، من خلال منطقة تيبستي الصحراوية. بعد 9 أيام من القتال حقق مقاتلو الجبهة انتصارات مهمة شمالي البلاد، ولم تتمكن الغارات الجوية من إيقاف تقدمهم السريع.

في 15 نيسان، شنت القوات الجوية التشادية الجولة الأولى من الضربات ضد الجبهة في مدينة الزوارك. في موازاة ذلك، أعلنت العديد من الجماعات المتمردة الأخرى، بما في ذلك اتحاد قوى المقاومة، واتحاد القوى من أجل الديمقراطية والتنمية، دعمهما للجبهة دون الانضمام إلى القتال على الأرض. في 17 نيسان وقعت أول معركة كبرى بين مقاتلي الجبهة والجنود التشاديين شمال ماو، على بعد 300 كيلومتر من العاصمة إنجامينا. أما اليوم، فلا يفصل المقاتلون عن العاصمة سوى بحيرة تشاد، التي تنشط فيها جماعة بوكو حرام.

في الحقيقة، تمكنت جبهة التغيير والوحدة من شن توغلها في تشاد لأن لديها قوة نيران ومعدات متفوقة مقارنة بالجماعات التشادية الأخرى. وقد تمكنت من تكديس هذه الأسلحة جزئياً نتيجة تحالفها مع قوات حفتر. من المحتمل أيضاً أن متمردي جبهة التغيير والوحدة استحوذوا على مركبات مسلحة ومدفعية ثقيلة قدمها حفتر قبل مسيرته إلى طرابلس عام 2019.

وفقاً لتقرير صادر عن فريق خبراء الأمم المتحدة بشأن ليبيا، لم تشارك قوات جبهة التغيير والوحدة في القتال الليبي ولكنها كانت على استعداد لذلك.

تظهر الأحداث الأخيرة في تشاد مرة أخرى أن تسليح القوات الأجنبية في ليبيا له عواقب محتملة على استقرار المنطقة بأكملها.

 

ماذا يعني موت ديبي؟

فترة ديبي، كانت تشاد مستقرة نسبياً في سياق إقليمي محفوف بالمخاطر. تدخلت تشاد منذ عام 2014 في نيجيريا والكاميرون لقتال فصائل بوكو حرام. كانت البلاد ركيزة أساسية في الكفاح ضد الجماعات التكفيرية. من هنا تُعد وفاة رئيس تشاد بمثابة ضربة قاسية لمجموعة دول الساحل الخمس (موريتانيا، مالي، النيجر، بوركينافاسو، تشاد). إذ تساهم تشاد بأكثر من 1400 عنصر من قوات حفظ السلام التابع للأمم المتحدة، المنتشر حالياً في  تيساليت واغيلهوك شمال كيدال في مالي. فضلاً عن دورها كجزء من القوة المشتركة لدول الساحل في منطقة الحدود الثلاثية غير المستقرة بين بوركينا فاسو ومالي والنيجر.

يثير الوضع الحالي مخاوف بشأن مستقبل هذه القوات، وما إذا كانت ستعود إلى تشاد للمساعدة في معالجة المشاكل على الجبهة الداخلية. قد يكون لتداعيات هذه المسألة مخاطرها على انتشار حلفاء تشاد في منطقة دول الساحل، وبشكل خاص على الفرنسيين.

واقع الأمر، تجد تشاد اليوم نفسها في وضع حرج. لقد أوضحت الجماعات السياسية والعسكرية بالفعل أنها لا تعتبر المجلس العسكري شرعياً. "كينجابي أوجوزيمي دي تابول" المتحدث باسم جبهة التغيير والوفاق قال أن الجبهة تخطط لمواصلة الهجوم.

في مثل هذا السياق، فإن وقف إطلاق النار هو الأولوية القصوى بالنسبة لفرنسا. ولضمان انتقال سلمي، سيكون من المهم إيجاد مناطق مشتركة بين المجلس العسكري وخصومه. بالنسبة لموسكو، تبدو الأمور قابلة للتفجير مرة أخرى. تريد روسيا مسك خيوط وطرق عبور أساسية في الصحراء الإفريقية. إذا حققت موسكو هذا الهدف، سيعني ذلك إحكام موسكو السيطرة على المخاطر المحدقة بالقارة الأوروبية من شرقها وجنوبها. ما تدفعه موسكو في الصحراء الكبرى تكسبه في شرق أوروبا. هي تعرف باريس جيداً. وتعرف الأولويات المتواضعة لنخبتها.