لم يعاصر رفيق الحريري، المولود عام 1944، ميشال شيحا أب النظام الاقتصادي اللبناني، المتوفي عام 1954، إلا لسنواتٍ قليلة، كان الحريري لا يزال فيها صغير السن. قد يتسائل المرءُ، إذا حاول استكشاف تاريخ لبنان الحديث، إن كان الحريري قد قرأ كتابات شيحا، وإن كانت الأخيرة قد طبعت شخصيّته وألهمت المشروعَ الذي أرادهُ لنفسه؛ ليصبح، في أوجّ نضجه، أحدَ أكثر النماذج  تمثيلاً لهذه السياسة. أو ربما أنّ المرء ليس بحاجةٍ لأن يقرأ تنظيرات فلاسفة الاقتصاد ليصبح ثرياً، بل يكفي، كما يقول الباحث البريطاني هانس بومان، كي نفهم مسار الأثرياء، أن نفهم أولاً البنية الاقتصادية والسياسية للدولة التي استطاعوا فيها جمع ثرواتهم.

من جهته، لم يفوّت شيحا على نفسه فرصة التنظير عن شكل العلاقة التي يجب أن تكون بين السياسة والاقتصاد، بل دعا إلى ضرورة وجود ربط محكم بين المجالين، وإلى أهمية تسخير السياسة من أجل الآقتصاد، لذلك لا يتوانى شيحا عن الدعوة بوجوب أن يتولى رجال الأعمال شؤون السياسة مباشرة، ولا يقصدُ شيحا أيّ شأنٍ في السياسة، بل يقصدُ تحديداً رأس السلطة التنفيذية. عند هذا الرجل، الذي عاصر في سنواته الأخيرة ولادة الجمهورية الأولى، تُمثّل رئاسة الجمهورية المركز الذي يجب أن تتمحور حولها الطبقة الأوليغارشية التي تتشارك التطلعات التجارية والمالية، ليكون الرئيس محامي الدّفاع الأول عن مصالح هذه الطبقة؛ كذا حدّد شيحا وظيفة النظام الإداري الأساسيّة في الدولة بتيسير وتسريع معاملات رجال الأعمال خلال إنجازهم للمشاريع.

في المرحلة التي سبقت الحرب الأهلية اللبنانية، تميّز لبنان عن محيطه بنظام ليبرالي توحّدت فيه المصالح بين المجتمع السنّي والماروني بشكل أساسي، وتواجدت طبقة برجوازية عابرة للطوائف. حيث استفاد لبنان آنذاك، بشكل رئيس، بلعب دور المصرف لدول الخليج العربي خاصّة بعد طفرة النفط التي عرفتها تلك البلاد في الخمسينات والستينات من القرن المنصرم.

بعد النجاح الكبير الذي حقّقه الحريري في السعودية في عالم المقاولات، وخاصّة بعدما نجح، عام 1977، في إجابة تطلّعات الملك خالد في تنفيذ فندق المسرّة في مدينة الطائف في مدّة استثنائية خشيت شركاتٌ كبيرة عرضَ خدماتها في تنفيذه، نال الحريري على نجاحه الباهر مكافأةً ملكيّة مُنح فيها الجنسية السعودية، ليشكّل ذلك صكّ عبورٍ له لاستلام مشاريع ملكية أضخم، والأهم، حظوته بمكانة مقرّبة جداً من العرش. هكذا بدأت الأحلامُ تراود الحريري بمدّ نفوذه المهنيّ الصاعد إلى لبنان. فبدأ مسار العودة من صيدا، مدينته الأم، كفاعل خير. وسرعان ما تعاظمت الثقةُ في نفوس الملوك والأمراء الخليجيين بالحريري، ليصطفوه بين غيره من المقاولين اللبنانيين الصاعدين آنذاك، ويدخلَ تدريجياً، في الثمانينات، عالم السياسة اللبناني كوسيط ملكيّ بين أطراف الحرب المتنازعة.

حرصَ الحريري على ألّا يحرق مراحل تمدّد سلطانه في الحلبة اللبنانية، وهو لم يصبح شخصيةً سياسية رسميّة تحظى بتمثيلٍ شعبيّ بين ليلةٍ وضحاها، بل، عمِلَ، قبل ذلك، جاهداً على نسج شبكة تحتيّة من العلاقات، سوف تشكّل في وقت لاحق أعمدةً لامبراطورية أعمالٍ لا يقدر أحدٌ من المعترضين على عرقلة تنفيذ مشروعها الأكبر «سوليدير»، الذي اغتنم الحريري من خلاله خسائر بيروت الفادحة في الحرب ليعيدَ إعمارها بشكلٍ جديد تحظى به ببنيةٍ تحتيّة نيوليبرالية الهوى وعالميّة المعايير تلفتُ الأنظار لها وتسيلُ لُعاب المستثمرين.

زهد الحريري، بادئ الأمر، بأن يحظى لنفسه بموقع سياسيّ في الصفوف الأولى، وقدّم على نفسه موظفيه التكنوقراط الذين يثق بولاءهم التام. فراح يزرعهم، الواحد تلو الآخر، في مفاصل الدولة العميقة بدءاً من محافظ بيروت، مروراً بعدد من الوزارات السيادية، ومصرف لبنان، والمصارف التجارية، ومجلس الانماء والاعمار الذي تمتّع، لأسبابٍ تاريخية تعود إلى الحقبة الشهابيّة لا مجال لذكرها، بنفوذٍ وميزانية وحصانة لا حدّ لهمكما سعى إلى استمالة أرباب الطوائف والأحزاب عبر الترغيب المالي والترهيب الاقتصادي مستعيناً بنفوذ الممالك، لتكون خطة الزرع والاستمالة والاخضاع كفيلة في أن تسير الأعمال في سوليدير والمعاملات الإدارية على خير ما يرام، فيخفّف بذلك عن كاهله الرسوم والضرائب من خلال امتيازات ذاتية يمنحها إياه حلفاؤه المخلصون في الدولة، ويستحصل بها الرخص اللازمة في مدد زمنية قصيرة.

تربّع الحريري على عرش امبراطوريةٍ يمسكُ فيها أهمّ المفاصل، للمرّة الأول، عام 1994 مستفيداً من صلاحيات واسعة منحها اتفاقُ الطائف لموقع رئاسة الوزراء؛ وقد نجح، حتى حينه،  في تجنّب اللعب على الأوتار الطائفية بطريقة مباشرة. لكنه لم يسلم من السعي لزعامة الطائفة السنيّة، في وقت لاحق، كوسيلة انتخابية تحشدُ له أصوات المواطنين السنّة ليستعيد بهم حضوراً رحباً في المجلس النيابي، ضمِنَ به، عام 2000، تسميته للمرة الثانية رئيساً للوزراء بعد تنحيه عن هذا الموقع لسليم الحصّ لسنتين.

عودةً إلى ميشال شيحا؛ أخاله، لو كان حياً، لكان شديد الإعجاب بالحريري كرجل أعمال قبل أي شيء، سخّر نشاطه السياسي في سبيل مشاريعه، وتمكّن، عبر مكانة استثنائيّة حظِيَ بها في الخليج، من النفوذ إلى مفاصل الدولة الأساس ليكون المشّرع والمنفّذ على حسن سير الأعمال.

في رسمٍ قمتُ بتحريره معتمداً على كتاب « المواطن الحريري، إعادة الإعمار النيوليبرالية في لبنان » المنشور عام 2016، ألخّصُ ما يفصّلُه الكاتب هانز بومان عن كيفية تحوّل النظام الاقتصادي في لبنان من نظام ليبرالي ما قبل الحرب الأهلية إلى نظام نيوليبرالي ما بعدها. اعتمد بومان منهجية تنطلق من استعراض سيرة رفيق الحريري المهنية والسياسية بما هو الشخصية التي لعبت الدور الأبرز في عملية التحوّل الاقتصادي في لبنان مستفيداً من علاقة وثيقة جداً بالمملكة العربية السعودية. يبيّن الرسم شبكة الحريري العنكبوتية التي نسجها في لبنان والتي منحته نفوذاً مالياً وتنفيذياً وتشريعياً تجاوز به كل المعوقات والاعتراضات، وأتاح له تحقيق مشروعه في إعادة إعمار بيروت عبر شركة سوليدير وتغيير معالم الاقتصاد اللبناني من خلال تثبيت سعر صرف الليرة مقابل الدولار. من جهة أخرى، يبيّن الرسم بعض اللاعبين المهمّين في الساحة اللبنانية دون أن يكون شاملاً. يقتصر الرسم البياني على أهم ما ورد في الكتاب دون الإعتماد على مصادر أخرى تسمح بإكمال المشهد بكافة الفاعلين في تلك الحقبة غير البعيدة.