بعد انتقال المشروع الاستعماري إلى مرحلة "كشف الأوراق"، نطلّ على مرحلةٍ أكثر حسماً من كلّ ما سبقها، تحديداً لناحية مصير جميع المجموعات الاجتماعية والسياسية في المنطقة.

من جهة، يسعى المشروع الاستعماري إلى تثبيت "مُحرّكه" البشري والصناعي والعسكري المتمركز في فلسطين، عبر تثبيت أذرعه على طرفي المتوسّط (الخليج شرقاً والشمال افريقيا غرباً). يقتضي هذا التثبيت استنزاف شعوب "الهلال الخصيب"، الذي طالما شكّل محور القوّة البشرية والسياسية والاقتصادية القادرة على هزيمة المشروع الاستعماري والانطلاق في معركة تحرير الأمة العربية. والمطلوب في هذا السياق هو تفتيت وتفريغ مجتمعات هذا الهلال، وتحويل ما يتبقّى من سكّانه إلى يد عاملة رخيصة تشكّل رافعةً لمشروع "الجسر" الصهيوني بين الشرق والغرب. لتحقيق هذا السيناريو، لا بدّ أوّلاً من تركيع المجموعات الرافضة للهيمنة الأمريكية وصولاً إلى استسلامها، وهو ما نراه في حصار اليمن وسوريا ولبنان وغزّة فلسطين. أما الشرط الثاني، فهو تفريغ الهويّة العربية المناهضة للاستعمار من عقول أبناء هذه البلاد، بحيث يتحوّل المرء إمّا إلى متفرّج يتوق لحياةٍ أوروبية مُصطنعة، أو جنديٍّ يُطلق النار إلى صدره. وفي الحالتين، يكتمل مشروع "التفريغ" الذي تسعى "إسرائيل" إلى تعميمه من الحالة الفلسطينية إلى حالة عربية عامة. لكن، وكما في الحالة الفلسطينية، فإنّ حالة الرفض العربي لم تمت، وهي ليست حالة عامّة، بل تجمّع قوى مُحاصرَة ومُحارَبة في الإعلام والسياسة والاقتصاد والأمن على مدار الساعة.

وحال هذه القوى هو نموذجٌ كبير لحالة الفدائي الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس، إذ رغم المراقبة والتفريغ والتسطيح والحرب القائمة من الداخل والخارج، يستمرّ الفدائيّ في الصمود والعمل بما يتوفّر من قدرات لتوجيه الضربات الرادعة للعدوّ.

إذاً، يعمل العدوّ بوضوح على الحصار والتفتيت والاستنزاف بهدف تكريس مشروعه كـ"واحة النجاح" في صحراء الجهل والتخلّف واليد العاملة الرخيصة. فماذا نحن فاعلون؟

بداية الإجابة تكون من تعريف "من نحن؟"، وهو نقاشٌ يحتاج لأكثر من مقال صحفيّ أو رأي افتراضيّ لتحديده. لكن، وبأبسط تقدير، نستطيع أن نحدّد بعض النقاط التي تجعلنا "نحن" في الإجابة على هذا السؤال.

  1. نحن الرافضون للهيمنة الأمريكية-الصهيونية على أراضينا ومقدّراتنا ومستقبلنا.
  2. نحن المُدركون لهويّتنا العربية المناهضة للاستعمار، والتي لا يُمكن لها أن تكون إلا مناهضة للوجود الأجنبي في بلادنا.
  3. نحن العارفون بطبيعة الحرب الاستعمارية الالغائية، التي لا تختلف كثيراً عن الغزوات الصليبية التي أفرزت استعماراً مشابهاً دام أكثر من 80 عاماً على أرض فلسطين، مما يجعل العنف ضرورةً لاقتلاع الوجود الاستعماري من عقولنا ومن أرضنا وأروقة السياسة في بلادنا.

لكنّ المتّفقين على هذه النقاط ينقسمون إلى مجموعتين؛ الأولى مجموعة فاعلة، وهي تشمل القوى والأحزاب والأفراد الذين يشكّلون تهديداً أمنيّاً وعسكريّاً للعدو. أما المجموعة الثانية، فهي المجموعة الباحثة عن الفعل، وهي بالتأكيد ليست لوناً واحداً، لكنّها مجموعة تقع في الظلّ وتُحاصَر بسيوف الاقتصاد والفردانية والعجز. وباختلاف نوعيّة عمل كل مجموعة تبعاً للسياق الذي تدور في فلكه، لا بدّ من تقسيم إجابة "ما العمل" على كلّ مجموعة بحسب قدراتها ومساحة عملها. وفيما يلي نضيء على الفئة الثانية، تبعاً لنظرية "لا يفتي قاعدٌ لمجاهد"، مما يجعل تحليل عمل الفئة الأولى منطلقاً من فهم حسابات الميدان دون غياب النقد الساعي للتطوير، لا للتحطيم.

يبدو واضحاً أنّ الفئة المُقاتلة ضدّ المشروع الصهيوني اليوم تعتمد تكتيك "الصبر"، وهو تكتيك غير مألوف في ثقافتنا العربيّة لأسبابٍ كثيرة تبدأ من الذاكرة الجماعية ولا تنتهي بالدور الإعلامي الكبير في تشكيل الرأي العام العربي اليوم. والاستراتيجية تنطلق من دراسة واضحة للقدرات المتوافرة، مقابل قدرات العدو وأدوات هجومه، مما يجعل الفعل المُقاوم يحدّد سقف أهدافه بشكلٍ علميٍّ واقعيّ، بعيداً عن الشعارات الرنّانة والوعود الكاذبة التي كان لها فعل النّحرِ في نفوس شعوبنا العربيّة. وأهمّ تكتيكٍ تستخدمه هذه القوى اليوم هو تكتيك التمسّك بورقة القوّة الأساسية التي يسعى العدوّ إلى نزعها: السلاح. ليست مصادفةً أن يعمد اليمنيون إلى تظهير تصميماتهم العسكريّة المتطوّرة في ظلّ الحصار الشامل والحرب الشرسة التي تُخاضُ ضدّهم. هذه هي المعادلة اليوم: الصاروخ في مواجهة الحصار. والأمر ليس مقتصراً على اليمن، بل هو ما نراه منذ سنوات في غزّة ، وبدأ يتبلور بشكلٍ أوضح في لبنان. نجاعة هذا التكتيك-رغم خطورته من الناحية الاجتماعية والإعلامية-هو أنّه يدفع العدوّ إلى الساحة التي يخشاها وخَبِرَ أسوأ كوابيسه فيها: المواجهة المباشرة. والقبض على جمر السلاح في هذه المرحلة هو الورقة الأجدى في مواجهةٍ كهذه، وكأنّ قوى المقاومة تحتفظ أوراق قوّتها أمام عدوٍّ يستنفذ أوراقه وخياراته في المنطقة. هي مغامرةٌ بلا شكّ، لكنّ شرطها الأساسي هو الصمود.

 فالعدوّ يسعى بكلّ الوسائل لتفكيك المنظومة العسكرية المُقاومة عبر ضرب البيئة الحاضنة لها من الداخل تمهيداً لضربة عسكرية لا مجال فيها للخطأ بالنسبة ل"إسرائيل" هذه المرّة. من هنا، فإنّ تماسك بيئات المقاومة في المنطقة هو الخيار الأوّل والأوحد في هذه اللحظة. وهنا يأتي دور الفئة "القاعِدَة" التي من واجبها أوّلاً تقدير حجم دورها، دون مبالغةٍ ولا تحطيم. فمعركة الوعي أساسية، لكنّها ليست بهدف إذكاء الأنا الذاتية، ولا هي بهدف كسب شهرة. إنّ الجهد الفكري أو النقدي أو حتى اللوجستي الذي لا يرى في خاتمته مناهضة المشروع الاستعماري، هو جهدٌ مضادّ سيصبّ حتماً في مصلحة العدوّ. لهذا، فإنّ الواجب الأبرز لهذه الفئة الممتدّة من المحيط إلى الخليح، أن تنتمي بإخلاص إلى بيئات المُقاومة في المنطقة، فعلاً وقولاً، وعليها أن تصبّ جهدها وكلّ عملها في سبيل تحصين وتطوير آليات الصمود. ومنعاً للالتباس، فإنّ عبارة "تطوير آليات الصمود" لا تكون من خلال تحييد التناقض الرئيسي مع المستعمِرين، ولا يمكن أن تجيء من عقليّةٍ ترى الحياة بعينٍ غربيّة.

ختاماً، ربّما لن ينتهي الحديث عن أساليب المواجهة، لكن من المفيد ألا ننسى أنّنا في صلب هذه المواجهة، وأنّ العمل لا بدّ وأن ينطلق من فهمنا العلميّ لهويّتنا العربية المناهضة للاستعمار، حينها يتحوّل التطبيع لعنةً على العدوّ ووكلائه.