عوامل كثيرة ساهمت في صعود التنظير الفكري الإسلامي في النصف الثاني من القرن العشرين، لعل أبرزها، انهزام التيارات القومية من الناصرية إلى البعثية، وانتصار الثورة الإسلامية في إيران. وهذا العامل الأخير ساهم في نهضة فكرية عابرة للمذهبية، وجد فيها الشيعة أنفسهم للمرة الأولى منذ قرون يقفون على منصة العالم الإسلامي ليقدموا أراءهم وطروحاتهم في الدولة والسياسة والاجتماع والاقتصاد وغيرها من علوم ظلت لسنوات طوال حبيسة مجالس المذاكرة والمباحثة في الحوزات والجلسات المغلقة. أمّا السنة فكان حلم الإسلام القوي القادر على الثورة والانتصار والحكم وإدارة الدولة، الذي يشتاقونه منذ انهيار السلطنة العثمانية، قد عاد ليرتسم أمامهم من جديد.

يمثل كل من المفكر العراقي الشهيد السيد محمد باقر الصدر، والمفكر السوداني الراحل أبو القاسم حاج حمد، نموذجاً من تيارين نشطا بقوة في ختام القرن العشرين، الأول هو التيار الثوري الشيعي، الذي عاصر الثورة وانتصارها في إيران، وانطلق ليؤسس من مخزونه الفكري الموضب على الرفوف نظرياته المعاصرة، وقراءته لدور الإنسان ورسالته في المجتمع، والثاني هو التيار الذي أراد أن يكون عنواناً لنهوض فكري في الإسلام، يتمايز عن تجربة الإخوان المسلمين، ويقدّم إجابات معاصرة وأصيلة لتحديات ذات بعد فكري وثقافي ضمن ما أُطلِق عليه آنذاك بإسلامية المعرفة، والذي قد يكون لنا في أعداد مقبلة تقديم قراءة نقدية للتجربة في منطلقاتها ومآلاتها.

إن المقال الذي بين أيديكم أعزائي القراء اليوم، يحاول أن يقدم نموذجاً عملياً عن التميازات الفكرية بين التيارين من خلال اختيار مقولة "الاستخلاف الإلهي" واستعراض كيفية معالجته عند كلا المفكرين العظيمين، من خلال العودة إلى كتاب خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء للشهيد السيد محمد باقر الصدر، والحاكمية الإلهية لأبو القاسم حاج حمد.    

أولا الخلافة والشهادة عند الشهيد الصدر

بأمر إلهي سماوي أنبأ الباري جل وعلا بأنه جاعل في الأرض خليفة، والخلافة هي “قيام شيء مقام آخر، لا تتم إلا بكون الخليفة حاكياً للمستخلِف في جميع شؤونه الوجودية وآثاره وأحكامه وتدابيره بما هو مستخلَف[1]، وهي بحسب تعريف الشهيد الصدر “حركة دائبة نحو قيم الخير والعدل والقوّة، وهي حركة لا توقف فيها، لأنها متجهة نحو المطلق[2].

          فخلق الله آدم عليه السلام، ليكون “الممثّل الأول للإنسانية التي استخلفها الله على الأرض[3]، وأودعه وزوجه جنينةً أرضيةً ليحصل فيها على الرعاية والحضانة الاستثنائية – نظراً لافتقاده فرصة الجو العائلي اللازم للتنمية والتأهيل – التي وفّرت له وسائل الاستقرار والنمو لتصل تجربته وزوجه إلى الدرجة التي تتيح لهما أن يبدءا مسيرتهما في الأرض. وكان تكليفه الأوّل أن يمسك عن شجرة معينة في الجنة، في إطار ترويضه للتحكم في نزواته، وهنا اختبر بمخالفته ذاك الأمر الإرشادي، مشاعر الندم والإحساس بالمسؤولية.

          وسار مسار الاستخلاف بحسب السيد محمد باقر الصدر، بأربعة مراحل سنستعرضها بعد أن نقدّم تعريفاً للمسار الموازي الذي سارت به البشرية إلى جانب الخلافة وهو مسار الشهادة.

الشهادة

بما أنّ الخلافة كما ذكرنا أعلاه هي حركة لا تتوقف نحو قيم الخير والعدل والقوة، وبما أنّ الله سبحانه خلق النفس الإنسانية من نفحة إلهية تسمو به نحو صفات الباري وأخلاقه، وحفنة من تراب، تشدّه نحو الأسفل حيث الشهوات والميول، فهو سبحانه يعلم ما يختلج صدره من مشاعر وإمكانات، وتأثره بالمغريات والشهوات. فكان لا بدّ له جل وعلا من التدخّل من أجل صيانة هذا الإنسان “الخليفة” من الانحراف. فوضع الله سبحانه مسار الشهادة إلى خط الخلافة، والشهيد كما يعرّفه السيد الصدر هو “مرجع فكري وتشريعي من الناحية الأيديولوجية، يشرف على سير الجماعة البشرية وانسجامه مع الرسالة الربانية التي يحملها ومسؤول عن التدخل لتعديل المسيرة وإعادتها إلى طريقها إذا واجه انحرافاً في مجال التطبيق[4].

          وقسّم الصدر استناداً للآية القرآنية {إنا أنزلنا التوراة فيها هدًى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء}[5]، الشهداء إلى ثلاثة أصناف:

الأنبياء.
الأئمة.
المرجعية.

مسار الخلافة الربانية على الأرض

قسّم المفكر الشهيد هذا المسار إلى أربعة مراحل على الشكل التالي:

– مرحلة الفطرة من الخلافة

حيث بدأت الجماعة البشرية خلافتها على الأرض كأمّة واحدة منسجمة مؤمنة بالله رافضةً كل ألوان الشرك والطغيان، بدافع من الفطرة الإنسانية والنفحة الإلهية الداخلة في جبلّته.

مرحلة ثورة الأنبياء عليهم السلام لإعادة مجتمع التوحيد

لم يدم الأمر طويلاً، حتى بدأت تبرز ملامح الاستقلال والتناقض في المصالح، والتنافس على السيطرة والتملّك، داخل ذلك المجتمع الواحد، فغرق المجتمع في ألوان الاستغلال، وكان لا بدّ من تدخّل إلهي يعيد مسيرة الاستخلاف إلى مسارها، فبرز الأنبياء المرسلون من الله سبحانه، ليدعوا الإنسان إلى ثورة على النفس والمجتمع معلنين الجهادين، الأكبر المتمثّل بمواجهة النزوات والرغبات والشهوات، والأصغر المواجه للمستغلين والظالمين، وهنا بدا مسار الشهادة يلازم مسار الخلافة.

الوصاية على الثورة المتمثلة في الإمام

بعد أن تداول الأنبياء سلام الله عليهم، رسالة الله واحد بعد آخر وصل الأمر لخاتم الرسل الذي به بلّغت رسالة الله كاملة، وبلّغ الدين بتمامه، فبات للإنسان دستوراً يسير عليه في استخلافه للأرض، وفي سيره نحو القيم والأخلاق المطلقة. ولكن بما أنّ ثورة الأنبياء – رغم اكتمال الجانب النظري منها – لم تحقق بعد جانبها العملي المتمثل بإقامة مجتمع التوحيد على الأرض بشكل كامل، كان لا بدّ أن يمتدّ دور النبي في قائد رباني يمارس خلافة الله على الأرض، وتربية الجماعة وإعدادها، ويكون شهيداً بنفس الوقت. فكان الإمام المعصوم الذي تولى مهمة البدء بالثورة الاجتماعية مستنداً على الأسس التي وضعتها الرسالة الخاتمة.

– المرجعية (المرحلة الرابعة من الاستخلاف، والثالثة من خط الشهادة)

بعد أن حرم الإمام المهدي من حقه في ممارسة الخلافة الإلهية على الأرض، وحرم فيما بعد حتى من ممارسة دوره كشهيد على الأمة، تداعت الأمور حتى وصل الحد معه أن قرر بأمر من الله تعالى الاحتجاب والتواري عن الأنظار، انتظاراً للحظة المناسبة التي تتهيأ فيها الظروف الموضوعية للظهور وإنشاء مجتمع التوحيد في العالم كله.

وهنا بدأت مرحلة جديدة تمثّلت في المرجعية، وهنا تميز خط الخلافة عن خط الشهادة، وذلك لأن اندماج الخطين لا يصح إلا بوجود معصوم قادر على ممارسة الخطين معاً. فتحمّل المرجع – وهو “معين من قبل الله تعالى بالصفات والخصائص أي بالشروط العامة[6] – خط الشهادة ومسؤوليته على أساس أن المرجعية امتداد للنبوة والإمامة على هذا الخط.

ثانياً: أبو القاسم حاج حمد وجدلية الغيب، الإنسان، والطبيعة

أما الحاج حمد، فيضع ثلاثة مراحل حكمت العلاقة ما بين الغيب والإنسان والطبيعة. وهي الحاكمية الإلهية، حاكمية الاستخلاف، وحاكمية البشر.

–   في الحاكمية الإلهية

تشكّل الحاكمية الإلهية أولى تلك المراحل الثلاث، ويعرفها أبو القاسم حاج حمد بأنها “حكم الله المباشر للناس، دون استخلاف بشري، وهو حكم يتميز بـالهيمنة المباشرة على البشر وعلى الطبيعة في آن واحد، مع التصرف الإلهي فيهما تصرفاً محسوساً وملموساً – من وراء حجب – ولكن عبر حدثيات منظورة[7]، واعتبر أن بدء هذه المرحلة كان مع الحالة التاريخية الإسرائيلية، حيث أدت هذه العلاقة إلى قيام مملكة الله في الأرض يدير شؤونها الله سبحانه، بنفسه، لا بمنطق الاستخلاف البشري عنه.

ومن خصائص هذه المرحلة:

تقديس الأرض التي عليها قامت مملكة الله، والشعب الذي خضع لحكم الله المباشر.
تشهد هذه المرحلة إضافة للحكم المباشر على الإنسان، هيمنةً على الطبيعة، كحين ضرب موسى البحر بعصاه… إلخ.
الهيمنة على البشر لا تمارس في هذه المرحلة عبر خليفة يتصرف من عند ذاته بموجب النظر في التوراة فقط، إنما جعل سبحانه حضوره مباشراً عبر الأنبياء المتعاقبين الذين لا ينقطع تواصلهم ويحملون أوامره ونواهيه.
وفر الله لمجتمع الحاكمية الإلهية إضافة إلى خارق العطاء رغيد العيش، ولكن في المقابل كان العقاب على الذنب صارماً ومعجلاً.

– حاكمية الاستخلاف

بعد قرون من بعثة موسى تمرد الإسرائليون على الحاكمية الإلهية وطلبوا ملكاً من عند أنفسهم بديلاً عن سلطة الأنبياء والربانيين والأحبار المتصلين بالله، وطلبوا من الله أن يختار هذا الملك – أن يبعث لهم ملكاً – فتحولوا بذلك من منطق الحاكمية الإلهية إلى حاكمية الاستخلاف عن الله. وهي مرحلة وسيطة بين الحاكمية الإلهية بخصائصها التي ذكرناها أعلاه والحاكمية البشرية التي ترجع إلى الإنسان وترتبط بخصائصه.

ويعرف أبو القاسم حاج حمد حاكمية الاستخلاف، بالمرحلة التي يكون فيها “الخليفة موصولاً بالله عبر الإلهام والإيحاء، وأن تسخر له الطبيعة والكائنات، وهذا ما كان مع داود وما كان مع سليمان، وتعني أن يختار الله – لا المجتمع البشري – هذا الخليفة، تماماً كما اختار الله طالوت ثم داود ثم سليمان. فالخلافة “اختيار إلهي مرتبط بترشيد إلهي وتسخير إلهي، وليست مجرّد ممارسة سلطة دينية بموجب شرع الله وباختيار بشري”.

خصائص مرحلة الاستخلاف:

تسخر للخليفة الطبيعة، ويُعلّم منطق الطيور والبهائم، ويسخر له الجند من الجن والإنس والطير والريح وغيرها من مظاهر السيطرة.
إذا غمضت المسائل وارتبك الاجتهاد يتدخل الله سبحانه بشكل مباشر، كما تدخل فأفهم سليمان حكم الغنم التي نفشت في حرث القوم.
الاستخلاف ليس مجرد سلطة سياسية ولكنه استخلاف الكوني على الأرض وما عليها.
الخلافة عن الله في الأرض لا تنتهي إلى عصمة الخليفة.

– الحاكمية الإلهية أو حاكمية الكتاب البشرية

يختلف مفهوم حاكمية الكتاب البشرية عن مفهوم الحاكمية الإلهية، وحاكمية الاستخلاف، فالمفهوم هنا يعود إلى حاكمية الإنسان خارج منهج الهيمنة الإلهية المباشرة على البشر والطبيعة “الحاكمية الإلهية” وكذلك خارج منطق الاختيار الإلهي والتسخير “حاكمية الاستخلاف”.

ويعتبر الحاج حمد مرحلة الحاكمية البشرية أخطر مرحلة تناولها الخطاب الإلهي للبشرية منذ خطاب الحاكمية الإلهية وحاكمية الاستخلاف، فالله قد تدرّج بالبشرية لتحكم نفسها وتلك غايته من الخلق وهي غاية انتهى الله إلى تأسيسها على يد خاتم النبيين وفي الأرض المحرمة وجعل لها القرآن العظيم منهجاً. ومعها لا يعود للغيب دوره، وتنحصر العلاقة ما بين الطبيعة والإنسان.

[1]  محمد باقر الصدر، خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، تحقيق أحمد ماجد (بيروت: دار المعارف الحكمية، الطبعة الأولى، 2014) هامش الصفحة 51.

[2]  المصدر نفسه، الصفحة 64

[3]  المصدر نفسه، الصفحة 77.

[4]  المصدر نفسه، الصفحة 68ز

[5]  سورة المائدة، الآية 44.

[6] محمد باقر الصدر، خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، مصدر سابق، الصفحة 94.

[7]  أبو القاسم حاج حمد، الحاكمية، الصفحة 45.