لم أكن أعرف أي شيئٍ عن خلفيات "الهنغار" في صغري، من يقف خلفه ويموّله، ولأي جهةٍ سياسيةٍ ينتمي مشغّلوه. غير أنني كنتُ أمُرّ بجانبه بشكلٍ شبه يومي، أثناء سيري في ذلك الشارع متوجهاً إلى المسجد الذي أحببت، ولطالما لجأت إليه كمحلٍّ للسكون والابتعاد عن ضجيج المدينة.

مساءً، ظهراً، وفي الفجر أيضاً، مررت من هناك مئات وربما آلاف المرات، وعلى مدى سنين، في ذلك الحي الهادئ، وفي الشارع الضيّق الذي كانت في نهايته مجموعة مبانٍ قديمة لم تتخطى الطابقين، وهي بيوتٌ لبعض العائلات التي كانت ما زالت متمسكةً بأسلوب عيشها البسيط وآثرته على أن تبيع ملكيّتها للمطوّرين العقاريين، الذين دأبوا على تحويل الشوارع في بيروت وضواحيها الممتدة إلى خنادق إسمنتية، عبر تشييد مبانٍ مرتفعةٍ على جنبات الشوارع الفرعية الضيّقة. ودائماً ما لفتني البناء الأبيض خلف الحديقة الخضراء إلى جانب "الهنغار" وقبل المسجد تماماً، إذ حدّثت نفسي بأنّ هذه العائلة قد فعلت حسناً بعدم تحويل العقار إلى واحدٍ من تلك المباني، وما زالت تعيش مع الأرض. ولو أنّني لم أشعر بأيّ تفاعلٍ يذكر خلف تصوينة ذلك العقار، وكان بالنسبة لي مكاناً كئيباً دائماً، لا أذكر بأنّي سمعت فيه صوت طفل أو رأيت أيّ أولادٍ يلعبون هناك، فكنت أربط بين هيئة البناء فيه وبين طراز منازل الأرستقراطيين التي كنت قد رأيتها في الأفلام الأجنبية.

أذكر جيّداً كم كانت الملصقات على الجدار الإسمنتي الذي يختبئ الهنغار خلفه تلفت انتباهي، وتشدني لكي أدخل وأرى الفن المعروض في الداخل (وأنا من هواة الفن منذ الصغر). كنت أفكّر كثيراً بالدخول، كما كانت تغريني فكرة التفتّل داخل معرضٍ فنيّ في الحيّ المجاور لمحل سكني. غير أني لم أدخل ولا لمرةٍ واحدة، بل كنت أكتفي بأن أسترق النظر عبر الباب المفتوح أثناء مروري.

ولعلّ ذلك يعود لسببين رئيسيين:

الأوّل نفسيّ، لأنّ الجدار شكّل حاجزاً بين الهنغار والشارع، ليس مجرّد حاجزٍ ماديّ، بل كان حاجزاً نفسياً أيضاً، إذ كنت أتسائل لما يختبئ "الهنغار" خلف الجدار المرتفع؟ وهو مخصصٌ للمعارض الفنية (بحسب الإعتقاد الذي كوّنته في ذلك الوقت).

والسبب الثاني أنني كنت أقرأ بين سطور المنشورات الدعائية الملصقة على الجدار بعداً أمريكياً ( وأمريكا مثّلت بالنسبة لي حينذاك كلّ الحقل المعجميّ الذي يدور حول العدوان والظلم والإحتلال والجرائم والانحلال من الإنسانية والأخلاق)، وهذه القراءة لم تكن من خلال الكلمات بل ربما بسبب طريقة تصميم الإعلانات، واللغة الأجنبية التي تواجدت دائماً فيها وطغت على الحرف العربي، إذ أنّ عِنوانَ المكانِ الذي يدعو المصَلقُ إليه كان دائماً : “The Hangar” .

 كان كُلُّ هذا قبل أن يتدمّر نمط عيشي، وتضيع لوحاتي وريَشي وصوري وكتبي في حرب تموز 2006، بعد أن دمّرت الطائرات الأمريكية منزل أهلي الذي نشأت فيه، في حارة حريك على حدود "مربع التحدّي" أو ما اصطلح على تسميّته من سكان المنطقة حينها بـ "الشورى"، ومن الإعلام المعادي بـ "المربع الأمنيّ".

بعد التحاقي بكليّة الفنون الجميلة لدراسة الهندسة المعمارية، ورغم أنّي رجعت بعد إعادة الإعمار (عبر مشروع وعد) إلى ذات الحي، إلّا أنّني لم أعبر بوابة السور الذي يحتجب الهنغار خلفه. أذكر أني رأيت أكثر من مرةٍ حفلات افتتاح المعارض والأنشطة التي كانت تجري هناك، وتجمهّر عددٍ من الناس أمام الهنغار، وكان فيهم من يدخّن السيغار أو يحمل الكؤوس الزجاجية في مشاهد لم أعتد على رؤيتها إن في المحيط الملاصق له أو في الأحياء المجاورة.

وعلى كلّ حال، لم أرتح يوماً للهنغار المختبئ، إذ إنّ اختبائه قد ناقض الهدف من إنشائه، فإذا كان الحيّز هذا مخصصاً للأنشطة والتفاعل الإجتماعي وبث الرسائل عبر الفنون المتنوعة، فإنّه قد خالف مبادئ التفاعل باختبائه خلف الجدران. وكما دأب أساتذة العمارة بتعليم طلابهم، أنّ على المبنى أن يكون مرّحباً للناس وجاذباً لهم، وبناءً عليه وجب الإهتمام بالإطلالة، وكيفية الدخول، ومجالات الرؤية وزواياها. وكلّ هذا لم أجده في الهنغار، بل على العكس تماماً، هو قد عبّر (من وجهة نظرٍ معماريةٍ ومدينية) عن إرادةٍ وإصراراٍ على الإنعزال عن المحيط، وهو على الأرجح مقصود، ربما هو الخوف من الإنفتاح على المحيط البسيط، وبالغالب هو عن درايةٌ بوجود تناقضٍ دفعه للعزلة. ولهذا كلّه لم أرتح له، ولم أعبر إلى مجاله المنعزل، فهو أشبه ما يكون بفقاعةٍ تحجب ما بداخلها وترغب في ذات الوقت بأن يدخل إليها الناس لتكبر، غير أنّها أرادت لهم أن يعتزلو العالم الحقيقيّ البسيط المحيط بها كما فعلت. إذن هي رغبةٌ في الانعزال واستقطاب الأفراد إلى العزلة ذاتها، ولا أشكّ بأنّ الهنغار لم يوّفق في جذب محيطه إليه، فيما أتقن فنّ الإختباء.

وهنا أستحضر قولاً لفيلسوفٍ ألماني* تبناه المعمار المصري د.حسن فتحي بأنّ "العمارة هي موسيقى مجمّدة"، وأتسأل هنا كيف هي الحال إن كانت الموسيقى جافة إلى حدّ التخفّي، ستنتج حينئذٍ عمارةً مختبئة، في فراغها الداخليّ قد تجد فراغاتٍ أخرى ودوامةً من الفراغات ربما تقود إلى المجهول. فيما يمكن أن ترى موسيقىً دافئةً بسيطة في الأبنية المقابلة للهنغار، فعلى الطرف الآخر من الشارع تجد عجوزاً يدخل إلى منزلٍ قديمٍ ظاهر يلعب فيه الأطفال على الدرج الخارجيّ البارز الذي يقود إلى الطابق الأوّل، في مشهدٍ يجعلك تنظر إلى الأعلى وإلى السماء الفسيحة.


*  الفيلسوف يوهان غوته (Johann Wolfgang von Goethe)  1749-1832، هو أشهر الأدباء الألمان، وقد ترك إرثاً أدبياً وثقافياً ضخماً للمكتبة الألمانية والعالمية. تعبّر فكرة جوته (العمارة هي موسيقى مجمّدة) أن جميع عمليات الإبداع والإختراع مرتبطة بحاجة الإنسان للتعبير عن شيءٍ ما، وبصرف النظر عن الوظيفة النهائية للبناء والعمران، يمكن أن يكون التعبير فكرةً جديدة، أو تطويراً لحلٍ موجود، أو ابتكارًا جماليًا بحتًا.