في ظل الأحداث الأميركية الملتهبة خرج علينا (مثقفونا) بنظراتهم وتحليلاتهم التي وضعتها الماركسية في متاحف الفكر البشري. ثمة جملة من الأسئلة يفترضها الواقع السياسي الأميركي على كل منا، وقد لا نجد إجابتها في ما يتداوله "الباحثون الجدد". ولعل من هذه الأسئلة ما يراود القارئ حول تفسير الصراع الأميركي - الأميركي؛ صراع ترامب وبايدن، وانعكاساته الإقليمية والدولية، إذ هل كان ترامب بهذا الشكل الشاذ الخارج عن سياق الحاضر والتاريخ الذي يصورونه لنا؟ وهل كان العداء مع الصين غريباً ولا وجود لمبررات مادية له؟ وهل الحرب الجمركية والتجارية مع الصين من عجب العجاب؟ أليس الصراع الأميركي هو نتيجة انهيار صنم الديمقراطية وحرية السوق والتجارة؟ أليس الداخل الأميركي المفتت انفجر نتيجة التناقضات الداخلية للنظام الرأسمالي؟ ثم، ألا يشكل سقوط ترامب هو سقوط مثالية عودة التاريخ إلى الوراء؟ 
تحتم مجموعة الأسئلة هذه أن نعيد قراءة المشهد وِفق مفاتيح المادية التاريخية.
في الحقيقة، اتجهت الرأسمالية، بعد الحرب العالمية الثانية، إلى إعادة تقسيم العمل عن طريق تفتيت التمركزات الصناعية كثيفة العمالة والاتجاه نحو الصناعات كثيفة التكنولوجيا في المراكز، وذلك بغرض وقف المد الثوري الاشتراكي وتشتيت الحركة العمالية. وبذلك انتقلت الكثير من الصناعات إلى خارج المراكز وخاصة إلى الصين، ذلك التنين الصناعي الذي فرض نفسه على القوى الدولية. وكانت الصناعات المضرة للبيئة من أهم تلك الصناعات التي جرى تصديرها إلى العديد من الدول الطرفية في آسيا وأميركا اللاتينية. وهذا سلوك إمبريالي مشهور لحماية بيئة المراكز على حساب الأطراف من تلك الصناعات الملوثة للبيئة ولكن أيضًا التي لا يمكن الاستغناء عنها. وكان ذلك سبب انتقال تكنولوجيا الجيل الثاني إلى بعض دول الأطراف مع احتفاظ دول المراكز بتكنولوجيا الجيل الثالث واحتكارها. ثم توصًّلت المراكز إلى الجيل الرابع، فصدَّرت الجيل الثالث إلى بعض دول الأطراف الأكثر تقدمًا كالصين. وبذلك يتم الحفاظ على احتكار التقدم التكنولوجي. 
وهكذا قامت الإمبريالية بتقسيم العمل بين عدة دول طرفية، فلكل دولة دورها في تصنيع جزء من المُنتَج ويتم تجميعه منهم في النهاية. وذلك ما تقوم به الشركات العابرة للقوميات مع الحفاظ على احتكار تصنيع الأجزاء المتطورة تكنولوجيًا داخل المراكز. 
كل ما سبق أدى إلى أزمة هيكلية للرأسمالية وخاصة الرأسمالية الأميركية بسبب نقص الخدمات المحلية التي كانت تلبيها تلك الصناعات المُصَدَّرة، وأيضًا زيادة الفقر والبطالة كنتيجة طبيعية لخروج تلك الصناعات كثيفة العمالة من المراكز حسب رغبة الشركات العابرة للقومية ورأس المال المعولم. هذا غير الإهمال الطبي الذي اتضح خلال أزمة "الكورونا" وفَضَح تخلف الخدمات الحكومية الأميركية. 
وكان لمنطقتنا العربية نصيب من ذلك التحول. فكانت الولايات المتحدة الأميركية تُصدِّر أزماتها لنا لتحافظ على ريادتها بين المراكز الأخرى. فكانت الشركات الأميركية العابرة للقوميات تشيع الفوضى الخلّاقة (الربيع العربي) للسيطرة على النفط والغاز العربي. وذلك ما رأيناه في سوريا وليبيا ومن قبلهما العراق، وهكذا أي دولة مركزية ترفض التخلي عن سيادتها ضد السوق الحر والعولمة. فكان الحل الأميركي هو تفتيت الدول المركزية إلى ما قبل الدولة. 
على ضوء ما سبق يمكننا الآن فهم حقيقة الصراع في الداخل الأميركي. فالحزب الديمقراطي يُمثِّل الشركات العابرة للقوميات، بينما الحزب الجمهوري يُمثِّل ذلك الحلم الأميركي المتوارى، أي أميركا الكلاسيكية القديمة المنتفخة بالمصانع والخدمات والهدوء المحلي. وهكذا كانت سياسة ترامب في التضييق على الشركات العابرة للقوميات وفضح سياساتها خاصة في الداخل العربي. بل ومعاداة الاتفاقيات الخاصة بحماية البيئة لإعادة التصنيع الأميركي. ولكن المادية التاريخية تُخبِرنا بمثالية الرجوع إلى الوراء. كذلك حدث الخلاف بين أميركا وأوروبا وحلف شمال الأطلسي (الناتو). حيث صرَّح ترامب أن على أوروبا أن تحمي نفسها بنفسها. وبالطبع اشتعال الصراع بين الحلم الأميركي البائد والتنين الصيني المُتقدِّم بقوة، حتى صارت الصين مَصنع العالم. فكان ترامب ممثلاً للدين السياسي اليهو/مسيحي الناظر لأميركا على أنها الأرض الموعودة. والممثل لهمجية الرجل الأبيض والناظر بعنصرية إلى الملونين، وكان كذلك مُعبِّرًا عن الطبقة العاملة البيضاء التي ترى في المهاجرين والملونين أعداءً لها ومزاحمين لها. وهذا طبيعي وقد رأيناه في نتيجة الانتخابات، فلقد وعدهم ترامب باسترجاع الحلم الأميركي المخطوف وإعادة الصناعات الكثيفة العمالة.

هذا هو الصراع داخل الطبقة الحاكمة الأميركية بين الإمبريالية القومية التي يمثلها الحزب الجمهوري وبين الإمبريالية المعولمة التي يمثلها الحزب الديمقراطي. وكذلك بين الطبقة العاملة البيضاء المنحازة للحزب الجمهوري، والمهاجرين والملونين المنحازين للحزب الديمقراطي. فالديمقراطيون ممثلون لشركات الجيل الرابع التكنولوجية وعلى رأسها شركات الاتصالات والتواصل الاجتماعي وشركات الإعلام وكل الشركات العابرة للقوميات وشركات الإلكترونيات والتقنية في "Silicon valley". وذلك هو سبب الدعم اللامحدود من هذه الشركات للحزب الديمقراطي. وكذلك دعم منظمات التخابر "إنجي أوز" المُهندِسة للفوضى الخلّاقة والعولمة للحزب الديمقراطي. 

ومن هذه المنظمات يخرج علينا مُنظِّرو النيوليبرالية للدفاع عن الحزب الديمقراطي وبايدن، ضاربين بالمادية التاريخية وحقائق الصراع عرض الحائط. فالهيمنة الأميركية القومية على الوطن العربي المتمثلة في )البلطجة( الأميركية العسكرية المباشرة وحلب موارد الوطن العربي، لا تختلف عن الهيمنة عبر الشركات العابرة للقوميات وإشاعة الفوضى الخلّاقة وتفجير الدول من الداخل. إن أميركا عدوٌ في ذاتها وبدعمها اللا مشروط للعدو الصهيوني. فالمراكز هي المراكز والأطراف هي الأطراف ولا فرق بين فردتي حذاء كما قال الرفيق "كاسترو".

فالداخل الأميركي وصراعاته من تخلف التعليم والصحة والعمل والخدمات لا يَحدُث خارج النظام الرأسمالي العالمي. ولن يُحَلّ إلا بتخطي هذا النظام نحو الاشتراكية بإزالة الإمبراطورية الأميركية بحزبيها وهيمنتها.

إن المشهد الأميركي يجب أن يُقرَأ على ضوء هذا الصراع بين الجمهورية الأميركية الكلاسيكية والإمبراطورية الأميركية القائدة للعالم بعد الحرب العالمية الثانية بالهيمنة والإمبريالية المعولمة. إنه مشهد الرأسمالية وتناقضاتها الداخلية وتناقضها مع التقدم التكنولوجي. إنه وقت صعود خطاب المالثوسية والداروينية الاجتماعية والنازية.

عصر تغيُّر طرق وخريطة التجارة الدولية. عصر تشتيت وتفكيك الطبقة العاملة الصناعية، وتحريف الاشتراكية العلمية باليسار البرتقالي والتروتسك والأنجزة ومراكز الأبحاث المُموَّلة. عصر الجَزْر الثوري الاشتراكي.