"أنا أعرف أنك ذات يوم ستُدرك هذه الأشياء، وتُدرك أن أكبر جريمة يُمكن لأي إنسان أن يرتبكها، كائنا من كان، هي أن يعتقد ولو للحظة أن ضعف الآخرين وأخطاءهم هي التي تُشكل حقه في الوجود على حسابهم وهي التي تبرر له أخطاءه وجرائمه".

غسان كنفاني

***

أنا لا أعرفك، لا أكن لك حقدا ما من قبل، ولا لنجاحك الذي لا أعرفه، طبعا إن كنت ناجحاً فعلاً. فمقاييس النجاح تختلف من أحد إلى آخر. أنا شخص بسيط من هذه البلاد العربية المنكوبة، حكامها عملاء وخونة ومن يحسبهم الناس نخبتها أغلبهم كذلك. أضع كوفية على كتفي أو رأسي، في بيتي أضع علم فلسطين وخارطتها كاملة من رأس الناقورة إلى أم الرشراش، ولا أعترف بأي خارطة أخرى، ولا أنظر إلى الاحتلال إلا بعين الحقد ولا أسميه إلا عدواً. وأنا هنا لا أفعل إلا ما تستوجبه إنسانيتي ولم "آت بالأسد من أذنيه" كما تقول العبارة التونسية الشهيرة.

وككل الذين يملكون منسوبا من الوعي، اجتهدت وأجتهد وسأجتهد لأعرف عدوي، عدو الإنسان، أقرأ وأبحث وأجري كي لا يفوتني إصدار ما يخص فلسطين ومغتصبي فلسطين. لهذا فمكتبتي المتواضعة تضم عشرات الكتب في هذا المجال، منها ترجمات كثيرة قام بها باحثون من الشرق والغرب لفهم هذا الكيان الغاصب. ومؤلف المناضل الشهيد غسان كنفاني "في الأدب الصهيوني" من أفضل ما قرأت في هذا المجال، في هذا الكتاب القيم الذي صدر منذ الستينات (1966) يرصد كنفاني أهم الكتب والمراجع الصهيونية التي خدمت الصهاينة وروجت لأكاذيبهم منذ أواسط القرن التاسع عشر وحتى لحظة احتلال فلسطين. وفي الكتاب المرجعي يجزم غسان منذ المقدمة أن "الصهيونية لم تقاتل - إلى جانب قتالها العسكري - على جبهة أكثر من قتالها على جبهة اللغة".

في الحقيقة هذه الخلاصة التي كانت مستجدة لحظة نشر الكتاب، صارت قناعة راسخة عندي وأمثالي الآن. وهذا لا يستحق منا جهداً كبيراً كي نعرفه، فالتاريخ البعيد والقريب والحاضر يزخرون بالأدلة القاطعة. يرى اليمين الصهيوني المٌسيطر على المشهد في فلسطين المحتلة الكاتب زئيف جابوتنسكي (مات قبل نكبة فلسطين ثم أتى الصهاينة برفاته من أمريكا ودفنوه في القدس) أباه الروحي إذ يستمد أدبياته من كتابه العنصري "الجدار الحديدي". بالنسبة لتيودور هيرتزل فقد استغل الكتابة والصحافة أيما استغلال للترويج لأكاذيبه ومخططاته الاستعمارية من ذلك روايته الكاذبة " أرض جديدة قديمة " أو كتابه المؤسس "الدولة اليهودية". أما بعد الاحتلال الصهيوني لفلسطين فقد تم إطلاق اسم "جورج أليوت" على أحد شوارع تل أبيب وهذا الاسم هو اسم حركي لكاتبة بريطانية صهيونية كتبت في القرن التاسع رواية "دانييل ديروندا" التي انتهت بـ"خلاص" بطلها مردخاي. وفكرة الخلاص هي واحدة من أعمدة العقيدة الصهيونية والخلاص هو الرحيل إلى ما يسميها الصهاينة "أرض الميعاد " والمقصود بها فلسطين. الكتابة والأدب ليست إلا وسيلة تعتمدها الصهيونية لخدمة أهدافها العنصرية، ومن يعتقد غير هذا فواهم أو عميل. يقول معين بسيسو في كتابه المهم "نماذج من الروايات الإسرائيلية المعاصرة" الصادر عام 1970: "الأدب الإسرائيلي في صلب تكوينه يهدف إلى إعطاء المحارب الإسرائيلي الفرحة الروحي".

ولأن موضوع الكتابة هذا على غاية من الأهمية ومبررو التطبيع  يحاولون في كل المرة الاستئناس بشواهد واهية وتافهة مثل ضمائرهم، نحاول الاستناد إلى شواهد دقيقة وواقعية.

في العشريتين الأخيرتين حضر الأدب والتأريخ بقوة في المشهد الصهيوني، ولئن كان في مراحل التأسيس يعتبر طائرة للوصول إلى الحلم وتجسيد الأكاذيب على أرض الواقع، فهو منذ بداية الألفية أي زمن الانتفاضة الفلسطينية الثانية وحتى قبل صار قاربا للنجاة. وقد ظهر كتاب يعرفون بكنية "الروائيين الجدد" (نسبة إلى المؤرخين الجدد الذين ظهروا في أواخر الثمانيات وقاموا بتكذيب الرواية الصهيونية الرسمية  في إنتاجاتهم المختلفة التي تورط الصهاينة في الإبادة التي قاموا بها ضد شعب فلسطين لبناء دولتهم)، هؤلاء جاءت روايتهم التي يمكن نسبها إلى "أدب الديستوبيا – أدب المدينة الفاسدة " للتحذير مما تذهب إليه السياسات الصهيونية الخاطئة (في نظرهم) ولتصحيح ما يرونه أخطاء سياسية وعسكرية وثقافية تذهب بكيان العدو حتى النهاية .وقد نشروا روايات كثيرة تحذر من المخاطر والتهديدات التي تنتظر الصهاينة في المُستقبل، بعض هؤلاء كانوا قادة في جهاز الموساد خلال الثمانينات والتسعينات.

 لهذا ولغيره فكل من يُزيف الحقائق ويتعامل مع الصهاينة من بوابة الأدب والفن ويدعي أنسنة العلاقات معهم، فهو خائن وعميل وعديم الإنسانية وعدو للفلسطينيين ولا صفات أخرى له من خارج هذا المعجم.

قد نقوم بترجمة الأدب العبري لفهم الصهيونية وواقعها ونظرتها لنا والأدب الصهيوني مليء بالشواهد الدالة على العداء الشديد الذي يملأ قلوبهم تجاهنا. وما نفعله في هذا الصدد يندرج في خانة "اعرف عدوك". يوصينا معين بسيسو في كتابه المذكور سلفا بـ"إن العدو الإسرائيلي هو العدو الذي يجب أن نعرفه كشرط رئيسي من شروط الانتصار عليه". أما الصهاينة فهم أيضا يقومون بترجمة ما نكتبه  لمعرفتنا أكثر وفهم مختلف جوانب حياتنا، وهم لا ينظرون إلينا إلا نظرة عداء وحقد ولا يعتبروننا إلا أعداء وإرهابيين. في اللحظة الراهنة وبعد سقوط أنظمة عربية عميلة في مستنقع التطبيع مع الصهاينة وبداية إقامة علاقات معهم وتواطئ بعض النخب التافهة في تبرير هذه الخطوة المشؤومة تارة لدواعي اقتصادية وتارة لدواعي ثقافية (كلها حقيرة وواهية)، فإن الصهاينة سيحاولون استغلال هذه الثغرات ببذل أكثر جهد ممكن لجعل العدو "آخرا" إنساناً. وسيلجأون إلى جميع الجبهات لبناء علاقات مع بعض العرب وإقناع آخرين بذلك عارضين كل الإغراءات، باعتبار الفرصة الآن سانحة أكثر من أي وقت مضى (من منظور صهيوني). وطبعاً سيكون الأدب وسيلة لتسريع عملية التطبيع خصوصا أن ضعاف الأنفس وعديمي الإنسانية لن يترددوا في الانفتاح على السفاح مقابل ما سيُقدم لهم من "شيكل" وشهرة (هي شهرة سيئة في النهاية).

في هذا الإطار ارتكب الروائي التونسي كمال الرياحي سقطة أخلاقية وفكرية واضحة حين تبجح بتقديم روايته "المشرط" المُترجمة إلى العبرية في جريدة "يديعوت أحرونوت"، والجريدة هي منبر صهيوني عنصري وواحدة من الصحف المؤثرة على الرأي العام منذ عام 1939 تاريخ تأسيسها، إذ كانت تعمل بالتوازي مع مجهودات بن غوريون السياسية وتقوم بعملية الحشد والتعبئة.

الإشادة بنشر مقال عن روايتك في صحيفة صهيونية هو إشادة بمجهود صهيونية وبوسيلة إعلام صهيونية وهذا أمر يستوجب الاعتذار على الأقل. وهذا ما لم يفعله المعني بالأمر، بل تطاول واتهم من عاتبه على ذلك بالجهل والتخلف. إذن إلى جانب الصهيونية التي تنعتنا بالإرهابيين والمخربين هناك من يعنتنا بالجهلة والمتخلفين لأننا مع فلسطين. حسنا، نحن نتشرف بذلك وبانتمائنا لفلسطين.

بعد ذلك تدافع بعض أصدقاء المُطبع لتبرير سقطته، امتلأ "الفايسبوك" بمناشيرهم الفارغة التي تخاطب "حقدنا". فوجدنا أنفسنا نعيد أمامهم أبسط قناعتنتا ونوضح لهم رؤيتنا للصراع العربي (الفلسطيني) الصهيوني.

هنا من المنطقي والبديهي أن لا ندين راوئياً أو شاعراً أو باحثاً ما لمجرد ترجمة كتابه إلى العبرية، ما دام لم يتلق مالاً أو خدمة مقابل ذلك وما دام لم يمض عقداً مع الصهاينة أو يتواصل معهم. ولم نكن نحتاج لأحد ليذكرنا بهذا. لكن في اللحظة التي كنا فيها ننتظر اعتذار الروائي المُطبع عن تبجحه بمقال صحافي صهيوني عن رواية مترجمة لدار نشر مالكها ثري صهيوني، ونكف أنفسنا عن التشهير به أكثر لم يأت الاعتذار، إنما جاءت معطيات أخرى كانت غائبة عنا. ظهر هذا المُطبع وهو يرحب في تعليق على الفايسبوك بزيارة صحفية أو مصورة إسرائيلية إلى تونس و"يعزمها" لتدنيس التراب الذي مشى عليه شهداء فلسطين وتونس.

هذا المُطبع هو للأسف لم يفعل ما فعله بصفته ككاتب (والكتابة الحقيقية براء من أمثاله)، إنما يفعل ذلك وهو مديرٌ لبيت الرواية التونسي الذي تموله وزارة الثقافة بأموال الشعب. وفي الحقيقة لا نظن أن الكاتب لم يعلم باسم دار النشر أو لم يبحث عنها في الأنترنت، نكتفي بهذا كي لا نضيف توضيحات أخرى عن قراء العبرية.

إذن هذا سقوط مُضاعف ، لا يعكس إلا سذاجة القائم به. ومادام هو لم يتكرم بالاعتذار الجاد، وبقيَ يصف المعترضين على سفالته بأعداء النجاح فسنتكرم عليه بضمه إلى عصابة المُطبعين الذين لم يحترموا تضحيات ملايين من الفلسطيين والعرب والأمميين - على اختلاف أعراقهم ومعتقداتهم - أمام هذا العدو الجاثم على صدورهم مستندًا إلى عملاء وخدمة من هنا وهناك.

هنا بديهيا يمكن التساؤل أيضا؛ ألم يعرف الكاتب المطبع خطورة ما ارتكبه؟ ولماذا لم يعتذر بشجاعة ويقطع علينا طريق الهجاء والاحتجاج ؟ 

كان ذلك ممكنا ببساطة شديدة، لو أن عقل هذا المطبع لم يكن مليئا بحسابات أخرى. هذا المطبع واحد من أصوات وأقلام بدأت تظهر إلى العلن منذ فترة لتقوم بأنسنة العدو مستغلة حالة الوهن العربي من جهة وما تحظى به من إمكانيات تتيح لها الظهور خصوصا بعد اتفاقية العار الموقعة أخيراً (ابراهام). فاتهم أننا لا نميز بينهم وحججهم وبين هؤلاء الحكام المُطبعين.

وبما أن المطبع لم يعتذر بوضوح، وحتى بيان مساندته الموقع من بعضهم لم يتضمن إشارة صريحة لمناهضة التطبيع، فهذا يفتح أمامنا تأويلات كثيرة لأحداث حصلت وتحصل منها:

أولاً: بعد ما حصل من اتفاقيات مع العدو الصهيوني وهرولة إليه، سيجد البعض من ضعاف الأنفس والموقف المناخ الملائم لتمرير مشاريعهم القذرة.

ثانياً: حالة الضعف العربي المستمر والنكبة المتواصلة منذ سنوات، صارت وتصير حجة تافهة للمطبعين الذين ما فتأوا يذكروننا في كل مرة بالحصار المفروض علينا (فرضناه نحن ولم يفرضه أحد)، إذ يتفاخرون بإسرائيل أكثر من الصهاينة أنفسهم.

ثالثاً: يحاول بعض الحمقى "تحييد" الثقافة والفن في صراعنا مع الصهيونية، إذ ظهرت نكات سخيفة تفصل بين الفن والسياسة وكأن من يكتب في يديعوت أحرونوت أو من يدير "دار آفيك " يقطرون إنسانية.

رابعاً: أمام ما يحدث اجتهد المطبعون في إيجاد حجج مختلفة لتضليل الرأي العام كادعاء الكتابة إلى الإنسان حيثما كان (والإنسانية مرتبة لا يصلها الصهاينة وروافدهم) واتهام مخالفيهم بالتطرف (الدواعش) وهذا ما قامت به مترجمة العمل إلى العبرية. وسيتحجج هؤلاء بأسماء "كبرى" كانت لها سقطات سابقة أو ببعض الفلسطينيين وكأن المبادئ تتجزأ أو تراعي الأسماء.

كل هذه الحجج وما يعقبها من خطوات لا تصب إلا في خانة أنسنة العدو وتغطية التطبيع.

في الختام، إن كل ما حدث ما كان ليحدث لو سارع المطبع بالاعتذار وهو الذي تُفتح له كل المنابر، لكن مكابرته غير البريئة إنذار واضح بخطورة المستقبل. وبالتالي بات من الواجب علينا الاستعداد الحقيقي لصد لكل محاولات التطبيع وكشف أصحابها، كي يعلم كل مطبع أي مصير ينتظره.